العنوان لله الحكم والأمر
الكاتب عبدالقادر عودة
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1983
مشاهدات 71
نشر في العدد 630
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 26-يوليو-1983
لمن الحكم؟
هذا سؤال لا تصعب الإجابة عليه، بعد أن علمنا أن الله هو خالق الكون ومالكه، وأنه استعمر البشر واستخلفهم في الأرض وأمرهم أن يتبعوا هداه، وألا يستجيبوا لغيره.
فكل ذي منطق سليم لا يستطيع أن يقول بعد أن علم، إلا أن الحكم لله، وأنه جل شأنه هو الحاكم في هذا الكون ما دام هو خالقه ومالكه، وأن على البشر أن يتحاكموا إلى ما أنزل ويحكموا به، لأنهم من وجه قد استخلفوا في الأرض استخلافًا مقيدًا باتباع هدى الله، ولأنهم من وجه آخر خلفاء الله في الأرض، وليس للخليفة أن يخرج على أمر من استخلفه.
وقد جاءت نصوص القرآن مؤيدة لهذا المنطلق البشري السليم؛ فهي تلزم البشر باتباع ما جاء من عند الله، وتحرم عليهم تحريمًا قاطعًا اتباع ما يخالفه.
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الأعراف: 3).
وقد جعل الله ما أنزله على رسوله شريعة لنا، وأوجب علينا أن نتبعها ونلتزم حدودها، ونهانا عن اتباع تشريعات الناس وقوانينهم، فما هي إلا أهواؤهم وضلالاتهم عن شريعة الله. وهم مهما تعلموا وعلموا، لا يعلمون شيئًا في جنب علم الله الذي أحاط بكل شيء علمًا، والذي يعلم ما فيه هداية البشر وخيرهم. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18).
ولقد كان في النصوص السابقة ما يكفي للقطع بأن الحكم في البلاد الإسلامية يجب أن يكون طبقًا للشريعة الإسلامية؛ لأن اتباع ما أنزل الله يقتضي أن يكون الحكم بما أنزل الله، وأن يكون الحكام قائمين على أمر الله:
- ذلك أنه إذا استطاع البعض أن يتبعوا أمر الله فيما يتصل بذواتهم وفيما هو في أيديهم، فما يستطيعون أن يتبعوا أمر الله فيما يتصل بغيرهم وفيما هو في أيدي الغير.
- وإذا استطاعوا أن يتبعوا أمر الله عند الاتفاق، فما يستطيعون أن يتبعوه عند الاختلاف.
- وإذا استطاعوا أن يتبعوا أمر الله فيما هو للأفراد، فكيف يستطيعون أن يتبعوه فيما هو للحكام إذا لم يكن الحكام مقيدين باتباع ما أنزل الله؟..
وكان يكفي أن نعلم أن الله أوجب علينا عند التنازع والاختلاف أن نتحاكم إلى ما أنزل الله، ونحكم في المتنازع عليه والمختلف فيه بحكم الله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: 59).
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: 10).
كان يكفي أن نعلم هذا لنقطع بأن الحكم لله، وأن الحكام والمحكومين في كل بلد إسلامي، يجب أن يتقيدوا في كل تصرفاتهم واتجاهاتهم باتباع ما أنزل الله، وأن يجعلوا دستورهم الأعلى كتاب الله.. ولكن الله جل شأنه، وهو أعلم بالإنسان، وبأنه أكثر شيء جدلا، جاءنا بنصوص لا سبيل فيها إلى جدال أو استنتاج، تقضي أن الحكم لله في الدنيا وفي الآخرة: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: 70).
وتبين لنا أن الله لم يرسل الرسل إلا مبشرين ومنذرين، ولم ينزل الكتب إلا ليتخذها الناس دستورًا في حياتهم الدنيا، يحكمونها ويحكمون بمقتاضاها في كل شؤونهم:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ (البقرة: 213).
- ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أنزل القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون دستور البشرية وقانونها الأعلى، وليقضي الرسول بين الناس على مقتضى أحكامه كما علمه الله:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء: 105).
- ونعرف أن الله جل شأنه نفى الإيمان عن العباد، وأقسم بنفسه على ذلك حتى يحكموا الرسول فيما يشجر بينهم ليحكم فيه بحكم الله. ولم يكتف الله تعالى في إثبات الإيمان لهم بهذا التحكيم المجرد، بل اشترط لاعتبارهم مؤمنين أن ينفي عن صدورهم الحرج والضيق من قضاء الرسول وحكمه، وأن يسلموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا لما حكم به، ولن يحكم إلا بما أنزل الله وبما أراه إياه:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
- ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله أمر أن يتحاكم الناس إلى ما أنزله على رسوله ويحكموا به، وأنه تعالى حذر من اتباع الأهواء والحكم بها، وأمر أن يكون الحكم كله مطابقًا لما أوحى به، كما حذر الحاكم من أن يترك بعض ما أنزل الله، أو أن يفتن عنه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة: 48).
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة: 49).
- ومن هذه النصوص نعرف أن الله جعل الحكم بما أنزله، أحسن حكم وأفضله، وأنه نسب الحكم بما أنزل إلى نفسه، فجعله حكم الله، وأنه جعل الحكم بما عداه حكمًا جاهليًّا يقوم على الباطل، وأنه وصف من يبتغي غير حكم الله بأنه يبغي حكم الجاهلية القائم على الأهواء والضلال:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).
- ومن هذه النصوص القاطعة نعرف أن الله حرم الحكم بغير ما أنزل كما حرم عليهم الكفر والظلم والفسق والعصيان، وجعل من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا وظالمًا وفاسقًا:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿... الظَّالِمُونَ﴾، ﴿... الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 44، 45، 47).
وإذا كان الظلم والفسق بمعنى الكفر كما عبر عن ذلك القرآن، فيكون فسق من لم يحكم بما أنزل الله وظلمه هو الكفر، ويكون من لم يحكم بما أنزل الله كافرًا في كل الأحوال بنص القرآن.
ولكن بعض المفسرين يفسرون الظلم، بالانحراف عن الحق، ويفسرون الفسوق بالعصيان، ويجمعون بين الآيات الثلاث في التفسير، فيرون أن من أعرض عما أنزل الله لأنه يفضل عليه غيره من أوضاع البشر فهو كافر قطعًا.
ومن لم يحكم به لعلة أخرى غير الجحود والنكران فهو ظالم إن كان في حكمه مضيعًا لحق، أو تاركًا لعدل أو مساواة، وإلا فهو فاسق(1).
الحكم من طبيعة الإسلام:
وبعد ما ذكرنا من نصوص القرآن التي تعرضت للحكم، ليس هناك حجة لمحتج، ولا سبيل لجدال، فليعرف المسلمون أحكام دينهم ونصوص شريعتهم ثم ليأخذوا عن بينة، وليدعوا عن بينة. أما أن ينطلقوا وراء تلاميذ المبشرين وأذناب المستعمرين ويدعوا مثلهم أن الإسلام لا علاقة له بالحكم، ولم ترد فيه نصوص عن الحكم، فذلك هو الجهل المطبق والجدل المنكر.
إن الإسلام يلزم الناس باتباع ما أنزل الله، ويوجب عليهم أن يتحاكموا إلى ما جاء من عند الله ويحكموا به وحده دون غيره، وليس لذلك معنى إلا أن الحكم هو الأصل الجامع في الإسلام والدعامة الأولى التي يقوم عليها الإسلام.
إن كل من له إلمام بالإسلام يعلم حق العلم أن الحكم في الإسلام تقضي به طبيعة الإسلام أكثر مما تقضي به نصوص القرآن:
- ففي طبيعة الإسلام أن يسيطر على الأفراد والجماعات ويوجههم ويحكم تصرفاتهم.
- وفي طبيعة الإسلام أن يعلو ولا يعلى عليه، وأن يفرض حكمه على الدول، وأن يبسط سلطانه على العالم كله.
إن الإسلام ليس عقيدة فقط، ولكنه عقيدة ونظام، وليس دينًا فحسب، ولكنه دين ودولة، ومن المؤلم حقًّا أن يجهل أكثر المسلمين ذلك لأنهم يجهلون كل شيء عن حقيقة الإسلام، ولا يعلمون عنه إلا أنه عبادات يتلقونها عن طريق التقليد والمحاكاة.
_____________________________________
(1) يقول العلامة ابن القيم في كتابة «مدارج السالكين» حول هذا الموضوع:
«الكفر نوعان: أكبر وأصغر؛ فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار. والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود».
والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإنه إن أعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر، وإن أعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطئ له حكم المخطئين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل