العنوان لقد بلغ السيل الزبى في هذه الحرب الدامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
مشاهدات 65
نشر في العدد 688
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
في وقت كنا نأمل فيه توقف رحى الحرب بين العراق وإيران، طالعتنا الأنباء صباح يوم الخميس 18/ 10/ 84 بهجوم إيراني جديد على الأراضي العراقية، ربما يكون تمهيدًا لهجوم أكبر تعده القيادة الإيرانية، حيث يتجمع أكثر من «3۰۰» ألف جندي إيراني إلى الجنوب من مدينة المحمرة.
وكما نقلت وكالة الأنباء الكويتية بأن الهجوم الإيراني الأخير نفذ في منطقة سيف سعد في ثلاثة اتجاهات، وعلى جبهة طولها «٢٠» كم. ويبدو من الأنباء التي ذكرتها وكالات الأنباء العالمية أن الفشل كان مصير الهجوم، وأن محصلته كانت في الجانب الإيراني أكثر من «9۲3» قتيلًا وأعدادًا كبيرة من الجرحى، عدا التدمير في المعدات والآليات.. لقد جاء هذا الهجوم عائقًا جديدًا في وجه مساعي السلام المبذولة منذ أكثر من أربع سنوات.. على الرغم من كل النداءات الداعية إلى حقن الدماء المسفوكة على الأرض المسلمة.
حصيلة مذهلة
وفي دراسة إحصائية عن الخسائر الناجمة عن هذه الحرب يتبين لنا حجم المأساة والنكبة؛ فبالنسبة للخسائر المالية المباشرة استنزفت الحرب كثيرًا من الفوائض المالية لدى المتحاربين، كما استنزفت الدخل النفطي المتحقق خلال سنوات الحرب والمنفق على الحرب، إضافة إلى الإعانات الخارجية المستغلة في تمويل الحرب. كما اضطرت الدولتان المتحاربتان إلى استدانة مبالغ طائلة لصرفها خلال سنوات الحرب، كما فرضت ضرائب إضافية على السكان والثروات والمداخيل لتمويل الحرب، وهذا كله أدى إلى وقوع الطرفين في عجز مالي كبير يمكن مشاهدة آثاره الواضحة في انخفاض قيمة العملات الوطنية للمتحاربين وارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة في الداخل. وتقدر التكاليف المالية المباشرة لحرب السنوات الأربع بما لا يقل عن «٢٠٠- ٢٠٠» مليار دولار لكل طرف.
الخسائر الاقتصادية والاجتماعية
وتتألف هذه الخسائر من:
أ- قيمة الإنفاق الاستثماري الضخم الذي أنفقه الطرفان المتحاربان على مشروعات التنمية خلال السنوات الخمس السابقة للحرب، والذي يمثل مشروعات كانت جاهزة للإنتاج، ولكن الحرب عطلت استثمارها بشكل اقتصادي، أو مشروعات لم تكتمل وتعطلت أو ذهبت القيمة الحقيقية لأصولها.
ب- توقف الإنفاق الاستثماري التنموي خلال سنوات الحرب، والتي تمضي الآن في عامها الخامس.
ج- الارتفاع الهائل في تكاليف البناء والتشييد بسبب الحرب وآثارها على الداخل وعلى المستوى الدولي.
د- نقص القوى البشرية المحلية، وبالأخص الفنية والإدارية، سواء بسبب استيعابها في جبهات الحرب، أو هروبها إلى الخارج، وكذلك بسبب انعدام المناخ الملائم للتنمية؛ مما يعطل قدراتها على الأداء السليم، وما أدى إليه هذا النقص من الاستعانة بالعمالة من الخارج.
هـ- تحويل الإنتاج المحلي لخدمة الأغراض العسكرية.
و- تعطيل تنمية القوى البشرية خلال سنوات الحرب، وهدر القوى البشرية المتراكمة في المراحل السابقة.
وإذا كانت الحروب تحفز بالضرورة بعض عناصر النمو لتعوض عن الخسائر الهائلة التي تتطلبها، إلا أن أحدًا لا يمكن أن يجادل بأن ميزان هذه العناصر يظل خاسرًا وسلبيًّا.
وبشكل عام يمكن تقدير كلفة الخسائر المذكورة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بسبب الحرب بما يتراوح بين «٧٥» ملیار و«۱۰۰» مليار دولار لدى كل من الطرفين المتحاربين في الخليج، أي «١٥٠» إلى «٢٠٠» مليار دولار للطرفين المتحاربين.
وبالإجمال، فإن خسارة كل من الطرفين المتحاربين في الخليج بسبب الحرب حتى الآن لا تقل عن ٢٠٠ إلى ٢٥٠ مليار دولار، وتكون كلفة هذه الحرب قد قاربت بالنسبة للمتحاربين وحدهم الــ٤٠٠ إلى ٥٠٠ مليار دولار، وذلك دون حساب الخسائر الإنسانية غير القابلة للحساب.
الخسائر البشرية
إذا كان بالإمكان تقدير الخسائر المادية المباشرة أو غير المباشرة وإحصاء الخسائر في القوى البشرية من ضحايا ومصابين ومفقودين وأسرى وغير ذلك بالأرقام، إلا أن أحدًا لا يدعي القدرة على إعطاء تقييم شامل لـ«الخسائر الإنسانية». إن الخسائر الإنسانية والتي تشمل الضحايا والمصابين والمفقودين والأسرى، ولكنها لا تقتصر عليهم، وإنما تشمل الآثار التي تنعكس على المجتمع كله بسبب الحرب، أكبر بكثير من أية خسائر مادية مهما عظمت.
وقد أشارت آخر الإحصاءات إلى أن خسائر إيران البشرية فقط في جبهة القتال خلال الفترة من 1/ 9/ 81 إلى 31/ 8/ 84 قد بلغت «3۸۳6۳۹» شخصًا؛ أي بمعدل «٢٦٣» إصابة في اليوم الواحد، وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام أعداد القتلى والجرحى في الجانب العراقي يتبين لنا حجم المأساة وعظم المصيبة التي تحتاج إلى من يوقفها قبل فوات الأوان.
الخسائر العربية والإقليمية
لقد أدت حرب الخليج إلى ارتفاع هائل في مختلف وجوه الإنفاق في دول عربية أخرى غير محاربة.
١- يمكن تقدير النفقات العسكرية في دول الخليج غير المشتركة بالحرب، والتي ما كانت لتبرز لولا هذه الحرب، بـ«٥٠- ٧٥» مليار دولار.
٢- ويمكن تقدير الارتفاع في الإنفاق الحكومي وفي أسعار مستوردات دول الخليج غير المتحاربة من السلع والخدمات، وفي ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والتلوث بالنسبة لدول الخليج، والناجمة بهذا الشكل أو ذاك من ظروف الحرب، بما لا يقل عن «٢٥» مليار دولار.
٣- هروب الأموال الخاصة إلى الغرب؛ وذلك خوفًا من ظروف الحرب أو بسبب الأوضاع الاقتصادية غير المواتية الناجمة عن الحرب، مثل أزمة سوق المناخ والركود الاقتصادي، ولا تقل الأموال الخاصة الهاربة من دول الخليج لهذه الأسباب عن «۲٥» مليار دولار. وبشكل عام يمكن القول بأن خسائر الدول العربية غير المشاركة في الحرب والناجمة بشكل أو بآخر عن اندلاع الحرب في الخليج تتراوح بين ۱۰۰ و١٥٠ مليار دولار.
من المستفيد؟
وبعيدًا عن ميدان القتال ننتقل إلى بريطانيا لمشاهدة فصل مؤلم من فصول هذه الحرب التي تخطط الدول الكبرى لاستمرارها، ولو شاءت هذه الدول إيقاف الحرب لعملت على ذلك. يقول أحد المراسلين الأجانب:
«في موقع معزول في بريطانيا يتلقى اثنا عشر ضابطًا إيرانيًّا من سلاح المدفعية تدريبًا على استخدام مدافع مضادة للطائرات، وفي موقع آخر في بريطانيا نفسها يتلقى مجموعة من الطيارين العراقيين تدريبًا مكثفًا على استعمال طائرات بريطانية حديثة!».
كما اعترف معهد أبحاث السلام الدولي في ستوكهولم الذي يراقب حركة تجارة الأسلحة في العالم «أن هناك تسع دول على الأقل بينها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين قد باعت للطرفين المتحاربين أسلحة قتال رئيسية».
وحتى تبعد هذه الدول الشبهة عن نفسها يجري البيع دائمًا عن طريق وسطاء يعملون لحسابهم الخاص، أو بواسطة طرف ثالث.
إذن الدول الكبرى هي المستفيدة من استمرارية هذه الحرب، والتصريحات الصادرة من حكومات الشرق والغرب حول مخاوف حقيقية من احتمال أن تنتشر الحرب، إنما هي نوع من الرياء والنفاق والدجل.. وما دامت الأموال التي تهدر في هذه الحرب تصب في النهاية في جيوب هذه الدول، فلتستمر هذه الحرب إلى ما لا نهاية، ما دامت تخدم مخططاتها وسياساتها، ولتبق المنطقة في قبضة هذه الدول تتحكم بها كيف تشاء.
فلتحكم لغة العقل
إن المطلوب من الراغبين باستمرار الحرب أن يحكموا لغة العقل والمنطق، ويبادروا إلى تنحية السلاح جانبًا، وينظروا إلى المصلحة العامة للشعوب المسلمة التي اكتوت بنيران هذه الحرب بشكل أو بآخر، وما دامت العراق قد وافقت أكثر من مرة على وقف القتال، فالمطلوب من إیران أن تقبل بمساعي السلام حتى لا يستمر هذا الجرح النازف في الجسد الإسلامي.. هذا الجرح الذي تحرص الصليبية والشيوعية والصهيونية على استمراره.
إننا ومن منطلق إسلامي ننادي بوقف هذه الحرب، ونعتبر من يحرص على استمرارها آثمًا عند الله وسيسأل يوم القيامة عن الدماء البريئة والخسائر الهائلة التي خلفتها هذه الحرب! فهل يستجيب المستمرون بإشعال الحرب لهذا النداء؟ نأمل ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل