; لماذا تتسلح حكومة جنوب السودان بأسلحةٍ ثقيلة متطورة؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا تتسلح حكومة جنوب السودان بأسلحةٍ ثقيلة متطورة؟!

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 29-نوفمبر-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1829

نشر في الصفحة 24

السبت 29-نوفمبر-2008

الحركة الشعبية استقدمت خبيرًا أمريكيًّا من أصل يهودي هو «روجروينتر» ليقدم لها الاستشارات

خبراء عسكريون: ثغراتٌ واضحةٌ في اتفاقية الترتيبات الأمنية الملحقة باتفاقية سلام الجنوب

الفريق ركن «محمد بشير سليمان»: تسلُّح حكومة الجنوب يخرق اتفاقية «نيفاشا» للسلام

ما زالتْ شحنة الأسلحة الثقيلة التي لا تتسلح بها إلا جيوش الدول النظامية من دباباتٍ ومدافعٍ، وطائراتٍ، وأسلحةٍ حديثة متطوَّرة، والتي استوردتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان» «الشريك الثاني في حكم السودان مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم» تثير ردود فعلٍ واسعةً، وتساؤلاتٍ ومخاوفَ لدى المهتمين بالشأن السوداني العام والخاص.

والتساؤُل المهم الذي يتردد على كل لسانٍ هو: لماذا تتسلح الحركة؟ ولمن تتسلح؟ ومن يقف وراءها؟

وللإجابة على مثل هذه الأسئلة؛ لا بد من قراءةٍ واقعيةٍ صحيحةٍ لواقع السودان اليوم والذي يتعرض لمؤامرات داخلية، وخارجية لمحو الوجود العربي الإسلامي في هذه الدولة شبه القارة.

لقد كان الظن أنَّ اتفاقية السلام الشامل الموقعة في يناير ۲۰۰۵م في «كينيا» والمعروفة باتفاقية «نيفاشا» ستنهي آلام السودان التي امتدت أكثر من نصف قرن بتمردٍ اندلع عام ١٩٥٥م قُبَيل رحيل الاستعمار بأربعة أشهرٍ، ولكن يبدو أنَّ نظرة الحركة الشعبية لاتفاقية «نيفاشا» مخالفةً تمامًا لنظرة الشريك الأكبر في الحكم «المؤتمر الوطني» في حكومة الوحدة الوطنية؛ إذ تستغل الحركة الشعبية «المتمردة سابقًا» ما قضتْ به اتفاقية السلام بأن تحتفظ بذراعها العسكري «الجيش الشعبي» موازيًا للقوات المسلحة السودانية، محتفظًا بأسلحته وِفق اتفاقية الترتيبات الأمنية.

وتستغل سيطرتها على السلطة في الجنوب للتصرف وكأنَّها دولةً مستقلة، حيث تم انسحاب القوات السودانية القومية من ولايات الجنوب العشر؛ لذلك فإنَّ دوافع الحركة الشعبية في التسلُّح بهذا النوع من الأسلحة تحسب لما ستؤول إليه الأوضاع مستقبلًا: إذ لم يبقَ على استفتاء تقرير المصير إلا أقل من ثلاثة أعوام من الآن.

وتشير أعمال التسلُّح التي تقوم بها الحركة الجنوبية إلى أنَّ نتيجة الاستفتاء بانفصال جنوب السودان عن شماله هو ما يتمناه بعض فصائل الحركة، وهم الذين ينادون باستقلال الجنوب، متذرِّعين بأسبابٍ لا أساس لها من الصحة من أنَّ الشَّمال ما زال يهضم حقوق الجنوب، بالرغم من أنَّ اتفاقية السلام حددتْ القسمة العادلة للسلطة والثروة، وأعطتْ الجنوب أكثر مما كان يتوقعه المتمردون أنفسهم.

ولذلك، فهم يستعدون بحيث إذا وقع الانفصال، فسيكون للدولة الوليدة المنفصلة قواتها المسلحة التي تمتلك أحدث الأسلحة، وكوادرها التي تتدرب في الكيان الصهيوني، وجنوب أفريقيا، ودول الجوار المسيحي.

حربٌ بين الشمال والجنوب

ولا يمكن تفسير تسلُّح الجنوب بهذه الأسلحة سوى أنَّ دولة الانفصال في الجنوب تضع في حسبانها احتمالات الدخول في صراع حدودي مع الشمال، إذ إنَّ مطامع الحركة منذ أيام «جون جارانج» تمتد إلى مناطقَ جغرافية في الشمال، ولها خريطةٌ خاصَّةٌ للحدود التي تريدها أن تطال مساحاتٍ واسعةً من «النيل الأزرق»، و«جنوب دارفور»، و«جنوب كردفان» وهي أصلًا تطمع في إنشاء دولة السودان الجديد العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، وتبعد العروبة والإسلام عن السودان.

فدولةٌ عنصريةٌ مثل هذه ستمنع أي وجود، أو تمددٍ للقبائل العربية نحو الجنوب؛ مما يؤدي إلى احتمال وقوع صدامٍ مسلحٍ، ومواجهاتٍ عسكريةٍ.

وفي هذا الصدد فإنَّ قضية «أبيي» في جنوب كردفان لها حساباتها الخاصة؛ فقد وقعتْ مواجهاتٍ عسكريةٍ خطيرةٍ بين الجيش السوداني، والجيش الشعبي في تلك المنطقة الغنية بالنِّفط، وتسكنها قبائل «المسيرية» العربية «وهم الغالبية العظمى من السكان» وقبيلة «دينكا أنوك» وهم أقليّة، ولكن الحركة الشعبية تعتبر منطقة «أبيي» جزءًا لا يتجزَّأ من ولاية «بحر الغزال» ولا نظن أنها سترضخ لقرار المحكمة الدولية التي تبحث قضية تبعية «أبيي» إن كان في صالح الشمال.

ومن الأسباب التي تدفع الحركة لكلِّ هذا التسلح أيضًا أنَّ الجنوب ليس وحدة واحدة، وليس على قلبٍ رجلٍ واحد؛ وإنَّما يتكون من قبائلَ عديدةٍ بعضها قوية كقبيلتي «الشلك». و«النوير»، وبعضها ضعيفة، وكلها تتخوف من هيمنة «الدينكا» على الجنوب بعد الانفصال وتتوقع مواجهات وصدامات مسلحة، وتتحسب الحركة التي تسيطر عليها قبيلة «الدينكا» لمثل هذه المواجهات المتوقعة حتمًا، لا سيّما وأنَّ أحداثًا كثيرةً وقعت تؤكِّد هذه المخاوف والتوقعات.

خرقٌ لاتفاقية «نيفاشا»

ويبقى السؤال المهم: هل التسلح بهذه الكيفية والنوعية خَرق لاتفاقية «نيفاشا» والترتيبات الأمنية الملحقة بها؟

الفريق ركن «محمد بشير سليمان» الناطق الرسمي السابق للقوات المسلحة، والخبير العسكري يرى أنَّ خطورة اتفاقية الترتيبات تكمن في أنَّها ساوتْ بين الجيشين، أي جيش الحركة الذي يمثل ولايات وفئات قبلية محدودة، والقوات المسلحة القومية التي تمثل الوطن بأكمله.

فالاتفاقية نصَّتْ على اعتبار إعادة الإمداد بالمعدات غير المصرح بها شكلًا من أعمال انتهاك الاتفاقية، كما أتاحتْ للحركة أن تموِّل نفسها أجنبيًا في مجال السلاح، وتتلقى المساعدات الدولية على أن تموِّل هذه الإيرادات عبر بنك «جنوب السودان» وتدار وفق برتوكول الثروة؛ إلا أنَّ الحركة لم تلتزم بذلك في صفقات السلاح التي أبرمتها، مما يعد انتهاكًا صريحًا لاتفاقية السلام التي نصت على مبدأ عدم قيام أحد الطرفين بأي نشاط يتجه نحو التعزيزات العدائية؛ بل نصتْ أيضًا على أنَّ إعادة الإمدادات بالمعدات غير المصرح بها يعد شكلًا من أشكال انتهاك الاتفاقية.

ويضيف الفريق «محمد بشير سليمان» في تصريحات صحفية: «إن الاتفاقية التي ساوت بين الجيشين تنص أيضًا على عدم إمداد القوات المسلحة بموادٍ قتاليةٍ، إلا إذا اعتمد مجلس الدفاع المشترك ذلك، رغم أنَّ تسليح القوات المسلحة من المعروف بداهة أنَّه يأتي في إطار حماية التراب الوطني القومي، ولا يدخل في إطار الصراعات السياسية والقبلية، ولكن حتى إذا تجاوزنا ذلك، فإنَّ الحركة الشعبية باستيرادها للسلاح، وتلقيها الدعم الخارجي خاصة من الولايات المتحدة تعد مخترقة لاتفاقية السلام».

ومن كلام الفريق «محمد سليمان» يتضح أنَّ هناك ثغراتٌ واضحةٌ في اتفاقية الترتيبات الأمنية الملحقة بالاتفاقية، وأن الحركة الشعبية تستغل هذه الثغرات لتقوية جيشها الخاص؛ ليكون في مصافِّ جيوش الدول.

وقد استقدمتْ الحركة الشعبية خبيرًا أمريكيًا من أصلٍ يهوديٍّ هو «روجر وينتر» لحكومة الجنوب التي لا تقدم على عمل شيء كبير أو صغير إلا بإشارته، ولهذا فإن الدور الأمريكي، والصهيوني في هذه الصفقة المشبوهة ثابت؛ لأن أمريكا لا تريد خيرًا للسودان، وتعمل بكل قوة لإسقاط نظامه الإسلامي بتأجيج الاحتراب الداخلي لأنَّها لا تجرؤ على التورط في السودان بعد تجاربها الفاشلة في «أفغانستان»، و«العراق».

ولا شكَّ أنَّ هناك تواطؤًا دوليًا وإقليميًا في هذه الصفقة، فأمريكا وحلفاؤها مسؤولون عن إنفاذ اتفاقية السلام، وكذلك دول الإيفاد و«كينيا» بصفةٍ خاصةٍ «راعية الاتفاقية» و«إثيوبيا» التي بدأتْ تُعادي السودان، وترسل شحنات الأسلحة إلى «جوبا» بطائراتها.

والذي يثير التساؤل أيضًا ذلك الصمت الغريب والمريب من الأمم المتحدة، التي يجب أن تراقب مثل هذه التجاوزات!! ولكن من يثق بعد اليوم فيها بعدما تم الكشف عن تواطؤ بعثات الأمم المتحدة مع «أوكامبو» في دارفور؟!

الرابط المختصر :