العنوان للصوم حكم عالية ومرام سامية
الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني
تاريخ النشر السبت 13-أغسطس-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1965
نشر في الصفحة 49
السبت 13-أغسطس-2011
الصوم هو أحد دعائم الإسلام الخمس وأحد أركان الدين، جاء في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي ، قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت وقد فرض الله سبحانه صوم رمضان على هذه الأمة في شعبان من السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة «بدر».
أوجب الله عز وجل علينا الصوم؛ ليخلصنا من أدران المادة جزءاً من الزمن، فهو حرمان مشروع، وفيه خضوع لله وخشوع فالواحد منا إذا تألم من الجوع وجدت عنده الأحاسيس ونمت فيه العواطف نحو إخوانه
الفقراء والمعوزين يقول الأستاذ محمد الحجار في كتابه «صوت المنبر ما أحوجنا إلى هذه التربية الحكيمة فننظر إلى إخواننا المعذبين الذين يلتحفون السماء ويفترشون الأرض، نظرة إنصاف ورحمة وبرّ وشفقة.
فالصوم يكسر الكبر ويشعر الإنسان بضعفه وعجزه، وأنه في حاجة ماسة إلى لقمة العيش وشربة الماء، وأن حياته متوقفة على الطعام والشراب والهواء، فهو في حاجة إلى ربه دائماً وأبداً، يقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر:١٥).
والصوم يعلم الصبر، فيجعل الإنسان قادراً على تحمل الأذى والمكاره، وقد سمي الصيام صبراً، ووعد الله تعالى الصابرين بالجزاء الأوفى والثواب العظيم، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر:١٠) ويقول رسول الهدى عليه الصلاة والسلام: «ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم» (رواه أحمد والبزار والبيهقي. وقال سبحانه في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه البخاري ومسلم).
والصوم يُعلم الأمانة ويُعلم الصدق في المعاملة، ويُعلم النصح لكل مسلم ويُعلم مراقبة النفس ويُعلم مراقبة الله عز وجل، فالصوم سرّ بين العبد وربه، الصوم يحرّك الشفقة في القلب ويحض على الصدقة فهو يُعلم العطف، ويحث على البر.
فهو شهر الجود والكرم وشـهـر البر والإحسان، فإذا جاع مَنْ ألف الشبع، وحرم الغني المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وأدرك ألم الجوع إذا لذع، فالله سبحانه هو المدبر الحكيم والمشرع العليم أوجب الصوم لحكم عالية ومرام سامية، وقد أنزل سبحانه في هذا الشهر الكريم النور المبين والذكر الحكيم والهادي إلى صراط الله المستقيم، كتابا يهدي للتي هي أقوم لا يشبع منه العلماء ولا يمله الأتقياء، كما أن الصيام يؤثر في الإنسان تأثيراً تظهر آثاره في الأخلاق وفي النفس، فهو سلاح عجيب وضعه الله عز وجل بيد القوة الإنسانية لتقهر به الطبيعة الحيوانية، مما يدفع عن الإنسان غوائل العدوان على الدماء والأعراض والأموال، لأن هذا العدوان إنما يكون من تمرد الصفات الحيوانية.
فالصيام يكسر الشهوات، إذ لا تكسر النفس بشيء كالجوع، ويذكر الصيام بحال الأكباد الجائعة والأجسام العارية والنساء المشردة، فيرق القلب وتلين النفس.
روي في الأثر أن يوسف عليه السلام سُئل: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ قال عليه السلام : «أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع».. ما أروع هذا المظهر النبوي الدال على الإنصاف.
إن الصيام يدعو إلى التحلي بمكارم الأخلاق، إذ يُكلف فيه الإنسان أن يحفظ لسانه عن الغيبة، ويغض عينه عن النظر إلى الأجنبيات، ويصون قلبه الرقيق من وساوس الشياطين، ويحلي الصائم نفسه بالصدق والإخلاص، ويتجنب الشح المذموم والبخل الممقوت.
عَنْ جَابِرٍ بن عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَعْطَيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي»:
أَمَّا وَاحِدَةٌ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرٍ رَمَضَانَ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِمْ وَمَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ لَم يُعَذِّبُهُ أَبَداً.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ.
وَأَما الثَّالِثَةَ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَسْتَغْفَرُ لَهُمْ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ.
وَأَما الرَّابَعةَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ أَن اسْتَعَدِّي وَتَزَيَّنَي لِعِبَادِي فَيُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُمْ نَصَبُ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا وَيَصِيرُونَ إِلَى رَحْمَتِي وَكَرَامَتِي.
وَأَما الخَامِسَةُ، فَإِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ جَمِيعاً». قَالَ: فَقَالَ قَائِلِ: هِيَ لَيْلَةَ القَدْرِ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «لا أَلَمْ تَرَ إِلَى العُمَّالَ إِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا».
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٨٣)، هذا نداء إلهي يُدوّي في جنبات الوجود، ويحلق في آفاقه منبها إلى فريضة الصوم.
ختاما، فإن ما ينبغي تأكيده أن الصوم ورمضان مدرسة، فهل أن أوان التعلم والتربي والإفادة من عبر ودروس وحكم وخصال الصيام.