العنوان لنكن واقعيين!
الكاتب عبدالرزاق حسين
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 74
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 45
الجمعة 21-مايو-2004
مصطلح محشو بالتعقل، ومغلف بالفهم, تكاد تصافحه أذناك في كل ناحية ومنحنى, ويصك سمعك في كل ندوة وملتقى, ويحضر بإيقاعه المتحدي لخياليتك ورومانسيتك أخاديد عميقة في قنواتك السمعية من خلال مشاهدة القنوات الفضائية ولا تعدمه حتى في حديث جانبي لا علاقة له بالسياسة أو الاقتصاد أو العولمة.
لقد تلبسنا هذا المصطلح، أو هذه العبارة أو هذا الاتجاه، وأصبح كالوباء الذي لا تنفع معه وقاية حتى غدونا متهمين بعدم الواقعية لمجرد أننا نرفض فكرة ما أو تعترض على منهج.
فالسياسي والمفكر والكاتب والموظف، وحتى الإنسان الذي يتصف بالعاطل عن العمل، أخذ ينشغل به ويلوكه في كل جلساته، ولقد صرت أخشى ما أخشاه أن يدخل إلى نقاشاتنا الزوجية، فيصبح النقاش بدل أن يكون بين زوجين نقاشًا بين واقعي وغير واقعية أو واقعية وغير واقعي.
لكن ما هذه الواقعية التي يأمرك بها محدثك ونفسه بها أولًا؟
إنها واقعية الأمر الواقع، الأمر المفروض من القوى الجبارة المتغطرسة المهيمنة.
والقبول به أصبح نوعًا من السياسة، أو التعقل والفهم وحولوا مقولة الشاعر:
قالوا الخضوع سياسة *** فليبد منك لهم خضوع
إلى: قالوا الواقعية...!!
وغدا الواقعي هو الذي يسلخ جلده، ويقطع لسانه ويبتر ماضيه وينكر نفسه.
لنكن واقعيين، فتخضع لكل طلب، وتوافق على ما لا نرضاه، وتمتثل لكل ما يأباه الدين والخلق والعقل والإنسانية، بل والشرف أيضًا.
أن تبيع جزءًا من وطنك فأنت واقعي!
أن تتبطح لعدوك حتى يمر بحذائه الغليظ من فوق رأسك... فتلك واقعية!
أن تحذف من عمر أمتك آلاف السنين وتدعي أنها لم تكن أمر واقعي!
أن تحرق جذورك وجذوعك وأغصانك وتتعرى فأنت ابن الواقعية!
إذن من أجل أن تكون واقعيًا يجب عليك أن تلبس لباسها وتتكلم بلغتها، وتؤمن بمنهجها الذي يزعم أن الواقعي هو الذي لا يصدق إلا بما هو كائن، أما ما كان فذلك من الأحلام، ومن يفكر بأن الواقع قد يتغير، وأن المستقبل قد يبدو زاهيًا، فهذا يجب أن يطرد وينبذ من جنة الواقعية.
وفي عرف النخب التي تتبنى هذا المصطلح يكون نبينا محمد ﷺ غير واقعي، لأنه وقف في وجه واقع الكفر وغيره، وسيكون ما بشر به المحاصرين في معركة الخندق، وهو محاصر بآلاف الفرسان من تسلم مفاتيح قصور فارس والشام واليمن أحلامًا خيالية، وسيكون من بعده أبو بكر الصديق بك من كبار العالمين عندما وقف في وجه معظم قبائل العرب عندما ارتدت عن الإسلام.
ولن يكون قطز الذي وقف في وجه التيار المغولي وصلاح الدين الذي دمر موجات الصليبيين وكل الذين صنعوا التاريخ وبنوا أمجاد أممهم ووقفوا في وجه طغيان الدول العظمى وهم لا يملكون سوى الإيمان والإرادة والعزيمة والأمل في دحر الظلم، سوى حفنة من العالمين.
هل نحن في حلم أم في واقعة؟ لنكن واقعيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل