العنوان لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتاً عند الله
الكاتب الأستاذ غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1975
مشاهدات 120
نشر في العدد 234
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 28-يناير-1975
لم تقولون ما لا تفعلون؟
كبر مقتاً عند الله
القول بالإسلام والفعل فيه متتاليان بلا زمن فاصل بينهما.
يؤدي القول إلى الفعل، وينتج الفعل عن القول وخير دليل على ذلك حادثة إسلام عمر بن الخطاب (ر) فحينما قال: لا إله إلا الله. بلسانه تبع ذلك موقف عملي في أنه وقف على رأس صف من المسلمين ذهب إلى الكعبة، وقرنه القول بالفعل (ر) دل على أن إيمانه بـ (لا إله إلا الله) كامل، ويقينه مستوفى.
ولو أن أحداً من الناس قال (لا إله إلا الله) وأنقص في التزام فروض الإسلام لدل ذلك على ريبة في قلب ذلك الإنسان.
القول والفعل ضروريان بعضهما لبعض لم يأت القول إلا ليكون دليل العمل. والعمل خير موضح لمعاني القول في ذات الإنسان.
القول والفعل في كليهما معا الأجر، إن كان قول دون فعل كان مقت الله وكانت النار أول ما تسعر بالقائل غير العامل يوم القيامة فقد قال رسول الله (ص).
وإن كان فعل دون قول كان عملا لا أجر فيه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان:23).
القول والفعل في الإسلام وجهان لحقيقة واحدة هي بلوغ مرتبة الإحسان على مستوى الفرد، وتحكيم شريعة الله في الأرض على مستوى الجماعة.
لم يعرف الصحابة الإسلام رضوان الله عليهم إلا بهذه الصورة التي توضح معانيها، ولم يتعاملوا مع القرآن إلا على هذا الأساس فقد قال أحد الصحابة (ر):
لذلك حينما فصل بعض أهل المدينة بين قولهم وفعلهم حذرهم الله من مقته فقد جاء في أسباب نزول الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف:2-4) جاء في أسباب نزولها أن ناسا من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد كانوا يقولون لوددنا أن الله عز وجل دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال: إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به.
فلما نزل الجهاد وكره ذلك ناس من المؤمنين أو شق عليهم أمره. فنزلت تلك الآيات
وقد بين الله في القرآن الكريم بعض النماذج التي تفصل بين القول والفعل وبينها على المستوى الفردي الشعراء فقد قال في سورة الشعراء:﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ﴾ (الشعراء:224-227)
أما على المستوى الجماعي فقد تعترف الجماعة بوجود الله قولا وعقلا لكنها لا تتبع ذلك بالعمل الذي يقتضيه ذلك الإيمان من العبودية والدينونة له وحده، والاحتكام إلى شرعه فقد جاءت مثل هذه الآيات في أكثر من موضع: قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (لقمان: 25-26)
وقع انفصام بين قولهم وفعلهم فيعني القول بخلق الله للسماوات والأرض حمده، ولكنهم لا يفعلون ذلك فهم لا يعلمون وإن كانوا علموا ظاهرا من الدنيا.
قال الله تعالى أيضا ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ۚ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ۖ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر:38)
وقع انفصام بين قولهم بخلق الله للسماوات والأرض وفعلهم في الاتجاه إلى غيره بالدعاء ويقتضي الإقرار بخلق الله للسماوات والأرض الاتجاه إليه وحده، لذلك تتساءل الآيات لافتة انتباههم إلى هذا التناقض هل يمكن أن تكشف تلك الدعوة من قبلكم ضر الله، وهل يمكن أن تمسك رحمته؟
أما أنا الذي أقرن القول بالفعل:
فالله حسبي عليه أتوكل، كما يتوكل المتوكلون عليه وقال أيضا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف:87-89)
إنهم يقولون بخلق الله لهم ولكنهم لا يفعلون بما يقولون فيتساءل الله في أي اتجاه يؤفكون.
وقال الله تعالى أيضا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت:61-64) .
إن هؤلاء المشركين يقعون في انفصام القول والعمل عدة مرات فهم يقولون بخلق الله للسماوات والأرض وتسخير الشمس والقمر، ومع ذلك يتجهون ويسألون غير الله الرزق، يقولون بإنزال الله للماء من السماء وقدرته على إحياء الأرض وينكرون البعث والدار الآخرة، والأدهى من ذلك نفوسهم تخلص لله في حال إشراف الفلك على الغرق، ولكن هذه النفوس تعود في البر إلى سابق فعلها فتشرك آخرين بالله، وتكفر بما أنعم الله عليها.
ويقول الله:﴿ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون:84-89)
إن هؤلاء القوم يقولون بأن الأرض لله وبأن الله رب السموات السبع والعرش وبيده ملكوت كل شيء، يقولون كل ذلك ولكنهم لا يتذكرون الله ولا يتقون الله، فهم إذن يفصلون قولهم عن فعلهم.
إن المجتمعات العربية تعيش مرض انفصال القول عن الفعل بشكل رهيب على مستوييه الفردي والجماعي.
على المستوى الفردي: ترى الرجل يقول: لا إله إلا الله ويتعامل بالربا مثلا.
ترى امرأة تقول لا إله إلا الله وتخرج سافرة الخ... وهناك أمثلة أكثر من أن تحصى على المستوى الجماعي.
الأذان يرفع في كل مدينة وقرية بــ (لا إله إلا الله) ومع ذلك فالمجتمع لا يتقي الله ولا يحكم الله.
القرآن يتلى ومع ذلك فالمجتمع لا يتعبد الله العبودية الحقة.
أمراض انفصام القول عن العمل التي تحدث عنها القرآن في المستويين الفردي والجماعي تعيشها الأفراد والمجتمعات في وقتنا الحاضر.
المسلم حينما يتفاعل مع رسالة الإسلام يبرأ من أمراض انفصام القول عن الفعل، ويصبح فعله تابعًا لقوله.
والتجمعات الإسلامية حينما تتفاعل مع رسالة الإسلام تبرأ من مرض انفصام القول عن الفعل ويصبح قولها مطابقا لفعلها.
وخير من يجسد هذا البرء سيد قطب رحمه الله. فسيد قطب في أصل نشأته حرفته الكلام والشعر، وهو مهيأ لأن يهيم في كل واد، ومع ذلك فلم يجعل الإسلام مادة كتابته فحسب بل قرن الكتابة بالموقف والقول بالفعل ودفع ثمن كلمة الحق سجنا وشهادة.
ولكن العمل الإسلامي عند الكثير يحيا مرض انفصام القول عن العمل فهم يتثقفون ويتعبدون وينمون فكريا ويسمون روحيا الخ..
ولكن دون تغيب الواقع الفاسد المحيط بها والعمل إلى تغييره وجعله يدين لله وحده يدين لشرع الله في كل أموره. والأصل في اللقاء الجماعي الإسلامي في غيبة الدولـة الإسلامية أن يهدف إلى دينونة الواقع بالإسلام في كل شؤونه وأن تكون كل جزئيات اللقاء الجماعي من تثقيف وسمو روحي أدوات تساعد على تغيير الواقع الفاسد.
وخير ما يوضح ذلك سيرة الرسول (ص) وصحابته في مكة فمنذ أن جهر صلى الله عليه وسلم بلا إله إلا الله استمر في فعل المواجهة مع الجاهليين يسخف أصنامهم ومعتقداتهم في الملائكة ويدعو إلى عبودية الله وحده، واستمر حتى انتصر الحق في المدينة، وارتفعت راية الدولة الإسلامية
ربما جسد عز الدين القسام في العصر الحديث مصادمة الواقع مع الفاسد ومحاولة تغييره خير تجسيد في أقسى الظروف الذاتية والموضوعية وأكد بأن الإيمان حينما يجيش في الصدور لا بد أن يدرك بإلهام الله طريقه الصحيح.
جاء عز الدين القسام كما هو معلوم إلى فلسطين طريد الفرنسيين إثر ثورة أشعلها في بلدته جبله على الساحل السوري، ولكن الإسلام الذي لا يعترف بالحدود جعله يبدأ جهادا جديدا في فلسطين، فكل بلاد المسلمين بلده وكل قضاياهم تهمه.
أدرك عز الدين القسام رحمه الله جسامة المخاطر اليهودية والاستعمارية التي تحيط بفلسطين، فاستفاد من منبر مسجد الاستقلال في حيفا فـي تذكية روح الجهاد والاتصال بالناس، ثم بدأ مصادمة اليهود والإنجليز.
وكان الرجال الذين رباهم على قلتهم صلب القضية الفلسطينية في الثلاثينات.
لذلك حتى تنال التجمعات الإسلامية مهما كان لونها حب الله وتبتعد عن مقته عليها أن تواجه الواقــــــــــع الفاسد المحيط بها وتبدأ بتغييره حتى تكون فاعلة بما تقول.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل