العنوان لماذا ؟
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009
مشاهدات 73
نشر في العدد 1850
نشر في الصفحة 66
السبت 02-مايو-2009
الأخيرة
بمجرد أن تحررت فيتنام الجنوبية من قبضة الاستعمار الأمريكي عام ١٩٧٦م أعلنت وحدتها مع شقيقتها الشمالية.. والدول الأوروبية، رغم تباينها العرقي والجغرافي والديني استطاعت أن تقيم سوقًا مشتركة، وتصدر عملة واحدة، وتعلن اتحادًا أوروبيًا أصبحت الدول المنضمة إليه تزداد عددًا بمرور الأيام.
والأمة العربية، بدولها البضع والعشرين لم تستطع، رغم تحررها من الاستعمار أن توحد شبرين من الأرض.. جربت عدة محاولات وحدوية، وأخرى اتحادية أخفقت جميعًا، اللهم إلا تجربتي اليمن والإمارات العربية المتحدة.
كنا في الماضي نعلق مأساة تجزؤنا على مشجب الاستعمار، فلما رحل الاستعمار وزالت الأسباب لم تسارع إلى التوحد كما فعلت فيتنام، بل على العكس ازدادت الدول العربية عددًا..
أهي لعنة كتبت علينا أن نظل منقسمين على أنفسنا، وأن تصبح فكرة الوحدة أو الاتحاد حلمًا طوباويًا غير ممكن التحقيق على الإطلاق؟ أم أنها العودة إلى الوراء في رحلة تاريخية معاكسة تجتاز عشرات القرون لكي تضعنا في حالة التجزؤ والصراع القبلي المتطاول زمن العرب قبل الإسلام؟
بعض المتشائمين يفسر الظاهرة بأن القوى العظمى لا تريد ذلك كي لا تشكل الدولة العربية الموحدة قوة ذات تأثير قد يلحق الأذى بمصالح هذه القوى ويضعها في دائرة التهديد وعدم الاستقرار.. وهذا صحيح إلى حد ما.. ولكن من قال: إن إرادة القوى العظمى لا راد لها، وأن ليس بمقدور قوة في الأرض أن تتحداها وتتجاوز السدود التي تضعها في طريق الشعوب المستضعفة، حيث شهدنا ولا تزال أممًا أخرى استطاعت أن تحقق ما تريد رغم أنها لا تملك عشر معشار ما يملكه العرب من إمكانات، ليس الموقع الاستراتيجي، والنفط، والثروات المعدنية والمائية، والقدرات الزراعية، سوى شواهد محدودة منها فحسب؟!
ومهما أوغلنا في تحليل الأسباب فلن نعثر على مبرر واحد يجعل الخارطة العربية ممزقة إلى بضع وعشرين دولة ترفرف عليها بضع وعشرون راية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن عددًا من هذه الأبعاض راح يصطرع فيما بينه ويقود الأمة إلى مزيد من الضعف والتمزق والهوان
والتاريخ قد لا يمنح فرصه مرتين، فلقد أتيحت لنا عبر النصف الثاني من القرن الماضي فرص عديدة للوحدة والاتحاد فلم نعرف كيف نهتبلها، إلى أن حلت اللعنة في أخريات القرن الماضي ومطالع القرن الجديد، وتغيرت موازين القوى العالمية بزوال الاتحاد السوفييتي، ونشوء النظام العالمي الجديد الذي تفردت بقيادته دولة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، وراحت تسعى في ظلال العولمة ومن خلال منطوق صراع الحضارات إلى فرض هيمنتها على الشعوب والدول الضعيفة ليس هذا فحسب، بل إنها من أجل إحكام قبضتها على المستضعفين في الأرض تسعى الآن إلى تنفيذ ما يسمى بتجزئة المجزء، أي تفتيت الدول العربية إلى أقاليم عرقية أو مذهبية أو جغرافية، ضعيفة واهنة لا تكاد تملك ثقلًا حقيقيًا على الخارطة السياسية للعالم، بل لا تكاد تملك المقومات الأولية لمفهوم الدولة.
هل معنى ذلك أننا قد نصبح في مستقبل قريب أو بعيد ثلاثين أو أربعين، أو ربما خمسين دولة عربية؟! وكان بمقدورنا أن نتجاوز هذا المصير المحزن يوم كان الظرف التاريخي يعطينا الفرصة للتوحد.. ومع ذلك كله فإن الظرف التاريخي الجديد نفسه لا يملك بحكم قوانين الحركة التاريخية مقومات البقاء.
فها هي ذي محاولات شتى لاستقطابات دولية تطل برأسها، وقد تخرج النظام العالمي الجديد من التاريخ.. وحينذاك قد تتاح الفرصة مرة أخرى للأمة الممزقة كي ترجع إلى وحدتها ويتحقق الحلم الكبير،﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (١٣٩) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران)
[1] باحث وأكاديمي من العراق