العنوان لمحة عن حياة الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1984
مشاهدات 58
نشر في العدد 658
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 14-فبراير-1984
في الثالث عشر من هذا الشهر تمر على استشهاد الإمام حسن البنا خمس وثلاثون سنة.. حيث اغتاله أعداء الحركة الإسلامية الآثمون في مصر عام ١٩٤٩م.
وبمناسبة استشهاده نقدم للقارئ لمحة من حياة الشهيد:
السيد الإمام الشهيد هو حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا، مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين» بمصر، وصاحب دعوتهم، ومنظم جماعتهم، ولد في المحمودية «قرب الإسكندرية» سنة ١٣٢٤ هـ الموافق ١٩٠٦م، وتخرج بمدرسة دار العلوم بالقاهرة واشتغل بالتعليم، فتنقل في بعض البلدان، متعرفًا إلى أهلها، مختبرًا طباعهم وعاداتهم، واستقر مدرسًا في مدينة الإسماعلية فاستخلص أفرادًا صارحهم بما في نفسه فعاهدوه على السير معه «لإعلاء كلمة الإسلام» ولقب «بالمرشد العام» فأقاموا بالإسماعيلية أول دار للإخوان وبادروا إلى إعلان «الدعوة» بالدروس والمحاضرات والنشرات، وقام المرشد العام بزيارة المدن الأخرى، ووجه بعض ثقاته في رحلات، فما عتم أن أصبح له في كل بلد سعى إليه دار ودار الإسماعيلية مركز قيادة الدعوة، ولم يقتصر على دعوة الرجال، فأنشأ في الإسماعيلية معهد أمهات المسلمين لتربية البنات تربية دينية صالحة. ونقل مدرسًا إلى القاهرة فانتقل معه المركز العام ومقر القيادة، ولقي فيها إقبالًا على دعوته. وعظم أمر «الإخوان» وناهز عددهم نصف مليون، وخشي رجال السياسة بمصر اصطدامهم بهم،
فحاولوا إبعادهم عن السياسة، فقام المرشد يعرف الإسلام في إحدى خطبه الكثيرة، بأنه عقيدة عبادة، ووطن وجنسية وسماحة وقوة وخلق ومادة، وثقافة وقانون وأنشأ بالقاهرة جريدة «الإخوان المسلمين» يومية، فكانت منبره الكتابي إلى جانب منابره الخطابية.
وحدثت كارثة فلسطين، فكانت كتيبة الإخوان المسلمين فيها من أنشط الكتائب المتطوعة، ونودي بالهدنة، وفي أيدي الإخوان سلاح دربوا على استعماله، وحدثت في القاهرة والإسكندرية أحداث عجزت السلطات القائمة عن معالجتها، فلجأت إلى إقفال أندية الإخوان ومطاردة البارزين منهم واعتقال الكثيرين والتضييق على المرشد العام، فتحول الإخوان إلى خلايا سرية تعمل في الخفاء، وتابعت السلطات اعتداءها على جماعة الإخوان، ووصل بها الأمر إلى اغتيال مرشدها العام في شهر شباط عام ١٩٤٩، فلقد وجهت إليه أشخاصًا مجهولين فاعترضوا المرشد وهو أمام مركز جمعية الشبان المسلمين في القاهرة ليلًا، فأطلقوا عليه رصاصهم وفروا، ولم يجد المرشد من يضمد جراحه، فتوفي
رحمه الله بعد ساعتين.
كان خطيبًا فياضًا، ينحو منحى الوعظ والإرشاد في خطبه، وتدور آيات القرآن الكريم على لسانه، وكان منظمًا يعمل في هدوء ويبني في اطمئنان، له مذكرات نشرت بعد وفاته باسم «مذكرات الدعوة والداعية» «۱».
ثانيًا- بعض ما قيل في الإمام الشهيد
«الشخصية التي فاجأت مصر والعالم الإسلامي»
«.... وفاجأت تلك الشخصية مصر، ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفئة التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قد تبدو متناقضة في عين كثر من علماء النفس والأخلاق، ومن المؤرخين والناقدين، هي: العقل الهائل النير، والفم المشرق الواسع، والعاطفة القوية الجياشة والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ والزهد والقناعة دون عنت- في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة- دونما كلل في سبيل نشر الدعوة والمبدأ والنفس الولوعة الطموح والهمة السابقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والآباء والغيرة على الدعوة، التواضع في كل ما يخص النفس،
تواضعًا يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنه- كما حدثنا كثير منهم- مثل رفيف الضياء: لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.
وقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها، في ناحيتين خاصتين لا يشاركه فيهما إلا القليل النادر من الدعاة والمربين، والزعماء المصلحين: أولاهما شغفه بدعوته وإيمانه واقتناعه بها، وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ووسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري الله على أيديهم الخير الكثير. والناحية الثانية تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه، ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج، فقد كان منشئ جيل، ومر بي شعب، صاحب مدرسة علمية فكرية خلقية.
لقد فاتني أن أسعد بلقائه في مصر وفي غير مصر، فلما قدر لي أن أزور مصر كانت رحمة الله قد استأثرت به، ولما يجاوز عمره بعد الثانية والأربعين إثر حادث استشهاده الذي أدمى نفوس ملايين المسلمين، وحرم العالم الإسلامي هذه الشخصية التاريخية الفريدة، ولا أزال أتحسر على هذه الخسارة التي كتبت لي..» «1».
«لم ير المسلمون مثل حسن البنا منذ مئات السنين»
أن أقولها كلمة حرة ولا بأس بروايتها عني أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحلى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف. لا أنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبرين، وحنكة السائسين. لا أنكر هذا كله عليهم من سابقين ولا حقين لكن هذا التجمع لهذه المتفرقات من الكمالات قلما ظفر به أحد كالإمام الشهيد رحمه الله.
لقد عرفه الناس وآمنوا بصدقه، وكنت واحدًا من هؤلاء العارفين به، والذي أقوله فيه قولًا جامعًا: هو أنه كان الله بكليته: بروحه وجسده بقالبه وقلبه، بتصرفاته وتقلبه. كان الله فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار....«2»
«الرجل الفذ»
«.... لقد قتل حسن البنا يوم قتل والعالم كله أتفه شيء في ناظريه! ماذا خرقت الرصاصات الأثيمة من بدن هذا الرجل؟ خرقت جسدًا أطنته العبادة الخاشعة، وبراه طول القيام والسجود، خرقت جسدًا غبرته الأسفار المتواصلة في سبيل الله، وغضنت جبينه الرحلات المتلاحقة. رحلات طالما أصغى الملايين إليه فيها وهو يسوق الجماهير بصوته الرهيب إلى الله، ويحشدهم ألوفًا ألوفًا في ساحة الإسلام. لقد عاد القرآن غضًا طريًا على لسانه، وبدت وراثة النبوة ظاهرة في شمائله، ووقف هذا الرجل الفذ صخرة عاتية انحسرت في سفحها أمواج المادية الطاغية، وإلى جانبه طلائع الجيل الجديد الذي أفعم قلبه حبًا للإسلام واستمساكًا به وعرفت أوروبا أي خطر على بقائها في الشرق إذا بقي هذا الرجل الجليل فأوحت إلى زبانيتها، فإذا بالإمام شهيد مدرج في دمة الزكي، وإذا بجيله الذي رباه في المعتقلات...» «3».
«المثل الأعلى في كل شيء»
«.... كان حسن البنا إمامًا بكل ما تسع الإمامة من معنى، كان مثلًا أعلى في كل شيء: في علمه في إيمانه في الخلاصة، في نشاطه، في حدة ذكائه في دقة ملاحظته في قلبه الكبير وروحه الطاهرة.
كان حسن البنا حجة الله في نفسي على أن الإسلام يصنع الرجال، ويحقق المثل العليا ويصوغ النور المصفى من لحم ودم. كان عقلًا هائلًا وروحًا موصولًا بالسر الأعلى، لا يفتر عن ذكر الله. كان قمة شامخة فيها العلو وفيها الثبات، وفيها قوة الجبل. كان عظيمًا موفقًا لا يخطئ الوجهة. كان رائعًا ملأ قلوبنا بحب الله، وأشعل صدورنا بحب الإسلام، وصهرنا في بوتقة طاهرة لا تشوبها شائبة.
قتل حسن البنا في يوم أسود من أيام التاريخ وفقدت الإنسانية بفقده «إنسانًا» قل أن يجود الزمان بمثله. قتل حسن البنا بعد عشرين عامًا قضاها في جهاد مرير، متصل الأيام والليالي...» «4».
«فكرة تحيا في رجل»
كان حسن البنا فكرة قوية هائلة، والفكرة لا تبغي مالًا، ولا تسعى لعرض زائل، لذا رأيناه يحيا بيننا حياة الطيف الخفيف ويلم الدنيا على هوادة، لا يجمع منها ولا يمنع، ولا يهتم لشيء فيها إلا بمقدار، ولا يصيب منها إلا ما تدعو إليه الضرورة يأكل ما حضر من الطعام، ويلبس ما تيسر من اللباس، ويتخذ ما قل وكفى من السكن، ويعيش عيشة الكفاف، ولا يهمه أن يترك بنيه الله ولا شيء معهم، وكل قرة عينه وبهجة نفسه أن ينادي في الناس بكلمة الله ويعلن إليهم ما في صدره من الأسرار وأن يرى فضائل فكرته ومثلها العليا حقائق واقعة وصورًا عملية تسعى في حياة الناس على قدمين وتزحم بمناكبها العريضة كل ما يتعرضها من باطل، وتنضر وجه الدنيا بابانها وعفتها... فإذا بلغ من ذلك ما أراد رضيت الفكرة في نفسه وبسمت في قرارة فؤاده، بسمة لها من سنا وجه الله نعيم ونور وغبطة «5».
«هذا أنا فمن أنت؟»
سأل صحفي الإمام الشهيد عن نفسه، وطلب منه أن يوضح بنفسه عن شخصيته للناس، فقال رحمه الله:
«أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف.
أنا متجرد أدرك سر وجوده، فنادى: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
هذا أنا فمن أنت؟» «6».
«1» عن كتاب الإعلام للزركلي بتصرف وزيادة.
«2» من كلمة للسيد الأستاذ الكبير أبي الحسن الندوي، قدم بها كتابه «مذكرات الدعوة والداعية» للإمام الشهيد.
«3» من كلمة للعلامة الشيخ محمد الحامدي رحمه الله تعالي.
«4» من كلمة للأستاذ الشيخ محمد الغزالي. «5» عن كتاب خواطر للأستاذ سعيد رمضان.
«6» من كلمة للأستاذ البهي الخولي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل