; الافتتاحية- لماذا نطقت الحجارة؟! | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية- لماذا نطقت الحجارة؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1988

مشاهدات 83

نشر في العدد 857

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 08-مارس-1988

هذه فلسطين تخرج مرة أخرى من عمق التاريخ، فتية أبية، لتتربع على قمة الأحداث، تتوهج مدنها مشاعل تضيء دروب الليل الطويل، تبذر قراها حبوب الحياة في جسد الأمة الإسلامية الخامد، تفجر مخيماتها أنهار العزة والكرامة في صحراء أدمنت التبعية والانكسار، تهوي حجارة أبنائها على رؤوس السكارى لتوقظ فيهم النخوة والنصرة التي نامت منذ عشرات السنين.

هذا قدر أرض الإسراء، ومثوى الأنبياء، ومدفن الشهداء.

 تذوي قوة المسلمين، ويتفرق جمعهم، وتتداعى عليهم الأمم، فتكون فلسطين الضحية الأولى. وتكون فلسطين الفداء. ويعود نبض الجهاد يسري من فلسطين فيكون على أرضها الخلاص.

أسئلة كثيرة يرسمها دخان الحرائق في أفق غزة ونابلس ورام الله. أسئلة صعبة تلك التي ترسمها قبضات المؤمنين في ساحات الحرم القدسي الشريف. أسئلة استعصت على فهم هذا العالم المتبلد.

ما الذي يجعل الفتية الصغار يتركون ملاعبهم ويتدافعون نحو الميدان؟! ما الذي يجعل النسوة يشتبكن بالأيدي وبالأسنان مع جنود ملكوا أحدث ما أنتجته آلة الدمار المعاصرة؟!

ما الذي يجعل الرجال يحملون جثث أبنائهم على كتف وأوسمة الفخار والعزة والشرف على الكتف الآخر؟

ما الذي جعل الشمس تستعير أشعتها ونورها من أزهار الزيتون لتوزع الضوء على الليل العربي البهيم؟

ما الذي جعلهم خلافًا لما تفهم وخلافًا لكل النظريات العربية يكتشفون أن الحجر أقوى من الطائرات، وأن الأيدي المبتلة من آثار الوضوء أكثر صلابة من البنادق؟ ما هي الأسباب والدوافع التي فجرت هذه العبقرية الآسرة في مخيمات غزة المنسية في جنوب فلسطين وفي القدس وأريحا ونابلس والخليل في الجزء الشرقي من فلسطين ثم في جميع أرجاء فلسطين؟ ها نحن نجمل هذه الأسباب والدوافع فيما يلي:

أولًا- الاحتلال المتواصل أو الإحلال:

جاء اليهود إلى فلسطين كأسراب الجراد، أمعاء القارات كلها قذفتهم في وجوهنا طفحًا بغيضًا سرعان ما تحول إلى سرطان، يريدون الأرض كلها مرعى لقطعانهم السائبة وعلى المسلمين أن يديروا ظهورهم للبحر ويتجهون شرقًا إلى أعماق الصحراء، وعلينا أن نوقع على وثيقة موتنا النهائي. من أجل هذا استمرت عصابات اليهود في ممارسة أساليب البطش والقمع والوحشية فملأت السجون بأصحاب البلاد، وأبعدت المئات، وسفكت الدماء، ونسفت البيوت وصادرت الأراضي، وأقامت المستوطنات. وتعالت صيحات الترحيل الجماعي، وطفح الحمق اليهودي فوق سطور التلمود فأخرج كاهانا وأمثاله، واعتدى اليهود على الحرمات والمقدسات والمساجد وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك.

ثانيًا- فشل كل السياسات والبرامج السابقة وثبات عقمها:

في ظل موازين متعددة استطاعت الأنظمة العربية أن تخطف الراية من شعب فلسطين ومن الشعوب العربية والإسلامية فأجهضت ثورة 1936، ودخلت سنة 1948 حرب المهزلة فسلمت معظم فلسطين للعصابات اليهودية ووضعت البقية الباقية في معتقل باسم العروبة والأخوة. ظهر زعماء ونشأت أحزاب وقامت انقلابات باسم فلسطين وتحرير فلسطين إلى أن تم تسليم البقية الباقية من فلسطين وسيناء والجولان في مهزلة 1967! ووقعت الأرض الفلسطينية كلها في الأسر، وظل صدى الطبول الجوفاء يقرع الآذان، وطال الانتظار، ماذا يفعل الشعب الأعزل في انتظار الجيوش من الشرق والشمال والجنوب، ولا حياة لمن تنادي علق الفلسطينيون تحت الاحتلال آمالهم وإخوانهم الذين حملوا السلاح قريبًا من الحدود وظلوا يعيشون الحلم على أنغام عمليات عسكرية شجاعة إلى أن وصل لديهم أن القيادات الفلسطينية تاهت وأضاعت الطريق وحملت كل العقائد والأفكار إلا عقيدة الجهاد ورفعت كل الشعارات إلا شعار الله أكبر وضيقت على نفسها حتى اختنقت في أخاديد الإقليمية الضيقة، وركضت تلهث إلى اليمين وإلى اليسار ترسم خريطة الوطن في القاعات.

وجاءت قمة عمان وأسقط العرب الخيار العسكري وقرروا تكثيف مساعي التسول الدولي، والمنسيون لهم على مرمى حجر، حتى أن منظمة التحرير التي عملت الأعاجيب حتى تثبت براءتها من الأمل ومن العنف لم تسلم من محاولات الشطب والإبعاد. وعادت الدول العربية إلى الحكومة المصرية لتكفر عن ذنوبها مقاطعة حكومة مصر وكامب ديفيد!

وجاءت قمة "واشنطن" لتنظر في حقوق الإنسان اليهودي وتهيل التراب على ما توهمته جثة الإنسان الفلسطيني.

ها هو العالم الظالم يقيء كل الخناجر التي اختزنها في معدته المتخمة. فهل يحني مسلمو الأقصى والخليل وغزة رقابهم في مسلخ الحضارة عفوًا في مسلخ القذارة.

ما وجدوا إلا الحجر وقد جُبل من دماء الصحابة واستمد صلابته من كف صلاح الدين.

ثالثًا- وتألق نجم الجيل الثالث مسلحًا بالإيمان:

شباب يحمل أرقى الدرجات الجامعية وقد أغلق العرب في وجوههم أبواب الرزق، فعملوا في المطاعم والمصانع وأعمال البناء. عشرات الآلاف من حملة الثانوية العامة صُدت في وجوههم أبواب الجامعات العربية بحجة دعم صمودهم، وهذا قليل من أفضال العرب وهل ينكر فضلهم؟! فعملوا في بلديات مدن العدو يكنسون الشوارع.

عرفوا اليهودي على حقيقته، تيقنوا من جبنه وتفاهته، قاسوا كثيرًا من غطرسته وعنصريته، سمعوا كثيرًا عن التوراة والتلمود وأرض الميعاد، فعادوا إلى مسجد القرية يتحصنون بآيات القرآن ويرون حلقات الدرس فينضمون لها شوقًا وحبًا، عرفوا معنى الشهادة وعزة الإسلام وأدركوا كم هي تافهة الأفكار والأيديولوجيات التي تربوا عليها عشرين سنة. راهن اليهود على موت الجيل الأول ونسيان الجيل الثاني، وما علموا أن الجيل الثالث يحمل حقد الأول وأمل الثاني وفوقهما جرأة وعلم وثقافة وفوق الجميع راية "لا إله إلا الله" وفتح لهم اليهود معسكرات تدريب وتثقيف من حيث لم يحتسبوا- أعني السجون فكان الشاب يدخل السجن أربعة شهور بتهمة بسيطة يخرج منه يحفظ أجزاء من القرآن، ويحفظ درسًا واحدًا أن لا حياة إلا في فلسطين حرة إسلامية من النهر إلى البحر.

رابعًا- الرجوع إلى الإسلام وتنامي قوة الحركة الإسلامية:

شباب الجيل الثالث تميز عن الجيلين السابقين بنظافته من أدران الأنظمة العربية، لقد نما بعيدًا عن سطوة العرب وزيفهم ودجلهم إنه العربي الوحيد الذي يملك حرية مواجهة اليهود، احتفظ له الجيلان السابقان براية الإسلام مخبأة في قلوبهم وحناياهم، فأقبل على الإسلام وعلى درب الجهاد وأصر على تحطيم الجرة كما فعل عمر ليصرخ من فوق المآذن كلها "الله أكبر" لا راية إلا راية الإسلام ولا سيف إلا ذو الفقار، وبدأت الحركة الإسلامية تتصاعد بقوة، بحكمة الشيوخ وحماسة الشباب، وبدأ نفوذها ينتشر في المدن والقرى والمخيمات حتى وصل إلى المثلث والجليل، وتأكد للحركة الإسلامية ثقة الناس بها في مواطن كثيرة، واستطاعت أن تقفز على كل العراقيل التي وضعت في طريقها لتحرفها عن درب الجهاد وعن تسلم حقها الشرعي في ميراث القيادة التي خطفت منها منذ خمسين سنة. وكانت حادثة الشاحنة. وكان الغضب يسري في كل قطاع غزة، وكانت حركة المقاومة الإسلامية القائدة والموجهة، يعرف هذا كل أهل فلسطين ونقله القادمون من هناك على مختلف مشاربهم وتحدثت عنه الصحف العالمية.

وبعد، المسلمون جميعًا مطالبون بالارتفاع إلى مستوى الحدث، الحركة الإسلامية مطالبة بتعزيز قوتها ومراجعة مسيرتها وتنظيم هياكلها بما يتناسب مع الدور العظيم الذي ينتظرها في فلسطين، وفي كل الأرض الإسلامية.

الرابط المختصر :