العنوان لماذا يرتضي المؤمن شريعة السماء؟!
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1987
مشاهدات 55
نشر في العدد 827
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 28-يوليو-1987
● جيل الإسلام يجب أن يعلن للدنيا: إنا رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا.
مما لا يتجادل فيه اثنان أن أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها ومبادئها.. ليست من وضع بشر يحكمه القصور والعجز، ويتأثر بمؤثرات الزمان والمكان، وتختلجه نزعات المزاج والهوى وتملكه عوامل الوراثة والبيئة.. وإنما شارعها صاحب الخلق والأمر في هذا الكون، ورب كل ما فيه، الذي أحسن كل شيء خلقه، وبيده مقاليد السماوات والأرض.
والمؤمن حين يرضى بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا.. يندفع بكليته إلى تطبيق المنهج الرباني وهو مسرور مرتاح دون أن يجد في ذلك حرجًا، ودون أن يستشعر في نفسه أية غضاضة، بل يكون التزامه لشريعة الله عن رغبة وصدق، وطواعية واختيار.. لماذا يندفع المؤمن لتطبيق منهج الله هذا الاندفاع؟
● لأنه يعلم علمًا أكيدًا أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المالك.. وإذا كان كذلك فله أن يتصرف في شؤون ملكه، وأمور خلقه كيف شاء وحيث أراد، وليس للإنسان المخلوق المملوك الضعيف القاصر.. إلا أن يستسلم استسلامًا كاملًا لكل ما اختاره الله له من أنظمة ومناهج وأحكام.. دون توق أو تردد... قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36).
●ولأنه يعلم علمًا أكيدًا أن الله سبحانه عليم بكل شيء.. وإذا كان كذلك فهو أعلم بما يشرع لعباده من أحكام، وأدرى بما يحقق لهم من مصالح، قال سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14).
● ولأنه يعلم علمًا أكيدًا أن الله سبحانه حكيم في كل ما يفعل.. وإذا كان كذلك فإنه يضع كل شيء في موضعه اللائق المناسب بالشكل الذي يؤدي إلى جلب المصالح ودرء المفاسد.. قال جل جلاله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 71).
وهذا الإنسان ما مهمته؟ وما طبيعته.؟
●أما ما مهمته؟ فهو المستخلف عن الله لعمارة هذه الأرض واستصلاحها... قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30).
وقال عز وجل: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61).
فإذا كان الإنسان هو المستخلف عن الله لعمارة هذه الأرض واستصلاحها.. فعليه أن يسير في هذه الحياة على وفق ما يريده المستخلف منه وهو الله عز وجل.. والذي يريده المستخلف جل جلاله: أن يكون عبدًا لله مستسلمًا لأحكامه، منقادًا لأوامره، متبعًا سبيل الإسلام، سالكًا طريق الدعوة إلى الله، لا يخاف في الله لومة لائم..
● قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
● وقال عز من قائل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
● وقال جل جلاله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).
● أما ما طبيعة هذا الإنسان؟ فإنه ضعيف في ذاته، عاجز عن أن يصل إلى مرتبة النضج الكامل مهما بلغ درجة الذكاء وارتقى في مدارج العلم.
-وقل للذي يدعي في العلم معرفة عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء
قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ﴾ (الروم: 54).
وقال سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28).
وقال جل جلاله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 76).
عدا عن أن الإنسان -كما ألمحنا- يتأثر بالوراثة، ويتأثر بالعقيدة التي يعتنقها، ويتأثر بالهوى الذي يندفع بسببه.
ولأضرب على ذلك الأمثال:
● هذا الإنسان الذي كلف من أجل أن يضع لأمة ما.. دستورها ومنهجها، فبعد أن جد واجتهد في وضع المنهاج والدستور وإذ يأتي من هو أكثر منه خبرة وأعظم اختصاصًا، وأحسن علمًا.
فينقض له كل ما وضعه من منهاج، وما سنه من نظام، وما قننه من قانون!! على مبدأ: وفوق كل ذي علم عليم.
● هذا الإنسان المتأثر بالفكر الماركسي الشيوعي حين يكون مختصًا بالقانون، ويكلف لأن يضع لأمة ما، دستورها ومنهاجها.. يضع هذا الدستور والمنهاج بما يتفق مع الفكر الماركسي الشيوعي.
● وهذا الإنسان المتأثر بالفكر الرأسمالي، حين يكون مختصًا بوضع الدساتير.. ويكلف لأن يضع لأمة ما.. دستورها.. يضع مفردات هذا الدستور بما يتفق مع الفكر الرأسمالي.
● وهذا الإنسان المتأثر بالنزعة الوجودية الإباحية.. يضع القوانين للأمة بما يتفق مع هذه النزعة الإباحية.
● وهذا الإنسان المتأثر بالنزعة التسلطية الفردية.. يضع القوانين للأمة بما يتفق مع هذه النزعة التسلطية الفردية.
هذا عدا عن التأثر بالسلطة الحاكمة.. فالهيئة المكلفة بوضع الدستور والقانون.. تتحاشى -على الأقل- أن تكون مفردات الدستور، ومواد القوانين مصادمة لرغبة السلطة، وسياسة الحاكم!!
إلى غير ذلك من هذه المؤثرات، والنزعات، والأهواء، والضغوط.
والواقع الدولي والصراع العالمي والتناقض المذهبي والتباين الفكري.. الذي آلت إليه المجتمعات الإنسانية في العصر الحديث هو أكبر شاهد على ما نقول، بل أعظم برهان على أن الإنسان في طبيعته، وحقيقة ذاته، يتأثر بالنزعة والهوى، ويذوب في البيئة والحزب، وينقاد للعقيدة والمبدأ.. وأن عقله مهما نضج قاصر، وأن علمه مهما اتسع محدود.. وإذا كان كذلك فإنه عاجز عن وضع تشريع يرتضيه البشر، ويرتاح إليه الناس!!
لهذا كله تجد المؤمن الواعي البصير المتفهم للحقيقة.. يندفع بكليته، وينطلق من ذاته إلى تطبيق المنهج الرباني على نفسه، وعلى من يكون تحت ولايته.. لاعتقاده الجازم أن كمال شخصيته وهناء إنسانيته، وإصلاح بني قومه.. لا يتم على الوجه الأكمل إلا أن يأخذ ممن اتصف بالكمال والجلال، وينقاد إلى من تنزه عن النقص والقصور، ويستسلم إلى من عرف بالعظمة والإبداع، ألا وهو الله سبحانه وحده؟! قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).
هذا عدا عن أن الشريعة تتسم بالعالمية لأنها شريعة البشرية جمعاء وتتسم بالشمول لأنها تنزلت لمناهج الحياة، وتتسم بالعطاء والتجدد لكونها تفي بحاجات البشرية في كل زمان ومكان وتتسم بالإضافة والخلود لكونها تحمل في طبيعتها بذور نمائها واستمرارها إلى يوم الدين.
وتتسم بالتوازن والوسطية لكونها لبت فطرة الإنسان وجمعت بين الدنيا والآخرة.. وتتسم بالعدل المطلق لكونها أعلنت للدنيا مبادئ حقوق الإنسان..
فشريعة ربانية هذه خصائصها وطبيعتها، وتلك مقوماتها ومزاياها.. هي شريعة جديرة أن تحكم الحياة، وقمينة أن يرتاح إليها الناس، بل هي شريعة تستحق البقاء، وتستأهل الخلود، وتضيء للدنيا أنوار الحق والحضارة والعرفان، وترفع في سماء البشرية منارات الهدى والعلم والمدنية، وتسطر في ضمير الزمن آيات المجد، والقوة، والعظمة، والخلود.. بل هي شريعة يقتضي أن يحملها الدعاة إلى الدنيا، يعرفون بها ويدعون إليها وينشرونها في مجاهل الأرض وربوع العالمين.. فإذا كان الله سبحانه هو الخالق، وهو العليم، وهو الحكيم.
وإذا كان الإنسان هو المستخلف عن الله في عمارة هذه الأرض واستصلاحها، وإذا كان البشر عاجزين في أن يشرعوا لأنفسهم.. بحكم تأثرهم بالمؤثرات، وإذا كانت الشريعة تتصف بمقومات العالمية، والشمول، والتجدد، والخلود.. فلا يجد جيل الإسلام بدا بعد كل هذا سوى أن يعلنوا للدنيا: إنا رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، فبرضاهم بالله ربًا راحة لنفوسهم وقلوبهم.. وبرضاهم بالإسلام دينًا انطلاقًا لعزتهم وسيادتهم.. وبرضاهم بالقرآن إمامًا مفتاحًا لمدنيتهم وحضارتهم وبرضاهم بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا نموذجًا حيًا لتأسيهم واقتدائهم، هذا هو وحده طريق المجد.. هذا هو وحده طريق الحياة هذا هو وحده طريق الخلود.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل