; لماذا كل هذا الحقد والكراهية؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا كل هذا الحقد والكراهية؟

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2008

مشاهدات 108

نشر في العدد 1806

نشر في الصفحة 50

السبت 14-يونيو-2008


تزلزلت أركان الأرض ورجفت فرقا.. وفزعت الطير والوحوش خوفاً، وجار الكون كله لله رب العالمين: خشية أن يحل بأهل الأرض اللعنة أو ينزل بهم العذاب بما كسبت أيدي بعض الناس. فلاذ الجميع بحول الله خائفين وجلين.. أن رحماك يا الله يا رب العالمين.. يا حليم.. يا قوي يا متين يا منتقم يا جبار.. ما أعظم حلمك على الجاهلين.. وما أحمق من يجعل من نفسه ندا لله رب العالمين ورسوله الأمين، فيبارز بالعصيان ويعلن التمرد! وما أجهل من يتقول على رسل الله بالزور والبهتان بلا حجة ولا دليل أو برهان.. بل إن الأوراق هي الأخرى لتئن والأقلام تتبرأ والمداد يشتكي أن سخر في غير رضاه..!

فقد أبت القلوب الحاقدة إلا أن تكشف عن حقدها، وتظهر صورتها القبيحة على مرآة ألسنتها التي أبت هي الأخرى إلا أن تتسلط على سيدها وصاحب الفضل عليها وعلى الدنيا ومن فيها.. لقد أصرت النفوس المريضة على أن تنشر مرضها وتوزع دائها وتبث سمومها غير آبهة ولا عابئة بأنها إنما تضر بالدرجة الأولى نفسها، وإن كانت تؤذي عن عمد وسبق إصرار أكثر من مليار من مسلمي الأرض في طولها وعرضها، شرقها وغربها، فلم يسلم  منهم واحد، فضلاً عن أذية أهل السـماء  من الملائكة الكرام البررة!

وكلا الأمرين جريمة كبرى من جرائم الخيانة للإنسانية جمعاء... كل ذلك ينشر ويبث عبر ريح الحرية المدمر الذي ينسبونه زوراً وبهتاناً لحرية الرأي المزعومة التي يحترم المرء فيها رايه فقط، ولو سنه في سبيل ذلك آراء المليار من إخوانه في الإنسانية وهذا لا ينتمي بحال إلى الحرية الحقة التي يفهمها ويمارسها الأحرار.

تجدد الفتنة

ووالله لقد تألمت النفوس المؤمنة حسرة، وزفرت ألمًا وامتلأت أسى على ما حيك من مؤامرة على رسول الله ﷺ تمثلت في إلصاق ما لا يليق به كنبي مرسل معصوم موقر مبجل.. يؤمن بنبوته مليار وثلث المليار من سكان العالم، ويشهد بعصمته قرآنهم المنزل من ربهم، ويتوجب على متبعيه منهم أن يحبوه حبا فوق حب النفس والأهل والمال والولد، وإلا ما كانوا به مؤمنين.. ورغم كل ذلك كان ما كان من شأن تلك المؤامرة التي نسجت خيوطها في الظلام لتطل علينا في صبيحة أحد الأيام في إحدى الجرائد التي تبعتها أخوات لها! وذلك عن طريق بعض الرسوم الكاريكاتيرية التي تناولت شخص النبي الكريم بإسفاف وسخرية واستهزاء.

وليت الأمر انتهى عند ذلك الحد، بل إنه كلما خفت حدة الهجوم تجددت الفتنة مرة أخرى وأطلت رءوس المعتدين من جديد لتجعل من ذلك العمل الهمجي نوعاً من الإثارة والاستفزاز لكل المسلمين على السواء، بل وإضافته كجزء من تاريخ لتلك البلدة المروجة لهذه الـسموم الفكرية التي يريدونها تراثاً يدخر للأبناء من بعدهم فيا له من خزي وأي خزي ويا له من عار، وما أقبح ما تقدم للأجيال من تاريخ مقيت ليس فيه حب أو إنصاف بل غش وتدليس ونفاق، فهل هذا ما نبغي منهم أن يتقنوه ويتعلموه؟!

العزاء الوحيد

ومع الانسياب دموع المخلصين من مآقيها بكاء شاركها القلب النحيب البكاء.. ولكنه بكى مع الدمع دماً وعاوده مع النحيب الشوق.. وتجدد مع الشوق الحنين الخير البرية وسيد المرسلين، وأكرم الخلق على الله وسيد ولد آدم على الإطلاق... روحي الفداء له ونفسي في سبيل الله قربان واعتذر إلى الله تعالى. فلقد وددت لو اتخذت من عظامي أقلامًا سننتها، وجعلت من دعي لها الحبر والمداد وفيه غمستها فأذود عن رسول الله ﷺ ببعض خطوطها، لأعتذر إليه مما فعل بعض السفهاء من الناس الذين ما قدروا الله حق قدره حين سخروا من رسوله المصطفى الأمين وما عرضوا منزلته حين فضله على العالمين. لكن العزاء الوحيد لي ولكل المسلمين أنه سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظه وكفايته في حياته وبعد مماته، فقال له في كتابه الخالد: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67]وقال ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: 95]وتوعد كل من يؤذيه فقال  ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [الأحزاب: 57] وقال له ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: 3]

وقفات وتساؤلات

ومع هذه الأحداث المؤذية لنا وقفات وتساؤلات... خاصة بعد أن تطورت وسائل الإيذاء ونالتها يد التكنولوجيا والتقنية كغيرها من وسائل الحياة الأخرى.. فلئن كان إيذاء رسول الله ﷺ قديماً متمثلاً في سبه علانية وأمام عينيه، وضرب اتباعه وتعذيبهم أمام ناظريه مع ما كان من المقاطعة الكاملة له ولأتباعه وعشيرته، حدود بلدته، إلا أنه الآن صار إيذاء مقنناً ومجمعاً عليه من قبل أعدائه، ومعلناً بشكل لافت للنظر، متمثلاً في بثه عبر وسائل الإعلام المختلفة من صحف ومجلات وتلفاز وإنترنت، وقد بدت رائحة البغضاء تفوح في حروف الكلمات وصيغة المداد.

وما تخفي القلوب أكبر وأشد... والسؤال الذي يطرح نفسه على كل ذي لب حصيف لماذا كل هذا الإيذاء؟ وما أسباب هذه الحملة الشعواء على رسول الله ﷺ وبالتالي على دين الله تعالى وعلى المسلمين أجمعين؟

في ظني أن من أسباب ذلك إن لم یکن كله:

- الجهل بدين الإسلام: والإعراض عن دراسته وفهمه من قبل أعدائه ولو من باب معرفة الشيء، ويدخل في هذا الباب الجهل بمعرفة رسول الله ﷺ حياة وسيرة ومنهجاً وأخلاقاً وجهاداً ودعوة.

- انشغال بعض المسلمين بأمور حياتهم: عن الفهم الصحيح لدينهم، الذي يؤدي بدوره إلى التقصير في تمثيل الإسلام وسيرة الرسول ﷺ في أنفسهم وواقعهم تمثيلاً صحيحاً.

- تقلص وغياب دور العلماء: المتكامل المطلوب منهم وتقصيرهم في القيام به سواء في توجيه المسلمين لحسن الالتزام بدينهم، أو تعريف غير المسلمين بالإسلام تعريفاً صحيحاً كافياً.

-العنصرية وبغض الإسلام: وأهله من بعض الغربيين لعدم الدراية التامة بأخلاقه وأوامره وتشويه صورة الإسلام والمسلمين لصد الناس عن الدخول فيه بعد أن أصبح أكثر الأديان دخولاً وانتشاراً كما دلت الإحصائيات الأخيرة.

- الهزيمة النفسية التي مني بها البعض منا، وجهل الكثير منا نحن المسلمين بديننا الحنيف وأخلاقه العظيمة، أو فهمه بطريقة خاطئة، قد تؤدي إلى الغلو فيه أو التفريط، وكلا الأمرين مذموم مرفوض شرعاً، ويترك أثره سلباً على الناس خاصة غير المسلمين منهم.

- بعض وسائل الإعلام الغربية: وما من عداء للإسلام ووصف أهله بالإرهابيين وتعميم ذلك على الجميع دون تفرقة، وفي المقابل فقحط وجفاف وسائلنا وإعلامنا أمام ذلك البحر الهائج والموج الجارف.

·        كلما خفت حدة الهجوم على الرسوم المسيئة للرسول ﷺ .. أطلت رؤوس المعتدين لتجعل من هذا العمل الهمجي نوعاً من الاستفزاز لكل المسلمين

- ضعف قنوات الحوار: وقلتها بين المسلمين والغربيين سواء في المناظرات والمؤتمرات أو من خلال وسائل الإعلام المختلفة الخاصة بالمسلمين، وقلة الترجمات باللغات على اختلافها التي تعرف بالإسلام ورسوله r  

- شغل المسلمين بشتى الطرق وصرفهم عن قضايا أمتهم الساخنة والأحداث الجسام التي تمر بساحتهم ليل نهار دون توقف.

- طلب الشهرة للجرائد والبرامج والأشخاص أبطال هذه الأفاعيل الكاذبة ولو كان على أنقاض الغير أو ازدراء معتقداتهم والسخرية من رسلهم، من باب خالف تعرف.

- معرفة ردود أفعال هذه الأعمال عند المسلمين: التي ربما صاحبها بعض العنف المرفوض، والذي يبرر وقتها كل ما يقال عن المسلمين كإرهابيين، ويعطي لبعض هذه الدول الأوروبية أحقية من قوانين جديدة ضد المسلمين بحجة محاربة الإرهاب الذي صنعوه هم بأيديهم، ووضعوه طعماً لاصطياد بعض المسلمين به

- عدم اجتماع المسلمين شعوباً أو حكومات، علماء وهيئات على عمل واحد موحد بهدف مواجهة هذه الأحداث، بل ربما يحدث ذلك انقساماً في صفوفهم تبعاً لاختلاف وجهات النظر فيما بينهم، ولو اتخذوا قراراً واحداً معاً، وأجمعوا على تطبيقه عند المرور بأحداث أمتهم الكبيرة لكان لقولهم عند الآخرين صدى والصار لعملهم قوة، ولوجودهم حساب.

- الحط من قدر المسلمين والعرب: والتقليل من شأنهم، وإظهار زعامة الغرب عليهم، ووضعهم في موضع الضعف والدونية عنه.

شرف المشاركة

هذه في ظني بعض الأسباب وعلى كل حال فإن السلاح الذي استخدم لتحقيق هذه المآرب أو بعضها كان شخص رسول الله ﷺ وهو الذي أمرنا بالإيمان بجميع الأنبياء وتوفيرهم، وعلمنا أن من يكفر بنبي واحد منهم فقد كفر بجميع الرسل، ومن لم يوقر أحدهم فقد أساء لجميعهم، إذ الرسالة واحدة والأنبياء كلهم إخوة.

ولست بصدد الحديث عنه r لأعرف شيئاً جديداً عن حياته، ولن أدافع عنه بسيل من الكلمات لأنها مهما بلغت قوتها وبيانها وفصاحتها لن تسمو لمنزلته العظيمة عند الله الذي أرسله للناس أجمعين وكتب لرسالته البقاء والخلود إلى يوم الدين.. إنما أردت فقط أن أنال شرف المشاركة في ذكره والتنويه بفضله، وأقدم اعتذاري وبراءتي إلى الله.. وأن أقدم لكم قبساً من نور نبوته r، الذي سطع وسط ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض كانت تجثم على أنفاس أهل الأرض حتى أوشكت أن تقطعها.. سطع نوره وسط تشقق الأرض وعطشها بعد أن جاءها الموت من كل مكان وكادت أن تموت.. سطح نوره غيثًا مع سحائب البشرى، وهي قادمة تحمل معها الحياة من جديد لموات القلوب، وحين كانت أفراح مكة بنجاة البيت المعظم من أبرهة وجيشه كانت أفراح الروح محلقة في السماء منتشية بذلك النور حينما ولد. فكان أن أخرج الله به الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد.

 

الرابط المختصر :