العنوان لماذا أعدموا «عدنان مندريس»؟
الكاتب جمال خطاب
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2015
مشاهدات 63
نشر في العدد 2086
نشر في الصفحة 68
السبت 01-أغسطس-2015
• لم يتسبب في هزائم عسكرية فادحة مثل «جمال عبد الناصر» الذي نصبوه زعيما للقومية العربية.
• أعدم مندريس لقيادته نهضة تركيا الحديثة وأعدم وزير خارجيته لقطعه علاقات تركيا
مع الكيان الصهيوني وأعدم وزير المالية لأنه رفع عملة واقتصاد تركيا.
سكت الغرب..
غرب الحرية وحقوق الإنسان، أو وافق ضمنيا، على إعدام «مندريس»، بالرغم من أنه أدخل
تركيا لـ «حلف شمال الأطلسي»، وجعلها رأس حربة الغرب في مواجهة الاتحاد السوفييتي،
ولكن ذلك لم يشفع له حينما تحرك الجيش ضده في أول انقلاب في تاريخ تركيا المعاصر ليحكم
عليه بالموت مع عدد من رفاقه بعد عشر سنوات قضاها في الحكم.
وفي عهده أقام
علاقات قوية مع الولايات المتحدة التي صمتت على إعدامه، ووضع تركيا في مواجهة المد
اليساري والشيوعي.. أعداء العالم الحر الذي كان يجتاح العالم آنذاك.
ولم يكن «مندريس» إسلاميًّا ، بل كان عضوًا في حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه «أتاتورك»، ونائبًا عن الحزب في البرلمان، لكنه اتخذ في عام ١٩٤٥م مع ثلاثة نواب آخرين موقفًا معارضًا لزعيم حزبهم ورئيس الوزراء عصمت إينونو خليفة «أتاتورك» وحامي ميراثه العلماني.
وانفصل النواب
الأربعة ليشكلوا حزبًا جديدا هو الحزب الديمقراطي بزعامة مندريس»، وفي عام ١٩٤٦م شارك
الحزب الجديد في الانتخابات العامة، ولم يحصل إلا على ٦٢ مقعدا ، ثم عاد ليشارك في
انتخابات عام ١٩٥٠م، ليفوز بأغلبية ساحقة، ۳۱۸ مقعدًا، ولم يترك لحزب أتاتورك
إلا ٣٢ نائبًا فقط.
قام العسكر بإعدامه،
هو واثنين من رفاقه بعد انقلاب عسكري مهدوا له باحتجاجات شعبية مزيفة
في عام ١٩٦٠م!
فلماذا أعدموه؟
هل لأنه فاشل؟
لو كان فاشلا
ما أعدموه، فكلهم فاشلون ولكنه كان ناجحا بكل المقاييس.
كان ناجحا اقتصاديا
فقد أحدث طفرة في مجالات الزراعة والصناعة، وحارب الفقر والتخلف بنجاح منقطع النظير.
ففي المجال الزراعي،
قام مندريس» بإدخال تكنولوجيا الزراعة إلى الأرياف وأرسل الجرارات والحاصدات إلى الفلاحين
ووزع عليهم الأسمدة والمبيدات، وأرسل إليهم مرشدين زراعيين، كما أنشأ العديد من السدود
الكبيرة بمعدل سد في كل منطقة تقريبا، حتى أخذت تركيا تتصدر الدول الأوروبية والشرق
الأوسط في إنتاج القمح والبندق والتين المجفف والعنب والقطن والشاي ومختلف أنواع الفاكهة
والخضار، وأنشأ العديد من مخازن الحبوب كما ربط جميع القرى بشبكات طرق، وأنشأ معامل
للنسيج، وعصير الفواكه والصابون والأدوية، والأسمنت ولوازم البناء، ومصانع للأحذية
ودباغة الجلود..
لماذا أعدموه؟
- هل لأنه لم
تكن له شعبية، ولم يكن محبوبا؟
العكس هو الصحيح،
فقد فاز بالأغلبية في ثلاثة انتخابات ديمقراطية، شكل حزبه (الحزب الديمقراطي) على إثرها
حكومات حكمت تركيا عقدا كاملا من الزمان وتماهى مع شعبه وأمته ودينه.
فقد أدخل تركيا
في نهضة عمرانية كبيرة، واهتم بإنشاء المدارس الشرعية (الأئمة والخطباء)، وأدخل الدروس
الدينية إلى مناهج المدارس العامة، وفتح أول معهد ديني عال إلى جانب مراكز تعليم القرآن
الكريم المسماة قرآن کورس.
كما أنشأ الجامعات
في معظم المحافظات التركية وازدادت شعبيته هو وحزبه عندما أعاد الأذان باللغة العربية
بقرار من البرلمان التركي بعدما كان باللغة التركية منذ عام ۱۹۲۸م وحتى نهاية رئاسة «عصمت
إينونو رفيق «أتاتورك».
هل لأنه تسبب
في هزائم عسكرية لتركيا؟
كانت سنوات الخمسينيات
فترة تنمية وازدهار لم تشهد تركيا لها مثيلًا، لا قبل ولا بعد حتى جاء «أردوغان» بعد
٤٠ عاما من التيه السياسي والاقتصادي في تركيا، ولم يذكر التاريخ
لـ «مندريس» أي معارك سياسية أو عسكرية خارج تركيا ، ولم ينشغل مندريس إلا بالشعب التركي
والمواطن البسيط البائس.
لم يتسبب في
هزائم عسكرية فادحة مثل جمال عبد الناصر» الذي نصبوه زعيما للقومية العربية، وهو الذي
تسبب في أفدح هزيمتين عسكريتين للعرب في العصر الحديث، وبكاه العالم العربي عند مماته
ومازالت الملايين مخدوعة فيه!
-هل كان فاسدًا؟
لا أعرف حادثة واحدة لا في تركيا ولا في العالمين العربي والإسلامي أعدم فيها متهم بالفساد من كبار الفاسدين الذين تزكم سيرتهم العفنة الأنوف، وتملأ سيرتهم النتنة صفحات الكتب والجرائد والفضاء الإلكتروني، وعدنان مندريس» لم يحاكم محاكمة عسكرية بسبب تهم فساد وجهت إليه ولكن التهمة التي أعدم بسببها هو ورفيقاه وزير خارجيته «فطين رشدي زورلو»، ووزير ماليته «حسن بولات قان»، كانت محاولة إقامة دولة إسلامية، فماذا كان ذنب وزير الخارجية ووزير المالية.
وزير الخارجية
اتخذ قرارًا بقطع العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني بسبب مشاركته لإنجلترا وفرنسا
في عدوانها على مصر في عام ١٩٥٦م، برغم أن العلاقات التركية المصرية لم تكن على ما
يرام ووزير المالية كان سببًا في ازدهار تركيا وارتفاع قيمة عملتها في فترة الخمسينيات.
وفي عام
١٩٩٠م أصدر البرلمان التركي قانونا برد الاعتبار لـ عدنان مندريس وزملائه، كما شارك
الرئيس «تورجت أوزال» في الذكرى الـ ٢٩ لإعدام «مندريس» في استقبال رفات الرجل ورفات
زملائه لإعادة دفنها في مقابر جديدة، وقرأ الفاتحة على أرواحهم ووصفهم في كلمة تأبينية
بشهداء الوطن، وذلك بحضور قادة الجيش ورؤساء الأحزاب وحشد جماهيري ضخم، أعقب ذلك تسمية
مطار «أزمير» باسم «مندريس»، وكذلك العديد من الشوارع والمدارس والجامعات امتنانا لدوره
في الحياة المدنية، وإدانة ودفنا لإرث الانقلابات العسكرية، ولا ينساه الزعيم الفذ
رجب طيب أردوغان في خطبه كواحد من رجالات تركيا العظام، إلى جانب سلاطينها الفاتحين،
وأبطالها المحررين.
إذن لماذا أعدموهم؟
ومن يعدم الأفذاذ
والأبطال والمخلصين؟ هل تعدم الشعوب قادتها ورموزها وأبطالها؟
أم يعدمهم أعداء
الأمة، وعملاء الصهاينة الخونة والمجرمون؟