الثلاثاء 10-أكتوبر-1972
حينما ودعت العلامة المجاهد الشيخ حسن حبنكة رأيت في نفسي رغبة ملحة في أن ألمس أثره في أحد تلامذته الذين ذكرهم لي.. وهل یا تری ما زالوا يشعرون تجاهه بالفضل وقد وصلوا إلى مراتب علمية عالية؟ وورد على خاطري اسم الدكتور محمد سعيد رمضان الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة دمشق.. فسارعت بضرب موعد معه.
تاريخ الرجل
• • وكان أول ما وجهته إليه من أسئلة عن اسمه بالكامل وعمره؟
فأجاب:
محمد سعيد رمضان البوطي نسبة إلى جزيرة ابن عمر على شمال العراق حيث إنى كردي الأصل، ومن مواليد ۱۹۲۹، وأولادي أربعة أكبرهم توفيق الحاصل على ليسانس الشريعة، ويعمل مدرسا بالمدارس الثانوية، وعبد السلام طالب بالبكالوريا، وعبد الرحمن بالسنة الثانية الثانوية، وسمية.
س: كيف تلقيت دراساتك؟
الأولى بعد الابتدائي بمعهد التوجيه الإسلامي لفضيلة الشيخ حسن حبنكة حتى حصلت على الثانوية الشرعية، وأخذت أدرس بالمعهد حتى ١٩٥٢م حيث التحقت بكلية الشريعة بالأزهر واستمررت إلى ١٩٥٧ ثم حصلت على دبلوم معهد التربية، واشتغلت مدرسا في ثانوية حمص إلى ١٩٦١ حيث عينت في أعقاب الوحدة معيدا بجامعة دمشق وأوفدت في عام ٦٣ / ٦٢ لنيل الدكتوراه حيث حصلت عليها في عام ٦٦/٦٥ في أصول الشريعة الإسلامية «ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية»
الاعتراف بالفضل لأهله
س: كيف تم بناء شخصيتكم الإسلامية؟ ومن هم أساتذتكم في هذا المجال؟
- هناك شخصان أدين لهما بالفضل بعد الله:
أولاً: والدي الذي اهتم بتربيتي لا منذ ولادتي، بل منذ أن فكر بالزواج فمراحل التربية استمرت عن طريق معينين أساسيين هما العلم والوجدان وكان من فضل الله علي أن هيأ لي والدا يتمتع بالفهم لهما إذ اهتم بالجانب العلمي مع الأخلاقي والسلوكي.
ثانيا: العالم المربي الشيخ حسن حبنكة الميداني فقد أضفى علي من خبراته العميقة في الحياة، وأتم البناء الذي شاده الوالد ولا أزال الآن أتمتع بسابع من فضل هذا الرجل - ومع ذلك فربما كانت فاتحة حياتي الفكرية متجهة اتجاها أدبياً محضا «تلمس ذلك في مؤلفاتي الأولى التي كانت عبارة عن قصص مترجمة عن الكردية، وأخرى أدبية عاطفية ذات نزعة صوفية» ولكن الله عز وجل أراد لي الخير فجعل اتجاهي إلى خدمة الدين، وسخر هوايتي الأدبية في سبيل تحقيق خدمة دينية.
المنهج الصحيح لتربية الشباب
س: هل يمكن من خلال دراساتكم، وتجاربكم إعطاؤنا خلاصة منهج لتربية الشباب تربية صالحة؟
- تنمية الفطرة الإسلامية عند الشباب.. فالفطرة الإسلامية عند كل مولود ذات نوازع عقلية ووجدانية.. فالتربية الصالحة لا بد فيها من علم يغذي العقل، وتسليك يربي الوجدان الصحيح.. وأعتقد أن مظاهر مشاكل التربية في عصرنا أننا نغذي الجانب الأول ونهمل الثاني.. وفي أحسن الظروف نحاول أن نرعى الجانب الوجداني عن طريق العلم.. والعلوم لا يمكن مهما رقت أن تحمل على سلوك الذي يدفع الإنسان إلى سلوك الذي يدفع الإنسان إلى سلوك معين إنما هو الشحنات الوجدانية التي تتكون بين جوانحه على نحو معين، وأظن أنه من الحقائق التي لا خلاف فيها أن نسبة العوامل الفكرية من دوافع السلوك لا تزيد عن ۳۰٪.! أما العوامل الوجدانية فهي التي تستأثر بسلوك الإنسان وتشكل ما لا يقل عن ٧٠٪ من هذه الدوافع.. ولو لاحظنا أكثر المشاكل أو الأزمات التي انتابت الحركات الإسلامية لرأينا مردها ليس إلى علم ناقص ولا إلى وعي غير نام، ولكن مردها إلى عدم وجود نضج كاف في النواحي الوجدانية لدى كثير من المسلمين.. على أن هذا كله يتوقف في صلاحه على توفر بيئة ولو صغيرة يعيش فيها الشباب المسلم! فهو لا يمكن مهما أوتي ميزانًا علميًا صائبا، وحرقة وجدانية ملتهبة أن يسير في سلوك إسلامي صحيح إلا إذا كان من حوله من يشد من أزره وتحجزه عن مطارح الشر والرذيلة!
ظاهرة العودة إلى الإسلام
س: هل تعتقدون أن الأحداث التي مرت وتمر بالأمة العربية والإسلامية تشدها الآن إلى المطالبة بالإسلام نظام حكم ومنهج حياة؟
- أنا لا أشك في أن هناك عودة إلى الإسلام من شتى الفئات ولو بالفكر على الأقل. ولا أشك في أن الأمم الحية تنظر الى الإسلام كمنقذ بدلا من النظرة السابقة كعدو.! ولكني أريد أن أقول أيضا: إن هذا الواقع لا يعطينا أملا جديدا فيعطينا قوة جديدة للسير نحو تحقيق الإسلام! والسبب أننا مشدودون إلى مناهج وأوضاع جاهلية مختلفة الشكل لا بحبال من الفكر، وإنما مشدودون إليها بعوامل من الطبيعة أو الشهوات المختلفة.
الحواجز شهوانية!
فلم يعودوا يجابهون المسلمين بمزيد من الشكوك الفكرية كما كان شأنهم سابقًا! لأنهم أيقنوا بأن حقائق الإسلام غدت ناصعة ولا يمكن أن يتماسك عليها أية شبهة بعد اليوم.! إلا أنهم استبدلوا بذلك وضع مزيد من الإثارات الشهوانية في طريق المسلمين.! وهكذا فإن المشكلة التي تمنعنا من اجتياز العقبة وإقامة حكم الله عز وجل إنما هي حواجز شهوانية.!
أوروبا تتجه نحو الإسلام!
وفي «أوروبا» اليوم اتجاهات جادة نحو الإسلام.. ولكن كنظام دنيوي مجرد لا كعبودية لله عز وجل! وسر هذا الانفصال أن الإسلام كنظام من الأنظمة المختلفة قد لا يكلفهم شططا في مجال السلوك ومواصلة ارتشاف الأهواء.! أما الدخول فيه كدين، والانصياع له كعبودية لله عز وجل، فإن ذلك يشكل أعظم عقبة أمامهم، لأنه يقتضيهم الانعتاق الكلي من شهواتهم وأهوائهم.! وهذا ما لا صبر لهم عليه.!
الشريعة الإسلامية في المؤتمرات الدولية
- فالمؤتمرات الحقيقية التي تعقد بين الحين والآخر للنظر في تقويم الشريعة الإسلامية كنظام.. ما من واحد من هذه المؤتمرات إلا وقد انتهى بالوفاق التام على أن الشريعة الإسلامية تعتبر في مقدمة الشرائع الصالحة لهذا العصر وأن على رجال القانون أن يستفيدوا منها لتطبيق نظمهم وقوانينهم مثل مؤتمر لاهاي الذي انعقد سنة ١٩٤٨ ومؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الذي عقد في باريس عام ١٩٥١ وتبنته كلية الحقوق... هم يعتدون بنظام الإسلام، ويضعونه في مقدمة النظم العالمية، بل أن القانون الفرنسي يعتمد على حصيلة فقهية إسلامية تشكل ما لا يقل عن ٧٥% من مجموع ما يعتمدونه كقانون!!
لماذا فشل المصرف الإسلامي؟!
- نحن لا نشك الآن بأن هناك وسيلة سهلة لإيجاد مصارف إسلامية لا تعتمد على شيء من المحرمات، ولم نعد نشك أيضا بسوء وضع سياستنا المالية القائمة اليوم والتي تسير تحت رقابة هذه المصارف، ولم نعد نشك أن ترتبط بقيادات استعمارية وصهيونية أيضا.. مع ذلك فانا لا نلمس أي استجابة لإيجاد سياسة مالية إسلامية جديدة!
وفي أذهاننا جميعا تجربة رائدة قام بها عالم اقتصادي مسلم خلال سنتين من الزمن أثبتت التجربة خلالهما نجاحا غير متوقع، ومع ذلك فإن المسؤولين في ذلك القطر اعتبروا الفائدة غاية أساسية في أي نظام مالي يمكن أن يطبق، ولم تعتبره وسيلة مجردة يمكن الاستغناء عنها بغيرها!
• • إن دل ذلك كله على شيء فإنما يدل على أننا بحاجة - لنطبق الإسلام - إلى شيء آخر وراء القناعة العقلية، وهذا الشيء يمكن أن نسميه التحرر الوجداني الكامل من أي عبودية للذات أو العصبية أو الأهواء.. والدخول في العبودية لله عز وجل.. وهذا ما نحتاج إليه اليوم.
المجتمعات اليوم ممهدة للإسلام!
س: ألا تشعرون بأن موجة المبادئ المستوردة قد بدأ انحسارها بعد تعريتها؟ وأن الناس اليوم وخاصة الشباب يتلمسون طريق الإسلام مما يلقي عبئاً كبيرًا على أمثالكم.. فما هو دوركم؟
- لا شك أن المجتمعات الإسلامية قد مهدت أكثر من ذي قبل الغراس دعوة إسلامية ناجحة ومثمرة! ولا ريب أن من أعظم العوامل لذلك: الفراغ الفكري والاعتقادي الذي ينتاب كثيرا من الشباب التائه في مجتمعاتنا الإسلامية خاصة وفي العالم عامة.
وما من شك أن هذا الواقع يحمل القائمين بأعباء الدعوة الإسلامية عبئاً كبيرًا.. ولكن ربما كان السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو:
بدء الدعاة بأنفسهم!
ما هو أقصر سبيل يمكن أن يسلكه أرباب الدعوة الإسلامية للاستفادة من هذا الواقع!
وأقول باختصار: إن أقرب وسيلة هي أن يبدأ الدعاة إلى دين الله عز وجل بأنفسهم قبل كل شيء.. فيجعلوا من ذواتهم ربانيين قد باعوا كل أهوائهم وشهواتهم وحظوظهم النفسية في سبيل مرضاة الله عز وجل.. فربما كان بلاؤنا اليوم في عدم رجوع كثير من الدعاة إلى أنفسهم بمزيد من الرعاية والإصلاح.. إن من أولى ثمرات بداءة الدعاة بأنفسهم أن يتحدوا وأن تتضافر جهودهم، وأن تتساقط فيما بينهم حوافز المنافسة ودوافع السابق الى مختلف مظاهر هذه الحياة الدنيا...!! وإذا تحققت في صفوف الدعاة انعكست مثمرة قوية في صفوف سائر الشباب وعامة المسلمين.
- أنا أول إنسان أقر بالتقصير في هذا المجال بالذات، وأنا أشعر بأن على عبئًا كبيرًا من إصلاح نفسي، ولكن اعتقد أن الشعور بالمشكلة يساوي نصف الطريق إلى حلها.. فحسبي أنني أعتقد بأني بحاجة إلى أن أترفع فوق كل مغريات المناصب والأهواء والعصبيات حتى أستطيع التأثير على الآخرين.! وإن كان هذا لا يعنيني من السير في طريق الدعوة الآن.
تعدد الجماعات الإسلامية
س: هل ترون أنه يمكن تعدد الجماعات العاملة في حقل الإسلام بمعنى أنه هل يصح تعدد الجماعات الإسلامية؟
- رأيي أن الخلاف إذا كان جوهريا بحيث تسير كل جماعة على خط مستقيم لا يرجى اتصاله بالخط الآخر فذلك خطر على الإسلام ومخالفة لحكم الله وشرعه.. فصريح الكتاب «ولا تنازعوا».. وإما إذا كان التعدد شكليًا بحيث تسير الخطوط إلى زاوية حادة إلى نقطة تجمع ولو بعد حين.. فالأمر في ذلك غير خطير، وربما أمكن علاجه بمحاولات بسيطة وربما اقتضت سياسة الدعوة نوعا من هذا التعدد الشكلي في بعض حالاتها.
س: وأردت مرة أخرى أن أظفر منه بإيضاحات عن الخلاف بين المسلمين.. لأني علمت أن بينه وبين الشيخ ناصر الألباني وآخرين خلافات في الرأي وصل أثرها الى العامة.. ولم تتح لي فرصة لقاء الشيخ ناصر حيث علمت بسفره الخارج مما لم يجعلني ألتقي بأطراف القضية وبحثها معهم.. لذلك وجهت السؤال بطريقة أخرى:
هل تعتقدون سيادتكم أن الخلاف ظاهرة صحية أم مرضية؟
فقال على الفور:
أنا أعتقد أن الحكم على الخلاف صحة وفسادا يتبع نتائج ذلك فكل خلاف استتبع نقاشًا مخلصًا واستتبع لقاء على محور كان خفيا عن البعض هو خلاف إيجابي وذو أثر مفید، أما الخلاف الذي ينبع من غضبة نفسية أو عصبية أو انطلاقات شهوانية يستتبع مزيدا من الشقاق ويستلزم تعميقا للخلاف؛ فهو الخلاف السيئ الذي ينبغي أن يتنزه عنه المسلمون.
أثر الأستاذ في طلابه
س: وكان سؤالي الأخير عن أثره كأستاذ بالجامعة في محيط الطلاب؟
فقال سيادته:
علاقتي بالجامعة بالطلاب علمية، ولكنها لا تقف عند المناهج الشكلية للجامعة، بل أسعى جاهدا قدر استطاعتي إلى تجاوز المناهج التي يؤخذ بها الطلاب.. وأحاول أن تمتد إلى ما وراء حدود الجامعة زمانا ومكانا...! أما المشاكل الخاصة بالطلاب فرغم أنه من المفيد أن يكون بين الطالب والمربي صلة معينة.. فإن الظروف لم تمكني من إيجاد هذه الصلة.
• • وأحسست أن الوقت قد طال وامتد بنا الحديث إلى ثلاث ساعات فاستأذنت من الرجل الذي جاوزت مؤلفاته في سنه المبكرة ١٥ خمسة عشر مؤلفا منها فقه السيرة، وكبرى اليقينات الكونية في العقيدة، المذهب الاقتصادي عن الإسلام والتاريخ، بين الشيوعية والإسلام، ودفاع عن الإسلام والتاريخ، محاضرات في الفقه المقارن، التربية الإسلامية في ميزان البحث..