; لماذا لا يستطيع الإسلاميون العيش في بلادهم؟! | مجلة المجتمع

العنوان لماذا لا يستطيع الإسلاميون العيش في بلادهم؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 19-يناير-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1785

نشر في الصفحة 35

السبت 19-يناير-2008

سؤال يحمل التاريخ إجابته على مر الأيام لماذا م يستطع المصلحون الاستقرار في بلادهم، أو لعيش في أوطانهم، أو الهناء في ديارهم؟ رغم أنهم في شوق إليها، وعشق لها، وحدب عليها ولله در الموقي حين قال:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

شهد الله لم يغب عن جفوني

شخصه ساعة ولم يخل حسي

أحرام على بلابله الدوح

حلال للطير من كل جنس؟

يا فؤادي لكل أمر قرار

فيه يبدو وينجلي بعد لبس

أيكون هذا لضيق في أفق البعض، أو لضلال في عقول الآخرين، أو لتسلط وفساد في سير الفراعنة الجاهلين؟ ولهذا نرى بلالًا بعد أن أخرج من مكة مهاجرا إلى المدينة، يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

بواد وحولي إزخر وجليل؟

وهل أردن يوما مياه مجنة

وهل يبدون لي شامة وطفيل؟

وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف مكة من الصحابي أصيل الغفاري الغرورقت عيناه بالدموع، وقال: «يا أصيل دع القلوب تقر» وما خرج أصيل وإخوانه من مكة لذنب أو جريرة ﴿ٱلَّذِينَ أُخرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّه﴾(الحج: ٤٠)، وما أخرج آل لوط من قراهم إلا أنهم أبوا الفساد والظلم واقتراف المنكر: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَومِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُم إِنَّهُم أُنَاس يَتَطَهَّرُونَ﴾(النمل 56)، وهو الحديث نفسه الذي سمعه الرسولﷺ من ورقة بن نوفل، إذ قال له: ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال لهﷺ: «أو مخرجي هم؟»، قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يأتني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.. والمفترض أن تفرح الشعوب ببنيها النابهين، وبرجالها الناهضين، فإذا لم تكن على فكرهم أو على منهجهم، فالديار تسع لجميع الأوطان تحتضن هذا وذاك، وصدق القائل:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

ولكن أخلاق الرجال تضيق

وفي القرن العشرين تبحث البلاد التي تسكن فيها أجناس عدة، ومذاهب شتى عن وسائل للعيش في رحاب وطن واحد، وأساليب للتفاعل في ديار واحدة، وحسب الإنسان نظام يضمن الحقوق والكرامة والعيش الهنيء للجميع، ومن بحث عن شيء وجده، ومن أراد شيئا عثر عليه، خاصة إذا كان زمن الإخراج قد ولى، وأوقات الإرهاب والعسف قد ذهبت في الشعوب المتقدمة إلى غير رجعة فعندما زار رئيس أساقفة كانتربري السابق «جورج كاري» لبنان في الصيف الماضي، قال في ندوة نظمتها اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار، عقدت في دار الفتوى في بيروت: «إن الغرض من زيارته هو الوقوف عن كثب على التجربة اللبنانية في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين».

هذا، ويقدر عدد المسلمين في بريطانيا بحوالي مليونين ونصف المليون ينحدرون من أصول مختلفة هندية، وباكستانية وعربية وإيرانية وإفريقية، وتواجه دول أوروبية أخرى وضعًا مماثلًا ففي فرنسا مثلًا يقدر عدد المسلمين بخمسة ملايين، وعن قريب يبلغ عشرة ملايين، أما في ألمانيا فإن معظم المسلمين ينحدرون من أصول تركية، واستنادا إلى ما ذكرته مجلة نيوزويك الأمريكية في عدد ٢٥ مايو ١٩٩٥م، فإن عدد المسلمين يزيد على عدد اليهود والمسيحيين البروتستانت معا في الدول الكاثوليكية فرنسا وإيطاليا، وبلجيكا، كما توجد جماعات إسلامية متنوعة الأصول والأعراق في الدول الإسكندنافية السويد، والترويج، والدانمرك الأمر الذي لفت الغرب بصورة عامة لعقد المؤتمرات والندوات، وإعداد الدراسات المختلفة حول الإسلام وأهله، وحول آفاق ومستقبل العلاقات بين الإسلام والغرب.

وفي هذا الإطار نظمت مؤسسة «ويلتون بارك» التابعة لوزارة الخارجية البريطانية بالتعاون مع مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية مؤتمرا في لندن بعنوان: «الإسلام والغرب» شارك فيه اختصاصيون من الدول الغربية والإسلامية.

واستهل المؤتمر وزير الدولة البريطاني السابق للشؤون الخارجية «بيتر هين» بمحاضرة عنوانها «الإسلام والغرب المصير المشترك في المصالح والقيم» لاحظ فيها الوزير البريطاني أن مدينة لندن مثلا أصبحت عالمية، لأنها تضم أكثر من ٢٥ جنسية، وأن الإذاعة البريطانية تقدم برامجها الداخلية بخمس عشرة لغة، وأن بريطانيا أصبحت دولة متعددة الثقافات والأجناس والأديان، ثم أعرب الوزير البريطاني عن اعتقاده بأن ذلك «يوفر لنا فرصًا لنتعلم من بعضنا البعض» متمنيًا أن تسود قيم الإسلام مثل مركزية الأسرة، وأهمية الثقافة الأخلاقية من أجل إقامة مجتمع صحي ومزدهر. 

وقال الوزير: «إن البعض يفترض أن يكون هناك نزاع وصراع للحضارات، ولكن علينا أن نشير إلى أن العلاقة القائمة بين الدول الإسلامية وبيننا، يجعلنا نوضح أنه إذا وجدت مشكلة في بلد إسلامي أو منطقة إسلامية، فإن ذلك لا يعني بشكل من الأشكال أنها بالضرورة مشكلة إسلامية».

أما عن المصالح المشتركة، فقد أبرزت الدراسات التي قدمت إلى المؤتمر أن قيمة استثمارات المسلمين العقارية في منطقة لندن بلغت في عام ۱۹۹۸ م ما يعادل ٢٠ من السوق، وأن في لندن ٣٦ مصرفًا عربيًا، إضافة إلى مائة مؤسسة مالية إسلامية، كما أن معظم الدول الإسلامية تودع مخزونها الذهبي في البنك البريطاني، وأن حجم اقتصاد الدول الـ ٥٧ التي تتألف منها منظمة المؤتمر الإسلامي يزيد على ٢٠٠ ألف مليار دولار ويقدر حجم الودائع المالية التي تتحرك على أساس الشريعة الإسلامية بحوالي ٩٠ مليار دولار وتنمو بنسبة ١٥٪ سنويا، وذلك يجعل السوق البريطاني يعمل على استقطاب هذه الودائع المالية.

وبعد.. هذا في الغرب الذي يحاول أن يستوعب المسلمين والإسلاميين.. في حين تطاردهم بلادهم وهي على دينهم وجنسهم، ولا تستطيع الاستفادة منهم، ولهذا انعدم الأمن والأمان، وتمزق الجسد المسلم، وطارت الأموال ووصلت إلى بلاد الغرب، وما هذا إلا لأنها طوردت في بلادها، وأممت في ديارها، ونهبت في أوطانها فحط الفقر، وعشش الغراب، وولت الكفاءات أو سحقت، وما هذا إلا لأنهم يعملون لديارهم، ونحن نعمل لذواتنا وشهواتنا، وقد يكون الأمور أخرى والله أعلم.. نسأل الله السلامة.. آمين.. آمين.

الرابط المختصر :