العنوان لماذا فاز بوتفليقة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004
مشاهدات 72
نشر في العدد 1598
نشر في الصفحة 37
السبت 24-أبريل-2004
الناخب الجزائري اتبع أسلوب التصويت العقابي.. وأخطاء الآخرين جاءت لصالح بوتفليقة
«الرئيس الذي لا يسخن ظهره بأغلبية شعبية في الانتخابات عليه أن يبقى في بيته» تلك هي الكلمة التي ختم بها بوتفليقة حملته الانتخابية ثمانية ملايين ونصف مليون مصوت منحوا أصواتهم لبوتفليقة الذي يدعمه تحالف رئاسي سيكون من أهم القوى السياسية ذات الحضور الشعبي الكبير ويضم حركة مجتمع السلم التي أسسها الشيخ محفوظ نحناح، ويقودها اليوم الشيخ أبو جرة سلطاني، والتجمع الوطني الديمقراطي الذي يقوده رئيس الحكومة أحمد أويحيى وجناح التصحيحية لجبهة التحرير الوطني التي يقودها وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم، وعشرات المنظمات العمالية والطلابية والنسائية وأبناء الشهداء، والزوايا الدينية والشخصيات القومية والعروبية.
١٩ يومًا ساخنًا ميزت التنافس الحاد بين المترشحين الستة «عبد العزيز بوتفليقة- علي بن فليس- سعد عبد الله جاب الله- لويزة حنون- سعيد سعدي- علي فوزي رباعين» وتوقع البعض أن تكون الانتخابات في دورين ووصل بهم الأمر إلى وصف الانتخابات بالمزورة إذا لم تكن في دورين، لكن رموز التحالف الرئاسي التي جابت الجزائر في أكثر من ۲۰۰۰ تجمع شعبي ومهرجان جماهيري حسمت الاستحقاق الرئاسي في دور واحد وبأغلبية ٨٤٫٩٩٪ في حين حصل بقية المترشحين على نسب ضعيفة، فقد حصل المنافس العنيد علي بن فليس وهو رئيس الحكومة السابق على نسبة ٦٫٤٪ بـ «٦٥٣٩٥١ صوتًا»، وحصل السيد عبد الله جاب الله على نسبة 5٫02٪ «511526صوتًا» أما سعيد سعدي رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية «لانكي تغريبي» فقد حصل على نسبة 1٫94٪ «۱۹۷۱۱۱صوتًا» وحصلت لويزة حنون رئيسة حزب العمال على نسبة ١,٠٠٪ «١٠١٦٣٠صوتًا» في حين حصل علي فوزي رباعين رئيس حزب عهد ٥٤ على نسبة ٠.٦٣٪«63761 صوتًا».
كيف يمكن قراءة هذه النتائج غير المتوازنة بالنظر إلى عدد وحجم المترشحين والتيارات التي كانت تقف وراءهم؟ وكيف يمكن تفسير نمط الاقتراع في الجزائر الذي يحير دائمًا المتابعين والملاحظين؟ وهل هنالك سر وراء الانتخاب العقابي الذي تكرر ثلاث مرات «سنة ١٩٦٢ حيال الاستفتاء على استقلال الجزائر وسنة ۱۹٩٢ عندما عاقب الشعب السلطة بالتصويت على الإسلاميين وفي ٨ أبريل ٢٠٠٤ حينما صوت الشعب لصالح الرئيس؟»
تساؤلات يمكن الإجابة عنها من خلال هذه المقاربة البسيطة للأحداث ـ وقد فصلنا الخلفيات في مقالات نشرت به المجتمع أثناء الحملة الانتخابية- فالشعب الجزائري إذا أحب أحدًا أحبه بشدة وإذا كره شخصًا كرهه بشدة أيضًا، وقد عرف الناخب الجزائري خصومه من أصدقائه طيلة ١٥ سنة من الأزمة الخانقة. كما أشارت استطلاعات الرأي أن الشعب الجزائري انتقل من التصويت لصالح من يستخدم الخطاب الحاد ضد السلطة إلى اختيار من هو أنفع له على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتصويت لمن يحمل مشروعًا واضح الأهداف. الانتخابات هذه المرة ميزت التنافس بين مشروعين كبيرين من حيث التأثير على المستوى الشعبي وعلى المستوى الإداري السلطوي.
فعبد العزيز بوتفليقة -من خلال التحالف الرئاسي- اتخذ من خيار المصالحة الوطنية شعارًا للحملة الانتخابية وكان قد حقق خلال فترته الأولى الوئام المدني وإطلاق سراح المساجين وأسس لجنة لمتابعة ملف المفقودين والمفصولين عن العمل وسلم الشباب بطاقة الخدمة الوطنية وكان عددهم مليون شاب منعتهم الأزمة من الالتحاق بالخدمة العسكرية وفي المقابل كان هناك تيار الاستئصال وهو التيار العلماني الذي ساهم في إلغاء المسار الانتخابي سنة ۱۹۹۲ وأدخل البلد في الأزمة الحمراء، ومثله رئيس الحكومة السابق علي بن فليس، وقد التحقت به كل رموز الأزمة الدموية سواء كانوا عسكريين أو مدنيين، هذان المشروعان تمايزا بوضوح خلال الحملة الانتخابية وجذب هذان المشروعان المتنافسان أصوات الناخبين وغض الناخبون الطرف عن المترشحين الآخرين حتى لو كانوا إسلاميين لأنهم أرادوا حسم المعركة بين مشروعين يمثل أولهما في الخلفية التاريخية للجزائريين مشروع مجتمع الثوابت الوطنية «من إسلام وعربية وأمازيغية ووحدة وطنية» والثاني يمثل مشروع تغريب الجزائر ومسح شخصيتها الإسلامية ولذلك كانت الانتخابات الرئاسية عبارة عن استفتاء شعبي يشبه إلى حد كبير استفتاء تقرير المصير سنة ١٩٦٢ حول الاستقلال وهو درس يعطيه الشعب الجزائري المسلم لكل من يريد تغريبه أو إلحاقه بالاستعمار على مستوى اللغة والدين والتقاليد أو المناهج الاقتصادية والتعليمية وهي رسالة واضحة إلى الرئيس الفائز مفادها أن الجزائريين يريدون الاستقرار والسلم والمصالحة والتنمية ولا يسمحون لأحد أن يتلاعب بثوابتهم الوطنية، وهو الأمر الذي يفسر الهبة الشعبية نحو الانتخابات حتى في منطقة القبائل التي امتنعت عن التصويت في الاستحقاقات الماضية، رغم التهديدات التي وجهت لهم من طرف متطرفي عروش المنطقة الذين حرقوا عددًا لا بأس به من صناديق الاقتراع في محافظات تيزي وزو، بجاية والبويرة.
وفي سياق تحليل النتائج لا يمكن أن تغفل أمرًا مهمًا أصبح يميز السلوك الانتخابي الجزائري وهو انتقال الوعاء الانتخابي الإسلامي من موضعه التقليدي إلى مواقع واعية تعرف الهدف فكان أن حصل الإسلاميون الذين أنجزوا تحالفًا مع بوتفليقة على جل أصوات التيار الإسلامي سواء تعلق الأمر بالتيار السلفي أو الجهادي وحتى التاليين صوتوا للتحالف الرئاسي وفي المقابل حصل المرشح الإسلامي عبد الله جاب الله على ٥٫٠٢٪ ويمكن تفسير هذه النتيجة بكون الشيخ عبد الله جاب الله رئيس حركة الإصلاح الوطني وقع في عدد من الأخطاء في حملته الانتخابية منها :
دعوته أعضاء الأحزاب الإسلامية الأخرى للتمرد على قياداتها التي تحالفت مع بوتفليقة.
مهاجمته لحركة مجتمع السلم حمس ووصف التحالف الرئاسي ب «التعالف الرئاسي» يقصد أن هدف التحالف هو الحصول على مناصب ليس إلا.
تحالفه مع مرشحين يمثلان التيار الاستئصالي «علي بن فليس، سعيد سعدي».
أما بن فليس فقد وقع في فخ التيار الاستئصالي المنبوذ كما وقع تحت ضغط الصحافة العلمانية القوية في الجزائر التي فرضت عليه الكثير من الخيارات ويظهر للقارئ أن المرشحين الآخرين خدموا بوتفليقة ومنحوا له الفوز الساحق من حيث لا يشعرون لأنهم ببساطة أرادوا أن يفرضوا على الشعب خيارهم ودعوا في حالة عدم نجاحهم إلى أن يجعلوا من الجزائر، جورجيا ثانية.. وهددوا بالخروج إلى الشارع، وهو الأمر الذي يعرف الناخب نتائجه السلبية جيدًا.
فهل يتحمل التحالف الرئاسي مسؤوليته في خمس سنوات القادمة من أجل تحقيق الأهداف الأحد عشر للتحالف؟ وكيف ستتشكل الخريطة السياسية والإعلامية في الجزائر؟ وهل يبقي الرئيس على البرلمان أم يحله على اعتبار أنه يمثل أغلبية الصالح غريمه بن فليس؟
وهل ستعرف الجزائر تعديلًا للدستور يعمق التعددية والديمقراطية والحريات؟ وكيف سيتعامل التيار اللائكي مع الرئيس الجديد الذي يريد للجزائريين أن يتصالحوا؟