العنوان صفحات من دفتر الذكريات طريق الجزائر (۹۹) - لقاء مثير مع ياسر عرفات
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 173
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 48
الخميس 06-يونيو-1996
* عندما وقفت أمام أحد المساجد في قرطبة سألت نفسي: هل يمكن أن يصبح مصير العرب في إسرائيل مثل مصير المسلمين في الأندلس؟
* لقائي مع «ياسر عرفات» في بيروت مازال لغزًا يحيرني، وأحداث غريبة خلال اعتقالي في «قشلة».
صورة أخرى بقيت لي من زيارتي للقدس لا يمكن أن تفارق خاطري، هي صورة إحدى القرى الفلسطينية التي مررنا خلالها حينما دعي أعضاء المؤتمر إلى جولة يشاهدون فيها الحدود التي تفصل إسرائيل عن الضفة الغربية، وقفنا بإحدى القرى التي شطرت إلى نصفين، أحدهما غربي تحت السيطرة الإسرائيلية، والنصف الآخر شرقي في الضفة الغربية التابعة للأردن، وقفنا في مكان نرى فيه شارعًا من شوارع القرية المقسومة، أقيمت في منتصفه أسلاك شائكة هي علامة الحدود، تقسم الشارع إلى قسمين، أحدهما ضمن الضفة الغربية، وآخر ضمن الضفة الإسرائيلية.
وقفنا جميعًا تتأمل بيوت العرب في الجزء الخاضع لإسرائيل، ورأينا عجوزًا تسير في الشارع في الجانب الإسرائيلي، فأراد بعض الأعضاء أن يحيوها ويشجعوها وقال لها أحدهم سوف ينتهي هذا إن شاء الله، فنظرت إلينا جميعًا شزرًا وقالت بصوت عال: (لقد سئمنا هذا الكلام الذي تقولونه في «صوت العرب» كل يوم منذ سنين طويلة دون جدوى، خير لكم أن تتركونا في حالنا، اتركونا لحالنا، وعودوا إلى بيوتكم وأهليكم).
لقد خجلنا جميعًا، وسكت المتحمسون الذين بادروا بالكلام، وانصرفنا كل يفكر في المستقبل، كانت صورة هذا الشارع تمر بخاطري حتى حجبتها صورة أسوأ وأشد ألمًا تخيلتها في عام ١٩٦٧م، فقد تصورت أن تلك الأسلاك الشائكة رفعت ولم يعد الشارع مقسومًا ولا منفصلًا وتوحدت القرية، لكن توحدت تحت سيطرة إسرائيل، وبدلًا من أن نحرر العرب الذين كانوا تحت سيطرة العدو، فقدنا العرب الذين كانوا في حمايتنا، ولا أدري هل نستطيع مرة أخرى أن نقف عند الحدود أي الحدود مع إسرائيل؟ وإذا حدث ذلك فإنني واثق بأننا لن نقول ما قلناه في عام ١٩٦٥ من أننا سنزيل هذه الحدود؛ لأننا نعرف أننا عاجزون عن ذلك، وأن الذي سيزيلها هو الطرف الآخر لينشئ إسرائيل الكبرى، لقد وصلنا إلى الحال الذي نعتقد فيه أن أي جزء من حدود إسرائيل ترفع منه الأسلاك الشائكة، فإن الذي سيرفعها هم الإسرائيليون الذين سيضيفون جزءًا آخر من أراضينا العربية التي نعيش فيها لدولتهم كما حدث في جنوب لبنان والجولان، بل لقد قسمت رفح بعد «كامب ديفيد» ووضعت أسلاك شائكة لفصل منطقة غزة عن مصر، وقسم شارع آخر في رفح، كما قسم شارع قبله في القدس، وإن كان ذلك مع الفارق الزمني لأن القسمة الأولى كانت في عام ١٩٤٩م، وأما القسمة الثانية فكانت في عام ۱۹۷۸م فيما أعتقد.
إن صور الشوارع المقسومة مازالت تجول بخاطري، ومازلت أتساءل هل يا ترى يأتي يوم من الأيام يتغير فيه الوضع، وترفع الأسلاك الشائكة لتمتد سيادتنا على أرضنا المسلوبة؟ أم أن الأمور ستبقى كما هي الآن أو تزداد سوءًا؟ هذه هي الذكرى الأليمة التي تراودني كلما تذكرت القدس وزيارتي لها.
شیخ مجاهد:
وهناك ذكرى أخرى لا بد أن أسجلها هي أنني سألت مرافقي الذي عرفته طالبًا في كلية الطب، ولم يفارقني طوال مدة إقامتي إلا أمام باب الفندق، كان يحدثني عن حياته في القدس، وحياة إخوانه ومواطنيه، إن هذا الشاب الفلسطيني لا يمكن أن أنساه، لأنه صاحبني طوال هذه الرحلة، وحدثني كثيرًا عن أحوال أهل فلسطين ومشاعرهم، سألته عن شيخ مصري جاء إلى فلسطين في عام ١٩٤٨م ليشارك الفدائيين في الدفاع عن القدس، ولما انتهت الحرب، وأعلنت الهدنة رفض أن يعود إلى مصر، وأقام في القدس، وطلبت منه أن يذهب معي إلى منزل هذا الشيخ فذهبت إليه، وجلست معه في بيته، وهو البيت الوحيد الذي زرته في القدس، ومازلت أذكر البيت وأذكر صاحبه، وذكر لي أن أبناءه يقيمون في إحدى الدول العربية يدرسون هناك، وأوصاني بهم خيرًا، أعانهم الله وأعانه، وكان يشكو من أن إسرائيل أخذت جزءًا من القدس، ولم أره بعد أن استولت إسرائيل على باقي القدس، ولا أعلم إن كان اليوم حيًا أو ميتًا، فسلام عليه وعلى المجاهدين قبله وبعده الذين آثروا أن يدفنوا في أرض فلسطين حتى يلقوا الله على جهادهم، هؤلاء هم ثروة هذه الأمة ورصيدها في التاريخ الذي يشهد لها أنها لم تستسلم، ونرجو ألا تستسلم أبدًا، ولا تسير وراء «الناعقين» الذين يدعون البطولة الغوغائية التي أدت إلى هذه الكوارث.
الأندلس:
صورة أخرى لا بد أن أذكرها هنا ترتبط بهذه الذكريات الأليمة لمغامرتي في القدس، وإن لم تكن هذه الصورة في القدس أو في فلسطين، إنما كانت في الأندلس في عام ١٩٤٩م عندما زرت إسبانيا لأول مرة في حياتي، وزرت آثارها الإسلامية، وشاهدت بقايا المساجد والمساكن والقصور العربية، ورأيت أحفاد أبناء عرب الأندلس من الإسبان الذين فرضت عليهم النصرانية، ومازال كثير منهم يحملون أسماء أسرهم العربية القديمة، ولكنهم تغيروا وأصبحوا نصارى، بل هم اليوم من أشد الناس تعصبًا للمسيحية، لقد أصبحوا كاثوليك وتنكروا لديانتهم وجنسهم وآبائهم وأجدادهم تحت سياط محاكم التفتيش التي أبادت المسلمين في الأندلس، فمنهم من هرب إلى إفريقيا ومنهم من تغير وتنصر.
عندما وقفت أمام أحد تلك المساجد في قرطبة تذكرت مساجد فلسطين ومساكنها وأهلها الذين يخضعون لإسرائيل في ذلك اليوم، وذكرت أهلها الذين لم يخضعوا لإسرائيل، ولم أكن أتصور أنهم سيخضعون لها في يوم من الأيام، وسألت نفسي هل من المتصور أن يصبح مصير العرب في إسرائيل مثل مصير المسلمين في الأندلس؟ إن هذه الفكرة وهذه الصورة قد أفزعتني ولم أستطع أن أسترسل فيها؛ لأنه لم يكن يدور في خاطري أن هذا أمر ممكن أو متصور، أو أن القدر يسمح به، هذه هي الصورة التي مازلت أذكرها وأفزع منها، ولكنها ليست صورة فلسطين، لأن أبناءها مازالوا يقاومون للآن، ونأمل ألا يستسلموا أو يتخلوا عن عقيدتهم وأصالتها.
إن «قصة زيارتي للقدس»، كانت عزيزة ومازالت عزيزة على نفسي، وأرجو أن تكون عزيزة على كل من يقرأ هذه السطور، سواء رضي بآرائي أو لم يرض بها، وسواء أعجبه ما كتبت أو لم يعجبه، فإنني أكتب رأيي ولكل قارئ الحق في أن يوافقني أو يخالفني، فليس من الضروري أن يتفق الجميع في الآراء، كل ما نريده أن يكون لكل منا رأي، وأن يسمع له، وأن تتاح له الفرصة ليعبر عنه، وألا يكون هناك عصا تفرض على الناس رأي من يملك العصا، إن الذي يستعمل العصا ضد شعبه يعلم شعبه العبودية، ويهيئه لسيطرة أعدائه واستعبادهم، إن الحكام المستبدين يهيئون شعوبنا لقبول العبودية والرضا بالإذلال الذي يريد أعداؤنا فرضه علينا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
موعد مع القدر:
عدت من القدس إلى المغرب، وبدأت أواصل ما بدأت فيه للدعوة إلى إرسال محامين للدفاع عن «سيد قطب» وإخوانه، ومن استنفار جميع العرب والمسلمين لوقف المجازر التي ترتكب ضد المسلمين في مصر «نعم» إنها ترتكب ضدهم لسبب واحد هو أنهم مسلمون، قد يقول قائل: إنها ترتكب ضدهم ليس لأنهم «مسلمون»، بل لأنهم معارضون وهم معارضون، لأنهم «مسلمون» يؤمنون بأن إسلامهم يفرض عليهم مواصلة الجهاد والمقاومة.
رأیت أن أبدأ بالمحامين الذين أعرفهم بالمغرب فذهبت إلى نقيب المحامين في الرباط وهو الأستاذ محمد بوستة (في ذلك الوقت)، وكان الساعد الأيمن للسيد علال الفاسي – زعيم حزب الاستقلال بالمغرب، وأصبح خليفته في رئاسة الحزب– عرضت عليه فكرة انتداب بعض المحامين من المغاربة للذهاب إلى مصر للدفاع عن «سيد قطب»، فتحمس لهذا الموضوع، وقال إنني أول من يتطوع لهذا الغرض، وطلب مني أن أعد له ملفًا عن الموضوع، واتفقت معه أن أسبقه إلى لبنان لأعد الملف على أن نلتقي في لبنان لأسلمه الملف، وأن يتوجه من بيروت مباشرة إلى القاهرة لأداء هذه المهمة.
خرجت من المغرب متوجهًا إلى بيروت عن طريق أوروبا، وعندما وصلت إلى بيروت علمت أن الأستاذ محمد بوستة قد وصل فعلًا إليها قبلي، وذهب إلى جدة لأداء العمرة، وترك لي رسالة بأنه من الأولى أن أذهب إلى جدة لنلتقي هناك، ولكن كان هناك أمر آخر قصدته في بيروت وهو اللقاء مع صديقي الأستاذ الشاعر عمر بهاء الدين الأميري، وصديقنا المشترك ياسر عرفات.
كان ياسر عرفات يقيم مع أسرته في دمشق، وكنت دائمًا أنتقد ذلك وأحذره منه، لكنه كان يقول لي أين تريدني أن أذهب، ولم يكن عندي جواب على ذلك.
وكان صديقي الأستاذ عمر الأميري على صلة دائمة به، ولما زرته في منزله اتصل تليفونيًا بياسر عرفات في دمشق، وأخبره بوجودي في بيروت، فطلب منه أن أنتظر لأنه يريد أن يراني، ووعد بالحضور في صباح اليوم التالي، وكان يوم الخميس السابق على موعد سفري للسعودية.
وقصة هذا اللقاء مع «أبي عمار»، مازالت لغزًا يحيرني التقينا أولًا بمنزل الأخ الشاعر عمر بهاء الدين الأميري، وتحدثنا طويلًا ثم ودعناه وخرجنا لكي أودع ياسر عرفات الذي حجز العودة بالطائرة في نفس اليوم إلى دمشق عن طريق قبرص.
كان الفندق الذي نزلت فيه قريبًا من سكن الأستاذ عمر الأميري، ومن كورنيش «الروشة» وكان معي أمانة لا بد أن أسلمها لصديقي ياسر، فمشينا على الشاطئ نواصل حديثنا، وكان حديثنا كالعادة طويلًا، وكنا نسير فترة، ثم نقف حتى لا نبتعد كثيرًا عن الفندق.
في إحدى هذه الوقفات جذبني «ياسر عرفات» من يدي، وأشار إلى سيارة تاكسي واقفة قريبة منا، وقال لي هذه السيارة تقف كلما وقفنا وتتبعنا عندما نسير، فدهشت لذلك لأنني لا خبرة لي بمثل هذه الأمور، وأردت أن أتأكد فمشينا ببطء، وسارت السيارة تتبعنا، ولما وقفنا وقفت قريبة منا، فثارت ثورتي، وتوجهت إلى السائق وكان بجواره أحد الركاب، وصحت فيه ماذا تريد منا؟ فتركني وتقدم كأنه لم يسمعني، ثم توقف لكي يرى ماذا سنفعل، في أثرنا أن نرجع، ولاحظنا أنه قطع الطريق، وسار في الجهة المقابلة مصرًا على أن يتبعنا، فاتجهت مع «أبي عمار» إلى الفندق، وصعدت لأحضر له الأمانة وتسلمها، ثم انتهز فرصة انشغال أصحاب السيارة ليوقفوا سيارتهم واستوقفت تاكسي في الطريق وسارع به إلى المطار، وقبل أن أدخل الفندق، كنت أراقب السيارة التي كانت تتبعنا فلاحظت أنها مازالت واقفة واعتقدت أنها لم تلاحظ خروج «أبي عمار» وسررت لأننا نجحنا في تضليلهم، لكن الظاهر أنهم لم يكونوا مكلفين بتتبعه بالمراقبة وليس هو، ولم يخطر ببالي في ذلك الوقت أنني كنت المقصود، لكنني أدركت ذلك بعد اعتقالي، إذ صرح لي بذلك الشاب الذي كان مكلفًا بمراقبتي، والتقيت به في صباح السبت بعد اعتقالي في «قشلة» المكتب الثاني اللبناني.
كنت قد حددت موعد السفر، وأذكر أنه كان يوم جمعة الساعة الواحدة والنصف، وفي مساء يوم الخميس وكان اليوم الأخير من إقامتي في بيروت عدت «بعد سفر أبي عمار» إلى منزل صديقي الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري الذي تغدينا معه، وهناك «في ساعة متأخرة»، اتصلنا تليفونيًا بمنزل ياسر عرفات في دمشق، واطمأننا على وصوله سالمًا.
أثناء وجودي معه بمنزله حضر أحد أصدقائه اللبنانيين، فدعاني هذا الصديق إلى أن أصحبهم غدًا إلى صلاة الجمعة، ووعد بأن يوصلني بعد الصلاة في سيارته إلى المطار قائلًا سنصلي في مسجد قريب من المطار.
واتصلنا أيضًا ببعض الأصدقاء لتوديعهم تليفونيًا ومنهم الأستاذ «عصام العطار» في منزله ببيروت، حيث كان يقيم أيضًا كلاجئ سياسي، وكان الغد يوم الجمعة الذي حجزت فيه للسفر على الطائرة السعودية، وكان يومًا طويلًا مملوءًا بالأحداث.
يوم طويل:
ذهبت إلى الفندق وقمت في صباح الجمعة مبكرًا، وكنت جاهزًا للخروج في الساعة الثامنة، وجلست في انتظار مجيء ابن صديقنا اللبناني الذي وعدني بأن يرسله لي بسيارته لأذهب معه إلى السوق، ولكن طال الانتظار حتى بلغت الساعة التاسعة، فاتصلت تليفونيًا بالأستاذ عمر الأميري في منزله، وعاتبته في سبب عدم وصول السيارة في الموعد، ففوجئ بذلك وقال: إن ابن صديقه عنده الآن بالسيارة، وقد ذهب إلى الفندق فقيل له إنني غادرت الفندق، فثرت غاضبًا، وطلبت منه أن يرسله لي بالسيارة، فجاء ونزلت بحقيبتي إلى باب الفندق، ولما جاء قلت له أرني الشخص الذي قال لك إنني غادرت الفندق، فأشار إليه جالسًا على أحد المكاتب في الفندق فثارت عليه وقلت لماذا قلت ذلك؟ وما شأنك في ذلك؟ وما دخلك في الموضوع؟ وجاء مدير الفندق واعتذر لي عن هذا الخطأ، فوضعت حقائبي في السيارة، وذهبت مع مرافقي إلى السوق، واشتريت بعض الكتب على عجل، وعدت إلى منزل الأستاذ عمر الأميري ووجدته هو وصديقه في انتظاري، فذهبنا إلى مسجد على شاطئ البحر وصلينا الجمعة، وغادرنا المسجد فورًا إلى المطار.
في المصيدة:
في مكتب الخطوط السعودية سلمت حقائبي وأخذت ورقة الصعود إلى الطائرة، وعدت أودعهم فأصروا أن يصاحبوني إلى باب الترانزيت، ودخلت وتركتهم واقفين ثلاثتهم على باب الترانزيت يستمعون إلى حديث بدأه الأستاذ الأميري، ووقفت أمام الموظف وسلمته الجواز ليختمه كالعادة ففتحه وقرأ الاسم بإمعان، ثم صار يقلب فيه ويعيد النظر، ويعيد التقليب، وفجأة أخذ الجواز، وذهب إلى أحد المكاتب وأمسك بالتليفون وعند ذلك أدركت أن في الأمر شيئًا، ورأيت الأستاذ عمر يتأهب ومن معه للعودة فذهبت إليهم، وسلمت الأستاذ عمر حقيبة اليد التي فيها أوراقي، وقلت له أرجوك لا تسلمها إلا لي شخصيًا، وألا تغادر هذا المطار حتى تسلمها لي، وسأعود لأخذها قبل السفر، وعدت ووقفت مكاني دون أن يلحظ الموظف ذلك؛ لأنه كان مشغولًا بحديثه التليفوني وقد تكلم عدة مكالمات فيما أعتقد، أخيرًا عاد مبتسمًا هادئًا وختم الجواز بختم الخروج من بيروت، وسلمه لي بكل هدوء واطمئنان، ولم يكن هذا الخروج إلا دخولًا في مصيدة أعدها المكتب الثاني وهو الاسم الذي تعرف بـ «المخابرات اللبنانية»، وأعتقد أنها أعدت لي كمينًا لنقلي للقاهرة بصورة أو بأخرى.
خطر لي بعد أن تسلمت الجواز أن أخرج لأخذ الحقيبة من الأستاذ عمر الأميري، وكانوا ما يزالون واقفين، ولكني فضلت أن أتريث بعض الوقت حتى لا أثير انتباه الموظف، ودخلت إلى صالة الترانزيت وما كنت أجلس على أحد المقاعد حتى جاء لي أحد الأشخاص وكان يسير خلفي دون أن أشعر، وقال لي أنت فلان؟ قلت نعم قال: هل تأذن لي بدقيقتين ومشيت خلفه، وطال المشي ووجدته يدخل بي من ممر إلى ممر حتى وصلنا إلى الجانب الآخر من المطار، وهو الجزء المخصص للوصول بعد أن كنت في الجزء المخصص للمسافرين، وهناك فتح أحد المكاتب، وطلب مني أن أدخل فدخلت، وطلب من أن أجلس على أحد المقاعد فجلست وكانت الغرفة خالية، وأغلق الباب وخرج.
مرت فترة طويلة ثم عاد ومعه موظف جلس على المكتب وخرج هو، وبقيت أنتظر ماذا سيقول هذا الشخص، وبعد فترة أخرى سألني إن كان معي حقيبة، وقلت له ليس معي حقيبة، قال إذن أفتشك ففتشني، وأخرج كل ما في جيوبي وما في حافظة نقودي من أوراق ونقود ووضعها أمامه على المكتب، ثم طلب مني أن أجلس وبعد فترة ثالثة كان موعد الطائرة قد حان، فقلت له إن عليَّ أن أذهب للطائرة، قال لا تنزعج فنحن سندبر الأمر، وفي هذه الأثناء كان أشخاص يدخلون إليه ويحدثونه ويخرجون.
[1] أستاذ القانون الدولي السابق بجامعة القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل