; لماذا يطلب الغرب من بعض حكومتنا ما يحرمه على نفسه؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يطلب الغرب من بعض حكومتنا ما يحرمه على نفسه؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 70

نشر في العدد 1503

نشر في الصفحة 9

السبت 01-يونيو-2002

يزعم الغرب أنه يتمسك بعدد من القيم والمبادئ المرتبطة بالوجود الإنساني وتنظيم حياته على وجه الأرض، ومن ذلك الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة والاحتكام لإرادة الشعوب، وتحقيق الشفافية ومحاسبة المسؤولين ومكافحة الفساد المالي والإداري. ولا شك أن تلك القيم والمبادئ إن جرى الالتزام بها فإنها تساعد على تحقيق علاقة أفضل بين الأفراد، وبينهم وبين السلطات الحاكمة. لكن الغريب أن الغرب ينسى تلك القيم والمبادئ تمامًا حين يتعلق الأمر بالمجتمعات الأخرى وعلى وجه الخصوص بالعالم العربي والإسلامي، وليته ينسي فحسب بل إنه يعارض تمامًا تطبيق تلك القيم والمبادئ ويسعى لتنصيب الحكومات التي تضرب بها عرض الحائط وتقديم العون والمساعدة لها للاستمرار في السلطة جراء استمرارها في ذلك النهج الشائن.

فمنذ أكثر من نصف قرن شجع الغرب ظاهرة الانقلابات العسكرية في العالم العربي والإسلامي ودفع إلى كراسي السلطة أنظمة سمت أنفسها بالثورية، وتحت ستار الثورة استباحت كل القيم والمبادئ وغابت سلطة القانون وحلت محلها سلطة الحاكم الديكتاتوري الفرد، وفي هذا الجو الموبوء جرت أبشع الانحرافات في السلطة واستشرى الفساد المالي والإداري وحصلت أنكر الهزائم العسكرية أمام الصهاينة، وفي الوقت نفسه تكرست التبعية المطلقة للخارج على عكس ما تم رفعه من شعارات كاذبة تنادي بالاستقلال، وحين اجتاح العالم قبل أكثر من عشر سنوات ما سمي وقتها بموجة الديمقراطية الثانية تخلص عدد كبير من الشعوب من الحكام والأنظمة الانقلابية المستبدة خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واليوغسلافي، إلا أن هذه الموجة تكسرت على شواطئ البلدان العربية والإسلامية التي لا تزال تحكمها أنظمة انقلابية عسكرية مستبدة، لأنها وجدت الدعم والتأييد من الغرب، ولم تلق معاناة الشعوب من دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان أذنًا تسمع أو لسانًا ينطق.

وعلى حين تحررت جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ذات الأغلبية المسيحية أو حتى الملحدة بقيت الجمهوريات الإسلامية يحكمها الشيوعيون السابقون بالحديد والنار وهم يلقون الدعم والمساندة من واشنطن، وبينما تحررت جمهوريات يوغوسلافيا السابقة فرضت على البوسنة حرب ظالمة وخضعت كوسوفا لوصاية دولية توطئة لتسليمها لغير المسلمين، أما الأنظمة الانقلابية العربية فهي على حالها وكان التطورات الدولية لا تعنيها في شيء، وآخر مهزلة وقعت في هذا الشأن الاستفتاء المزعوم على الإصلاحات الدستورية في دولة عربية مغربية يتيح لرئيس الدولة البقاء لمدة رابعة في الحكم.

وعلى نفس الوتيرة يمكن تفسير ما يجري في فلسطين المحتلة إذ تتكرر الدعوات المنادية بإصلاح السلطة.. ولكن أي إصلاح يطلبون؟ إنها للأسف دعوة حق يراد بها باطل، فدعوة الإصلاح صدرت أول ما صدرت من الصهاينة والأطراف الغربية المؤيدة لهم وهو دليل في حد ذاته على أن المقصود بالإصلاح إنما هو الإفساد. وقد جاءت هذه الدعوة لتغطي على جرائم الاحتلال والاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات والهدم والإرهاب، والاجتياح الصهيوني لمختلف المناطق الفلسطينية بالتقسيط بعد أن أثار الاجتياح الشامل سخط العالم وأيقظ الشعور العربي والإسلامي. ثم أليست هذه السلطة هي التي يتعامل معها الصهاينة وتتعامل معها واشنطن منذ عشر سنوات ووقعت معها اتفاقات التنازل والاستسلام؟

ليس المقصود هو الإصلاح، فالفساد في السلطة الفلسطينية -كما هو في أنظمة أخرى- سياسة مقصودة ومتعمدة ومطلوبة لخدمة سياسات أخرى.. فالغرب يدرب تلك الأنظمة على بيع الضمير لتبيع بعد ذلك الأوطان وعلى سرقة المال العام لتسرق بعد ذلك قضايا الأمة وتسلمها لأعدائها، ويدربها على البطش والقهر لتحكم الشعوب بالحديد والنار.

الغرب والصهاينة لا يريدون أنظمة تتسم سياساتها بالشفافية والعمل المؤسسي المنظم واحترام إرادة الشعب، فهذه صفات لا تحتملها الوظائف التي وضعت لتلك الأنظمة.. وإنما المطلوب أنظمة فاسدة تقوم بما يطلب منها دون مقاومة أو مراوغة، وتعطي الأعداء مكاسب لا يستحقونها، وهم في الواقع يرفضون الإصلاح الحقيقي، فالانتخابات الحرة ستفرز القيادات الحقيقية التي ترفض التبعية وتتبنى المقاومة، والشفافية ستكشف العملاء وتحد من الفساد الذي يستفيد منه أولئك العملاء. لقد كان رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إسحق رابين واضحًا في ذلك حين قال بعد اتفاق أوسلو إن السلطة الفلسطينية أكثر قدرة منا على محاربة الإرهاب لأن عرفات لا يخضع إلى محكمة عليا، كما أن عليه ألا يحسب حسابًا لدعاة الحقوق المدنية.. هكذا بكل وضوح.. فالمطلوب أدوات قمع من بني جلدتنا تأتمر بأوامر الاحتلال الغاصب ومن يسانده.

لا شك أن الإصلاح الحقيقي مطلب شعبي ملح في فلسطين مثلما هو الحال في عدد كبير من الدول العربية والإسلامية ولكن الإصلاح لا يأتي بإشارة من الخارج وإنما بالاستجابة لأوامر الرحمن أولًا ثم للمطالب الداخلية التي تقرها القوى الوطنية الواعية، وحول هذه المطالب ينبغي أن يدور حوار جاد متعمق للتفاهم على المقومات الاستراتيجية التي تحقق مصلحة الأمة وترد عنها كيد أعدائها.. وليكن شعار الجميع قوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هود آية: ٨٨).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل