; لماذا أصاب الذعر «إسرائيل» من برنامج الـ BCC؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا أصاب الذعر «إسرائيل» من برنامج الـ BCC؟

الكاتب حسام سويلم

تاريخ النشر السبت 18-أكتوبر-2003

مشاهدات 58

نشر في العدد 1573

نشر في الصفحة 27

السبت 18-أكتوبر-2003

  • البرنامج كشف عن دفن الصهاينة (٥٠) ألف طن من النفايات النووية في منطقة النقب والبحر الأحمر تهدد بكارثة بيئية. 

  • كيف تحولت إستراتيجية الردع النووي الصهيوني إلى مزيج من الغموض والعلنية المقرونة بتسريب خطوط حمر، وكيف أمن العدو لنفسه لاحتكار النووي في المنطقة؟

والذي هزَّ إسرائيل وأصابها بالذعر من برنامجBCC إثارته لقضايا أخرى مهمة غير قدراتها النووية مثل التلوث الذي أصاب البيئة في منطقة النقب والبحر الأحمر؛ بسبب الحجم الضخم من النفايات التي تدفنها والتي قدرت حتى عام ۲۰۰۰ بحوالي (٥٠,٠٠٠) طن بمعدل (٢٥٠٠) برميل سنويًا!!

برنامج BCC كشف عن وهم الديمقراطية التي تتشدق بها إسرائيل طويلًا ليس فقط بسبب استمرار حبس موردخاي قانونو انفراديًا، وعدم السماح له بمقابلة أحد، وإنما أيضًا بسبب امتناع الكثيرين بمن فيهم الوزراء عن مجرد فتح باب الحديث حول الترسانة النووية الإسرائيلية.

 يعتبر الجهد الإعلامي المتميز الذي قدمته هيئة الإذاعة البريطانية BBC عندما أذاعت برنامجها الأخير عن أسلحة إسرائيل السرية من أبرز الإنجازات الإعلامية في تاريخ هذه الهيئة، وهو ما يضفي عليها مزيدًا من الاحترام خاصة وأنها لم تعبأ بالتهديدات التي وجهها إليها الكيان الصهيوني فيما لو أقدمت على إذاعة هذا البرنامج، بل إن الاذاعة تحدث إسرائيل واللوبي المساند لها في واشنطن والإدارة الأمريكية، ومضت قدمًا في تنفيذ قرارها بإذاعة هذا البرنامج.

المغزى السياسي والإستراتيجي لهذا البرنامج

 أتي هذا البرنامج بعد (١٧) عامًا من التقرير الشهير لصحيفة الصانداي تايمز البريطانية الذي نشرته في 5/١٠/1986، والذي كشف لأول مرة الأستار التي حرص الصهاينة على إسدالها طويلًا حول ترسانتهم النووية، وكان ذلك على لسان أحد الفنيين العاملين في المجمع النووي في ديمونه، وهو موردخاي قانونو؛ حيث أفاد آنذاك أن إسرائيل تملك ما بين (۱۰۰ -۲۰۰) سلاح نووي معظمها انشطاري ذو قدرات تفجيرية متنوعة (تكتيكي وإستراتيجي) وبعضها اندماجي (هيدروجيني) وأخرى نيوترونية (تقتل الأفراد، ولا تدمر المباني والأسلحة والمعدات) وهنا يبرز سؤال مهم إذا كان هذا حجم الترسانة النووية الإسرائيلية عام ۱۹۸٦، فما حجمها اليوم في عام ٢٠٠٣ بعد (١٧) عامًا من شهادة قانونو، مع استمرار مفاعل ديمونه في العمل وبأقصى طاقته ليس ذلك فقط؟ بل ما مدى تطورها على الصعيد النوعي؟ وما التطور الكمي والنوعي المواكب لذلك على صعيد وسائل إيصال هذه الأسلحة النووية إلى أهدافها؟

 كما جسد هذا البرنامج المفارقة المذهلة بين وجود مادي ملموس لأسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية بأنواعها النووية الكيميائية والبيولوجية ووسائل إيصالها بكميات محددة، وفي أماكن محددة ومعروفة، وتشرف عليها شخصيات معروفة، ولكن لا يجرؤ أحد داخل أو خارج إسرائيل بما فيها الولايات المتحدة على التحدث عن أخطارها، وضرورة إخضاعها للتفتيش الدولي، أو حتى مجرد الحديث عنها، وبين ما يحدث من ضغوط أمريكية وإسرائيلية، على دول أخرى تتهمها واشنطن بأنها مارقة لمجرد وجود شكوك حول امتلاكها أسلحة دمار شامل، أو تخطو العتبات الأولى في برامج لإنتاج صواريخ بالستية للدفاع عن نفسها مثل إيران وكوريا الشمالية، وتهددها واشنطن بالعقوبات والحصار، وشن الحروب الوقائية ضدها، وتطالبها بضرورة فتح جميع منشآتها الخاصة بهذه الأنشطة للتفتيش الدولي الدوري والمفاجئ.

 لقد اهتزت إسرائيل بشدة لما كشف عنه برنامج BBC من مستور يدخل في حكم المحرمات التي يحظر الحديث عنها، وقامت بحملة دعائية مضادة ضد هيئة الإذاعة البريطانية حيث اتهمتها بالانحياز للعرب والفلسطينيين، وتشجيع الإرهاب، بل ومعاداة السامية أيضا، كما أوفدت (۱۱) مندوبًا عنها إلى عدد من عواصم العالم بعضها للأسف عربية في محاولة لتحسين صورتها، ولم يكن هذا الذعر الذي أصاب إسرائيل، بسبب ما كشف عنه برنامج الـ BBC من إمكانات وقدرات إسرائيل النووية، فهي معروفة ومعلنة للعالم من جانب مراكز الدراسات والأبحاث الدولية، وألقت الكثير من الكتب والنشرات الإستراتيجية الضوء عليها، فإسرائيل لا تمانع في ذلك، بل تدعمه باعتباره جزءًا من الرسالة الردعية التي تتعمد توصيلها إلى العرب والمسلمين، ولكن الذي هز الكيان الصهيوني وأصابه بالذعر والعصبية أن هذا البرنامج فجر أيضًا قضايا أخرى خطيرة يحرص الكيان على تجنب الخوض فيها، وطمس معالمها، مثل التلوث الذي أصاب البيئة في منطقة النقب والبحر الأحمر بسبب الحجم الضخم من النفايات النووية التي تدفنها «إسرائيل» التي تم تقدير حجمها في عام ٢٠٠٠ بحوالي (٥٠٠٠) طن، وبمعدل (٢٥٠٠) برميل سنويًا، وخطورة الأمر أن معظم الحاويات التي تحوي هذه النفايات تآكل بفعل الزمن وعوامل التعرية، خاصة وأن منطقة النقب معرضة أكثر من غيرها للهزات الأرضية والزلازل، مما يتسبب في تصدع وتشقق الحاويات، وهو ما حدث في حاويات مماثلة في الولايات المتحدة بعد مرور (٢٠) سنة على دفنها في ظروف وأحوال أفضل من مثيلتها الإسرائيلية.

 هذا بالإضافة إلى أن مفاعل ديمونه أصابته الشيخوخة بعد أن تعدى عمره أربعين عامًا؛ حيث يفترض أن يحال مثل هذا المفاعل إلى التقاعد بعد (٢٥) عامًا من تشغيله «بدأ تشغيل مفاعل ديمونه عام ١٩٦٣م» وقد أدى استمرار عمل ديمونه طوال هذه السنين مع رفع طاقته من (٢٦) ميجاوات إلى (٧٠) ميجاوات عام ۱۹۸۲، ثم إلى (١٥٠) ميجاوات عام ۱۹۸۸ إلى إجهاده، وحدوث تسرب إشعاعي أصاب أكثر من (۱۰۰) فرد من العاملين فيه بأمراض سرطانية، كشف عنهم برنامج تليفزيوني في إسرائيل عام ۱۹۹۹، ورفعوا قضايا على هيئة الطاقة النووية الإسرائيلية مطالبين بتعويضات، لذلك أثير الحديث في إسرائيل منذ عامين عن ضرورة بناء مفاعل نووي جديد، وإن كانت الموساد ضغطت على هؤلاء لسحب قضاياهم.

 ومن أخطر الموضوعات التي فجرها برنامج الـ BBC قضية الديمقراطية التي تتشدق بها إسرائيل طويلًا؛ حيث كشف هذا البرنامج عن وهم هذه الديمقراطية ليس فقط بسبب استمرار حبس قانونو انفراديًا، وعدم السماح له بمقابلة أحد، بل أيضًا امتنع الكثيرون في إسرائيل عن مجرد فتح باب الحديث حول الترسانة النووية الإسرائيلية بما في ذلك وزراء منهم يوسي ساريد الذي كان مسؤولًا عن البيئة، والذي رفض الإجابة عن سؤال حول أماكن دفن النفايات النووية، قائلًا: إن مصيره سيكون الطرد من الوزارة إذا ما تحدث عن هذا الموضوع.

 وكشف البرنامج عن قيامه بخداع وسائل الإعلام العالمية عندما اصطحبها إلى مناطق في النقب بزعم أنها تحوي النفايات، في حين كشف أحد العاملين في هذا المجال أن حاويات النفايات رفعت منها، وتم تبديل التربة الملوثة بأخرى نظيفة، وزرعت فيها الأشجار، ناهيك عن منع الصحفيين من أخذ أجهزة قياس الإشعاع «جايجر» معهم، مكتفيًا بجهاز واحد مع الوزير زعم أن قياساته أثبتت أن الإشعاع أقل من العادي، وهو ما يؤكد كذب وخداع هذا الوزير، كما علل المصابون بالإشعاع امتناعهم عن الحديث حتى لا يلاقوا عقوبة سجن لا تقل عن (١٥) عامًا، ويكون مصيرهم أشبه بمصير قانونو.

 وحتى شيمون بيريز الذي يعتبر الأب الروحي للبرنامج النووي  الإسرائيلي، لقيامه بالجهد الرئيس في حصول إسرائيل على مفاعل ديمونه من فرنسا- رفض الحديث عن البرنامج النووي الإسرائيلي، بل ذهب إلى أكثر من هذا بإعطاء مشروعية الكذب والخداع، بل والقتل أيضًا، والخطف إذا ما كان الأمر متعلقًا بالأمن القومي الإسرائيلي، نافيًا الاتهام الذي وجهته المذيعة لـ: «إسرائيل»، باعتبارها إحدى دول الشر المارقة لامتلاكها أسلحة دمار شامل تسعى جاهدة لإخفائها، وكشف برنامج BBC أيضًا عمن يطلق عليه في «إسرائيل» «إمبراطور الظلام»، وهو المسؤول الأمني عن البرنامج النووي الإسرائيلي، وبمثابة القوة الخفية التي لا تتورع عن ارتكاب أي شيء بما في ذلك القتل أو الخطف في سبيل المحافظة على أمن الترسانة النووية الإسرائيلية، ولا يجرؤ أحد في إسرائيل على مساءلته أو محاسبته على أعماله، حتى إن أحد الجنرالات البارزين في إسرائيل وهو إسحاق ياكوف وكان مرشحًا لجوائز «إسرائيلية» رفيعة- عندما نشر قصة حياته في إحدى الصحف، وحوت بعض أنشطته في المجال النووي اعتبره إمبراطور الظلام خارجًا على القواعد، وجرت عمليات عديدة لإرهابه بدءًا بمراقبة تليفوناته وتحركاته بواسطة عملاء الموساد إلى اعتقاله لمدة عامين حتى أصيب بالقلب، وأعلن إفلاسه بعد اتهامه بخيانة إسرائيل.

 ولم يقتصر الأمر على إسرائيل في تهديد كل من تحدثه نفسه بالخوض في الشأن النووي الإسرائيلي، بل لقد تعداها إلى الولايات المتحدة أيضًا حيث کشف برنامج BBC عن رفض مساعد وزير الدفاع الأمريكي دوجلاس فايث يهودي ليكودي الإجابة عن أسئلة معدة البرنامج النووي الإسرائيلي، وخطورة الطموحات النووية الإسرائيلية، والكيل بمكيالين حيث اعتبر فايث أن هذه الأسئلة تتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي المرتبط بالأمن القومي الأمريكي. 

مغزى سياسة الغموض التي تكتنف البرنامج النووي «الإسرائيلي»:

      بدأ البرنامج النووي الإسرائيلي عام ١٩٤٦ قبل سريب إنشاء إسرائيل، عندما أدرك بن جوريون -مؤسس الكيان الصهيوني- أهمية السلاح النووي الذي امتلكته الولايات المتحدة عام ١٩٤٥، وأنهت به الحرب العالمية الثانية عندما ألقت قنبلتها النووية الأولى والشهيرة فوق المدينة اليابانية الصناعية هيروشيما، ومن بعدها قنبلة أخرى على ناجازاكي، لا سيما وأن الكيان الصهيوني يعاني من عيوب جيوبوليتيكة عديدة أبرزها صغر المساحة، وضعف العمق الإستراتيجي، وقلة السكان والموارد الاقتصادية، فهو منذ إنشائه وحتى اليوم بمثابة جزيرة صغيرة معزولة وسط بحر متلاطم من العرب، ومن ثم كان قرار بن جوريون أن امتلاك إسرائيل لسلاحها النووي الخاص بها هو الحل الوحيد لهذه المعضلة الإستراتيجية، فبالقنبلة النووية يمكن ردع العرب عن تهديد أمنها وكيانها، وفي نفس الوقت تمكنها من ابتزاز العرب والضغط عليهم، وبما يسمح لها بتحقيق أهدافها التوسعية على حساب أراضيهم وثرواتهم.

 لذلك أنشأ في عام ١٩٤٦ القسم العلمي في عصابة الهاجاناه التي كانت نواة الجيش الإسرائيلي بعد ذلك، وفي عام ١٩٤٧ بدأ على الفور في تجنيد مئات العلماء في الطبيعة والكيمياء، ومهندسي الكهرباء والآلات للعمل في القسم العلمي الذي تحول بعد ذلك إلى الشعبة العلمية بوزارة الدفاع عام ١٩٤٨ مع قيام الكيان الصهيوني، كما أرسل عشرات العلماء والمهندسين الصهاينة للتدريب في الولايات المتحدة بتشجيع من أوبنهايمر «اليهودي» أبو البرنامج النووي الأمريكي.

 وفي عام ١٩٤٨ بدأت عملية البحث عن اليورانيوم في النقب، وتم تشكيل هيئة الطاقة النووية الإسرائيلية برئاسة أرنست بيرجمان، وبحلول عام ١٩٤٩ أنشئت دائرة البحث عن النظائر المشعة بمعهد وايزمان، وبدأ العمل لإنتاج الماء الثقيل واستخلاص اليورانيوم من فوسفات البحر الميت، كما تمت مفاتحة فرنسا في شأن الحصول على مفاعل نووي جرامثيتي، وهو ما عقد اتفاق بشأنه في عام ١٩٥٥ مع فرنسا، وكذلك اتفاق آخر بشأن تصنيع الصواريخ الفرنسية 620-660-MD  والتي عرفت بعد ذلك بصواريخ «أريحا» وبدء في بناء مفاعل ديمونه عام ١٩٥٧، وعندما أوشك البناء على الاكتمال في عام ۱۹٦٠ وشكت الولايات المتحدة في طبيعة نشاطه، زعمت إسرائيل أنه مصنع نسيج، ولكن تأكد للمخابرات الأمريكية أنه مفاعل نووي، واعترفت بذلك تحت ضغط إدارة كيندي التي طالبت بفتحه للتفتيش الدولي، وعندما توجهت لجنة أمريكية لزيارة المفاعل عام ١٩٦٠، عرضت عليها إسرائيل الدور الأول والأرضي فقط من قسم ماشون 2 المخصص لصناعة الأسلحة النووية، وأخفت عنها ستة طوابق مقامة تحت الأرض تحتوي صالات التشغيل والتحكم لفصل البلوتونيوم (۲۳۹) واللازم (٦-٨) كجم منه لصنع سلاح نووي قوته (۲۰) كيلو طن مماثل للقنبلة التي ألقيت على هيروشيما عام ١٩٤٥، ثم امتنعت «إسرائيل» بعد ذلك عن استقبال أي زوار أجانب لمنشآتها النووية، كما رفضت التوقيع على معاهدة الحد من الانتشار النوويNPT، وقد وافق الرئيس الأمريكي نيكسون عام ١٩٦٩ على أن تمضي إسرائيل قدمًا في تطوير أسلحتها النووية، بشرط عدم الإعلان عن امتلاكها سلاحًا نوويًا حتى لا تعطى المشروعية للدول العربية لامتلاك أسلحة نووية تواجه بها السلاح النووي الإسرائيلي.

 وقد التزمت إسرائيل بهذا التعهد، واتبعت ما أطلق عليه إستراتيجية الردع بالشك، بمعنى أن إسرائيل تمتلك كل مقومات إنتاج السلاح النووي، ولكنها لم تتخذ بعد قرارًا بذلك، وفي عام ۱۹۷۰ أعلن وزير الدفاع الصهيوني موشی دیان إستراتيجية أخرى أطلق عليها القنبلة في «القبو» أي أن سلاحًا نوويا قد أنتج بالفعل، ولكنه مفكك وقابل للتجميع في أي وقت وفي زمن قياسي إذا ما تقرر استخدامه، وأثناء حرب أكتوبر ۱۹۷۳ وتحت وطأة الخسائر الجسيمة التي تكبدتها إسرائيل على المسرح المصري، نشرت «إسرائيل» في صحراء النقب صواريخ أريحا مسلحة برؤوس نووية تحت مرأى أقمار التجسس الأمريكية لتجبر إدارة نيكسون على سرعة الاستجابة لمطالبها التسليحية العاجلة لإيقاف تقدم الجيوش المصرية السورية، مما اضطرت معه إدارة نيكسون لسرعة إقامة الجسر الجوي لإمداد إسرائيل بأحدث الأسلحة الأمريكية حتى توقف تهديدها باللجوء لأسلحتها النووية.

 ومع بداية التسعينيات تحولت إستراتيجية الردع النووي الإسرائيلي إلى مزيج من الغموض والعلنية المقرونة بتسريب خطوط حمر، قد تلجأ «إسرائيل» إلى أسلحتها النووية في حالة خرقها.

 وتمثلت هذه الخطوط الحمر في الآتي: امتلاك دولة عربية لسلاح نووي، خرق الترتيبات الأمنية في مناطق الحدود، حدوث خلل في الميزان العسكري التقليدي لغير صالح إسرائيل، منع إسرائيل من الحصول على احتياجاتها المائية من الأنهار العربية، تحريك جيوش عربية بين دول المواجهة والعمق في إطار تعاون إستراتيجي مشترك، استخدام أي دولة عربية لصواريخها البالستية في قصف إسرائيل.

 وقد أمنت إسرائيل، لنفسها الاحتكار النووي من خلال عدة إجراءات أمنية وعسكرية تمثلت في إجراء تصفيات جسدية للعلماء النوويين العرب د. سميرة موسى عام ١٩٥٣، د. سمير نجيب عام ١٩٦٧، د. يحيى المشد عام ۱۹۸۱، وتدمير أجزاء من المفاعل النووي العراقي في ميناء شحنه «شيريورج» بفرنسا عام ١٩٦٦ بعمليات خاصة، ثم تدمير المفاعل العراقي أوزيراك في عام ١٩٨١ بواسطة غارة جوية من (١٦) مقاتلة.

 هذا بالإضافة لتهديدات مستمرة بضرب المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية في بوشهر والباكستانية في كاهوتا، وذلك بالتعاون مع تركيا والهند باعتبار ذلك يدخل في إطار الضربات الوقائية الإجهاضية، ناهيك عن الضغوط السياسية والعسكرية التي تمارسها إسرائيل والولايات المتحدة على الدول المصدرة للتكنولوجيا النووية والصاروخية، مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية والأرجنتين، لإيقاف مقاومتها في هذه المجالات مع الدول العربية والإسلامية.

 بذلك تكون إسرائيل قد فعلت إستراتيجية الردع ببعديها النفسي والمادي، وكرست الخلل الإستراتيجي الشامل ببعديه التقليدي، وفوق التقليدي لصالحها، وبما يسمح لها بالانطلاق في تنفيذ أهدافها ومخططاتها الإستراتيجية التوسعية على حساب الدول العربية، وهو ما عرف بـ: «إسرائيل» الكبرى من النيل إلى الفرات، وإسرائيل العظمى من المحيط إلى الخليج.

 ولتحقيق هذه الأهداف تبنت إسرائيل سيناريوهات نووية متعددة، تبدأ بالضربة الوقائية والمسبقة، والضربة النووية المضادة ردًا على حرب تقليدية يوشك العرب على الانتصار فيها، ثم أخيرًا سيناريو «الملاذ الأخير»؛ حيث تستخدم فيه «إسرائيل» أسلحتها النووية الإستراتيجية في ضرب أهداف بنيوية داخل الدول العربية، إذا ما أوشكت الهزيمة أن تحل نهائيًا بـ«إسرائيل» وتهدد عمقها الإستراتيجي.

خلاصة القول: 

      إن ما كشفت عنه هيئة الإذاعة البريطانية BBC في برنامجها الوثائقي الذي كشف ما تسعى «إسرائيل» إلى إخفائه، وإسدال ستار كثيف من الغموض عليه حول ترسانتها من الأسلحة النووية، لا ينبغي على العرب والمسلمين حكامًا ومحكومين أن يستمعوا إليه كما يستمع إليه أي مراقب في أوروبا أو اليابان أو أستراليا غير معني بما يحدث في إسرائيل، بل ينبغي على العرب والمسلمين أن يتابعوا ويراقبوا ما يصدر من معلومات وحقائق حول الترسانة النووية الإسرائيلية، بنظرة أننا نحن المستهدفون من هذه الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية والصاروخية؛ لأننا نحن العرب والمسلمين تعتبرنا إسرائيل أعداءها الذين أنفقت هي والولايات المتحدة المليارات من الدولارات على هذه البرامج التسليحية ذات الدمار الشامل من أجل إخافتهم وردعهم، ودفعهم للاستسلام للأهداف الإسرائيلية التوسعية والعدوانية على حساب الأراضي والشعوب والثروات العربية.

 ومن ثم ينبغي ألا نقف مكتوفي الأيدي نراقب بأعين العاجزين ما يجرى حولنا، وهو بكل المقاييس ضد مصالحنا وأهدافنا القومية، ومستقبل أجيالنا القادمة، بل يجب أن يكون ذلك حافزًا لنا لنستنهض كل عوامل القوى الشاملة التي في حوزتنا لدرء هذه الأخطار، وما أكثر الإمكانات والقدرات الكامنة في العالمين العربي والإسلامي لتحقيق ذلك، وأبرزها وأقواها شحذ إرادة التحدي القائمة على قوة الإيمان بالله، وهي التي انتصر بها المسلمون الأوائل في وقت كان أعداؤهم متفوقين كمًا ونوعًا عليهم.

الرابط المختصر :