; لماذا لا يتجاوب النظام مع الثورة؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا لا يتجاوب النظام مع الثورة؟!

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1939

نشر في الصفحة 22

الأربعاء 02-فبراير-2011

هناك إصرار على المضي في الثورة يقابله إصرار النظام على البقاء خاصة بعد تأكيد «نتنياهو» أنه لن يسمح بسقوط نظام «مبارك» وحضه على «أوباما» في السير في هذا الاتجاه.
كان النظام واثقًا أن إجراءاته القاتلة ضد الشعب المصري من قهر مادي ومعنوي واجتماعي وبطالة تسببت في ضياع شبابه وعجز شيوخه فأعد العدة لتوريث «جمال مبارك»

ما يحدث في مصر هو ثورة كاملة قادها الشباب بصدورهم العارية العامرة بالرغبة في التغيير الشامل، وإقامة نظام ديمقراطي وطني تحترم فيه آدمية الإنسان، ويخلو من استعباد المواطن من جانب السلطة، لقد شعر الشباب أن الانتماء لمصر يقتضي المطالبة بإصلاحات جوهرية، فلما واجهتهم وزارة الداخلية بسلوكها البربري الذي درجت عليه، والذي اشتمل على استخدام خراطيم المياه، والغاز المسيل للدموع، ودهس المواطنين واقتناصهم وضربهم بالرصاص الحي، وترويع المواطنين.. سقطت سقوطًا أخلاقيًا مروعًا، وبات من الضروري النظر في إعادة تأهيل الشرطة.

الملاحظة الفارقة منذ بداية الثورة هي أن النظام قد فوجئ وانكشف تمامًا أمام العالم، خاصة فيما زعمه النظام أنه يمثل الشعب، وأن الانتخابات الأخيرة كانت حرة نزيهة، وأن فشل المعارضة في الحصول على أي مقاعد سببه أنهم لم يلتصقوا بحياة الناس، وكان النظام واثقًا أن إجراءاته القاتلة ضد الشعب المصري؛ من قهر مادي ومعنوي واجتماعي وبطالة صرفت الشباب إلى المخدرات أو الانتحار والانحرافات المختلفة، كان النظام بمؤسساته واستخدامه الفج للدستور قد أعد العدة لتوريث «جمال مبارك»، أو استمرار والده بنفس القبضة، كان النظام أيضًل قد رفض كل نداءات الإصلاح أو الرحيل أو تداول السلطة، وقد اطمأن إلى وفاة هذا الشعب بضياع شبابه، وعجز شيوخه؛ فانعدام الأمل في أي مستقبل. 

عندما عجز النظام بوسائله القمعية بعد ثلاثة أيام من المظاهرات، والسقوط العملي والأخلاقي لجهاز الشرطة والأمن، وتحول بعض عناصره إلى النهب والسلب والتدمير.. قرر النظام دخول الجيش متعهدًا باحترام حق الشعب في التظاهر السلمي دون المساس بالمتظاهرين، ولكن النظام وخطابه السياسي والإعلامي في الوقت نفسه يقدم التنازلات المتسارعة مع استقالات وحالات هروب لبعض أقطابه، لوحظ على إدارة النظام للأزمة ما يلي:

أولًا: التظاهر بأنه مستعد لنظر كل الطلبات التي قدمها المحتجون، ولم يعلق على شعار رحيل «مبارك»، خاصة وأن استمرار التظاهر قد ارتبط بدعم دولي عالمي هائل، وآثار إيجابية في البيئة العربية، واعتزاز من الشعب المصري بطليعته الشابة التي كسرت حاجز الخوف. 

ثانيًا: صمم الإعلام الرسمي على أن ما يحدث مؤامرة ضد مصر، كما أن كبار المسؤولين وصفوا المتظاهرين بأنهم شرفاء، ولكن اندس فيهم متأمرون، فصار التظاهر بعد هذا الاندساس ضد مصلحة الوطن. 

ثالثًا: عمد النظام - بصرف النظر عن توزيع المسؤوليات - إلى إحداث انفلات أمني کامل؛ حتى يخير الناس بين التظاهر من أجل التغيير وبين الأمن؛ فصارت المنازل عرضة للنهب، كما صار الأمن معدومًا في الشوارع مع إطلاق المجرمين، وتخفى بعض عناصر الأمن بلباس مدني، وقيامهم بهذه الأعمال، فالشعب في حساب النظام مخير بين الديمقراطية مع الفوضى أو الأمن مع العبودية. 
رابعًا: مارس الإعلام الرسمي دورًا خطيرًا في مساندة النظام، وهو الذي كان دائمًا بوقًا لتبرير جرائم النظام ضد الشعب، ولكنه كان يتأرجح وفق حرارة الشارع والتأييد الدولي.

 خامسًا: كان واضحًا منذ البداية أن النظام يتحايل وينحني للعاصفة الداخلية والدولية، التي ركزت في الأيام الأخيرة على رحيل «مبارك»، لدرجة أن «أوباما» نفسه قد بعث ل «مبارك» رسالة قاطعة بأن يرحل فورًا، وكرر تأييده لحق الشعب المصري في التعبير الحر عن رأيه، وضرورة الاستجابة لحقه، والكف عن التلاعب في تحقيق هذا الهدف.

سادسًا: بدأ الموقف المصري يتغير كلية منذ يوم الأربعاء الثاني من فبراير، الذي كان يومًا دمويًا، حيث كشف النظام عن أنيابه ضد المتظاهرين والأجانب والإعلام الدولي حيث جلب النظام «البلطجية والميليشيات» للصدام مع المحتجين في «ميدان التحرير»، وأعمال القنص ضد هذه العناصر، وإغلاق منافذ الميدان..  كان واضحًا أن النظام بدأ حركة مضادة، حيث سير مظاهرات تطالب بدعم «مبارك» تحت عنوان دعم الاستقرار والأمن، خاصة بعد أن نجح الرئيس مبارك في حديثه إلى الشعب عشية يوم الثلاثاء الأول من فبراير في بلبلة الشعب؛ إذ أعلن أنه مستعد لقبول كل طلبات المحتجين، ولكنه لا يستطيع التنحي؛ لأنه خدم مصر طويلًا، ولا يليق بمصير المستبدين الآخرين، وأنه يرغب في الاستمرار حتى نهاية ولايته، مع إسقاط النية في الترشيح أو ترشيح نجله «جمال» مع تصميمه على مكافحة الفساد وإصلاح الأحوال.. هذا المدخل سمح للإعلام ورجال السياسة التأكيد أنه مادامت الطلبات قد تحققت؛ فلماذا يستمر الاعتصام؟ وأنه إذا لم يوف الرئيس بوعوده فيمكن للشباب أن يعود إلى الاعتصام، سمح هذا المدخل لنائب الرئيس ورئيس الوزراء أن يؤكدا استحالة تنحي الرئيس، مما خلق صراعًا حادًا بين مطلب المحتجين وموقف الحكم، في الوقت نفسه عمد النظام إلى إشاعة أن واشنطن هي التي تريد إسقاط النظام لصالح «البرادعي»، فانصبت نقمة المؤيدين لــ «مبارك» على «البرادعي» وأمريكا والأجانب عمومًا.

سابعًا: عمد إعلام الحكومة إلى التركيز على فكرة المؤامرة ضد مصر وأمنها تسببت في واستقرارها وأن المزيد من الاعتصام يعرض البلاد للفوضى والخسائر المادية الهائلة، مع استمرار الترويع الأمني للمعتصمين ولمن ينضم إليهم، ومنعت سيارات الإسعاف أحيانًا من إنقاذ جرحاهم، مع استمرار أعمال القنص، وسط شائعات بأن «إسرائيل» زودت مصر بطائرات للذخيرة والمعدات اللازمة لقمع الثورة.

ثامنًا: بعد مرور عشرة أيام على الثورة، ظهر الصراع بين النظام من ناحية والثورة من ناحية أخرى. 

فالثورة تركز على إسقاط النظام، ودخل على الخط عناصر الحركة الوطنية بأطياف مختلفة وشخصيات عامة، بعضها يريد انتهاز الموقف دون أن يدعي أنه يمثل الشباب، ولكنه يريد الظهور في هذا المناخ، بل أعلن «البرادعي» و «عمرو موسى» صراحة أنهما يريدان خلافة «مبارك»، وذلك بعد مشاورات أمريكية في إطار ما أعلنه نائب الرئيس عن استعداده للحوار، ورغبة واشنطن في تجاوز الأزمة بنقل السلطة سلميًا إلى نائب الرئيس، بينما أصرت بعض القوى الوطنية على أن الحوار غير ممكن إلا بعد رحيل الرئيس. 

 على الجانب الآخر، أبدى النظام قدرًا من المرونة وقدم تنازلات، وربط ذلك كله بالحوار، ولكن النظام كان واضحًا تمامًا وبشكل أكثر جرأة بعد مضي أسبوع من الاعتصام، وهو أنه لن يرحل والرئيس في منصبه، وأن النظام مصرّ على استيعاب الموقف بالوقيعة بين أبناء الشعب، و«البلطجية» التي اتسم النظام بها دائمًا، وإعلام يساند هذا الخط، وتفريق أذهان المصريين واللعب على عواطفهم الساذجة، تمكن النظام أيضًا من حشد الآلاف من الفقراء وأجزل لهم العطاء من أموال الشعب المنهوبة؛ ليشاركوا في أعمال العنف ضد معارضي «مبارك» والأجانب، ولكن تحركهم أحوالهم التي سببها النظام، ولم يدرك هؤلاء المساكين أن المعتصمين يدافعون في الأساس عن قضيتهم، ولكن إفقارهم وتجهيلهم ثم استنزافهم واستخدامهم في التزوير والذود عن «مبارك».. كان السمة الظاهرة في هذه الثورة.

تاسعًا: هناك إصرار على المضي في الثورة، يقابله موقف الحركة الوطنية بين الثورة والنظام تبحث عن دور، ونظام مصر على البقاء خاصة بعد تأكيد «نتنياهو» أنه لن يسمح بسقوط نظام «مبارك»، وحضه على «أوباما» في السير في هذا الاتجاه، ويبدو أن «أوباما» طمأنه إلى أن يضمن نقل السلطة إلى حكومة ترضى عنها «إسرائيل». 
هكذا دخل الكيان الصهيوني وواشنطن بصراحة على خط الأحداث؛ خشية أن تتحول ثورة مصر إلى كل العالم العربي، وهو أكبر التحديات للمشروع الصهيوني، أو أن يزول نظام أخلص في التعاون مع «إسرائيل»، فأكدت «إسرائيل» وواشنطن أنهما لا يهمهما شكل النظام الجديد، المهم ألا يكون في قبضة «الإخوان المسلمين»، وأن يلتزم باحترام معاهدة السلام.

لقد بدأ النظام منذ دخول الكيان الصهيوني على الخط في التشدد، ويسعى جاهدًا بـ«البلطجية» والإعلام والقتل والمراوغة وادعاء المرونة وترويع المناهضين لـ«مبارك» ونظامه لإجهاض الثورة، فقد تحوّل إلى الانتقام؛ لأن الشعب فضح ممارساته، وأذل رموزه، وأظهر مصر على أنها تحكم من عصابة لا تحترم أخلاقًا أو قانونًا، يقابل ذلك إصرار شعبي على التحرر منها مهما كان الثمن، والوسطاء يمتنعون. 

عاشرًا: كشفت الثورة المصرية أن الثورة يمكن أن تنفجر بالفقراء، كما يمكن أن يحاربها الفقراء إذا تمكن الأغنياء والمستبدون وسارقو أموال الشعب من توظيفهم تارة في التصويت لهم، وتارة أخرى في إطفاء لهيب الثورة، فصمد النظام حفاظًا على المنتفعين، وعلاقة الصهاينة حتى لو راح نتيجة ذلك الشعب المصري كله.

 

الرابط المختصر :