العنوان لمحات في الحقبة العبرية (٧) "سيف داموكليس"
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1995
مشاهدات 71
نشر في العدد 1134
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 17-يناير-1995
«داموکلیس» رجل من بطانة الطاغية "ديونيسيوس"، «طاغية سيراكوزا» فقد دعاه يوما إلى وليمة، ولما رفع نظره إلى السقف رأى سيفًا معلقًا بشعره فوق رأسه (نقلًا عن كتاب علاقات خطرة).
طوال الأسبوع الماضي كانت الصحافة العالمية تتداول ردود الفعل لتصريحات مسؤولين إسرائيليين حول تفكير "إسرائيل" لاحتمال مهاجمة المفاعلات النووية في "إيران" على غرار الغارة التي شنتها "إسرائيل" على مفاعل عراقي في عام ۱۹۸۱م، ولكن وزير الدفاع الأمريكي "وليم بيري" صرَّح أمام نادي الصحافة الوطني عند بدء زيارته للشرق الأوسط في الأسبوع الماضي إن إثارة "إسرائيل" موضوع البرنامج النووي الإيراني ربما جاءت في إطار جهود علاقات عامة.
وزير الدفاع الأمريكي يثير قضية مهمة قد يفهم منها طبيعة التكتيكات التي تنتهجها "إسرائيل" للبقاء كقوة ردع استراتيجية وحيدة في المنطقة.
لقد ظلت "إسرائيل" طوال أربعة عقود متتالية تنتهج تكتيكات الأمن المهددة لحماية المصالح المشتركة مع الإدارات المتتالية الأمريكية للحصول على مزيد من الأسلحة الاستراتيجية وفي كل مرة كانت تستفيد من المتغيرات والأحداث وتصيغها في إطار أمنى، لقد استطاعت إسرائيل، أن تبتز جميع الإدارات الأمريكية بلا استثناء حتى أصبحت تملك ترسانة نووية
تقدر بـ ۲۰۰ سلاح نووي.. مؤلفًا كتاب DANGEROUS LIAISON علاقات خطرة "أندرو وليسلي كوكبيرن" تتبعا طبيعة العلاقة السرية بين "إسرائيل والولايات المتحدة"، وكيف حصلت إسرائيل على سلاحها النووي واستخدمت في سبيل ذلك كل مظاهر التهديد من قبل جيرانها، ثم التهديد من الخطر الشيوعي في المنطقة.
لقد كانت "حرب السويس" (١٩٥٦) حربًا تكتيكية فقد أقنعت هذه الحرب (CIA) بتقديم المساعدة في بناء برنامج الأسلحة النووية حيث اشترط "ابن غوريون" رئيس "إسرائيل" لسحب قواته بأن تُزوَّد "إسرائيل" بوسائل حماية تجمعاتها من هجوم الصواريخ الباليستية السوفيتية، والتي لم تملكها بعد "مصر وسوريا"، وقد تم السماح سرا لـ (سيأي إيه) بأن تساعد "إسرائيل"، في الحصول على المقدرة للرد على أي هجوم محتمل بالأسلحة المتقدمة، وفق ما صرَّح به مسؤول (CIA) في وقتها "ديلبور إيغلاند".
وفي "تشرين" ١٩٦١م استغلت "إسرائيل" تصعيد قضية الصاروخ العربي، لتعزيز برنامجها الذري، إلا أن "شيرمان كينيت"، رئيس مجلس التقديرات الوطنية التابع لـ (CIA) استنتج أن القنبلة الإسرائيلية ستلحق أضرارًا فادحة بالموقف الأمريكي في العالم العربي، فقد رأى أن الإسرائيليين يستغلون الموقف لمزيد من المكاسب لبرنامجهم النووي ويؤكد "جون هادن" رئيس محطة (CIA) السابق في تل أبيب من أن الإسرائيليين كانوا يسبقوننا وكانوا يعتقدون أنه إذا كنا نعرض عليهم الأسلحة ليتساهلوا إزاء القنبلة، فإننا حين تصبح لديهم سنترك لهم المزيد من الأسلحة التقليدية خوفا من أن يستعملوا القنبلة.
وهكذا بعد أن استخدمت «إسرائيل» تكتيكها في التهديد العربي والشيوعي للحصول على أسلحة متقدمة وتطوير برنامجها النووي أصبحت "الولايات المتحدة" أسيرة الرعب والخوف من أن تستعمل "إسرائيل" قنبلتها النووية في أية لحظة تهديد، وهكذا أتقنت إسرائيل اللعبة.
ففي عام ۱۹۷۳ حيث حطَّمت الدبابات المصرية والسورية الدفاعات الإسرائيلية في الأيام الأولى من الحرب كان البيت الأبيض يعرف أن الأغطية قد نزعت عن المخابئ الذرية في النقب وهكذا اندفعت الطائرات الأمريكية تنقل الإمدادات لإسرائيل رهبة لا رغبة.
وحيث كانت حكومة "بوش" ترسم استراتيجيتها في التوجه نحو الحرب مع العراق كان العامل الذري الإسرائيلي مركزيًا في تخطيطها وكان ثمن إبقاء "إسرائيل"، خارج الحرب هو ثلاث عشرة مليار دولار منها عشرة مليارات لتوطين المهاجرين الروس، وكانت الصفقة التي قام بها "لورنس إيجلبيرغ" – نائب وزير الخارجية – تحمل أيضًا صفقة "الباتريوت" في ثناياها.
وتضغط "إسرائيل" بالتهديد الجديد على الإدارة الأمريكية لتخفيف حملتها على «إسرائيل» لتوقيع معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، أضف إلى ذلك تحقق مكاسب على جبهة المفاوضات السورية، كما تريد إسرائيل احتواء زيارة بيري للمنطقة وتبيان أن الأمن الإسرائيلي ما زال خارج سيطرة الردع ومهددًا.
"موردخاي" فعنونوا الإسرائيلي المسجون في إسرائيل بتهمة تسريب معلومات معهد "ديمونا الذري" يقول: إن زعماء "إسرائيل" في أزمة مستقبلية سوف يتأثرون بمعلومات لا يعتمد عليها أو سيخطئون في اعتبار تهديد زائف تهديدًا حقيقيًا فيضغطوا على الزناد ويسببوا محرقة ذرية.
لقد كانت صورة «الحماقة والتهديد الزائف الإسرائيلي ومن خلفها المخزون النووي سلطان على رقبة الإدارة الأمريكية دائمًا، وهكذا فإن "سيف داموكليس" ما زال معلقًا باستمرار والسيد أصبح أسيرًا لعبده».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل