العنوان لهذا يحاربون الإسلام ويسعون للقضاء على المسلمين.. مجتمعات الغرب تتآكل
الكاتب شامل سلطانوف
تاريخ النشر السبت 20-مايو-2006
مشاهدات 59
نشر في العدد 1702
نشر في الصفحة 16
السبت 20-مايو-2006
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قالت تاتشر لــ«أربكان»: «ألا جاء دركم».. وكانت تعني «الإسلام»!
الإسلام كدين سماوي -وليست الأصولية- هو المشكلة الكبرى للمؤسسة العليا «النخبة» في الحضارة الغربية
الدراسات والإحصاءات الرسمية تؤكد توقف تكاثر السكان في البلدان الأوروبية وتآكل أعداد السكان الأصليين
الغرب يريد أن يستبدل «بالإسلام الحقيقي المشاكس» إسلامًا ليبراليًّا ديمقراطيًّا غير مشاكس.. ويسعى لتغيير القرآن الحقيقي بقرآن محرر في إحدى الجامعات الأمريكية ليزيد من تشرذم العالم الإسلامي
خلال 50 عامًا سيتغير التناسب بين العاملين والمتقاعدين وستؤدي الشيخوخة المتسارعة إلى عواقب كارثية للاقتصاد الأوروبي
لكي تصعد المرأة سلم العمل عليها أن تتخلى عن وظيفة الأمومة بشكل واسع.. ولذلك فإن سيدات الأعمال مضطرات للإقدام على الإجهاض ويتحول معظمهن إلى «سحاقيات»
فكر الشذوذ يعتبر أحد أبرز اتجاهات الفكر والثقافة في المجتمع الغربي.. وبات أمرًا مهمًّا في الترقي على سلم المهنة
بعد إباحة الكنيسة الغربية للشذوذ خبير روسي: إن دينًا كهذا يميل حيث تميل الريح لن يجتذب أحدًا
المجتمعات الغربية تتآكل من الداخل.. وشمسها إلى غروب... هذه ليست أوهامًا، وإنما حقائق تؤكد كل الوقائع الماثلة على الأرض بين جنبات تلك المجتمعات.. بينما المجتمعات الإسلامية رغم تخلفها تقوى وتزداد تماسكًا ويتزايد تعدادها.
في المستقبل القريب يتزايد الفراغ الاجتماعي وينقرض النسل في الغرب والمؤهل لملء ذلك الفراغ هو الإسلام والمسلمون.
ولهذا يشن الغرب حربًا لا هوادة فيها على الإسلام والمسلمين.
والدراسة التي بين أيدينا للسياسي الروسي المسلم شامل سلطانوف عضو البرلمان الروسي والخبير السياسي.. تجسد بالأرقام والإحصاءات حال الغرب ومستقبله.. وتحلل من وجهة نظر جديرة بالتأمل فحوى تلك الحرب الدائرة على الإسلام في الغرب.
على تخوم خمسينيات القرن العشرين بدأت في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ما يصح أن نسميه الثورة الجنسية العظمى التي كانت عظمى حقًّا بطريقتها الخاصة، ثورة أدت إلى تغير جذري في السلوك الجنسي للإنسان في المجتمع المتطور صناعيًّا، وبدلت العديد من القيم الأخلاقية والثقافية الأسرية والاجتماعية، بشكل مأساوي، وبالنتيجة ابتلعت حضارة العولمة الغربية حتى مطلع القرن الحادي والعشرين وبصورة نهائية ما تبقى من مدنية عظيمة في أوروبا وأمريكا الشمالية.
الثورات الجنسية في المائة وخمسين قرنًا الماضية، باتت مؤشرًا له دلالته على استمرار أزمة الديانة المسيحية وعملية الانحدار الديني في أوروبا: «عندما تغيب الآلهة لا يبقى سوى الأعضاء التناسلية التي يتمكن المرء دومًا من مداعبتها ليقضي على ملله»! إن الحضارة الغربية ومنذ زمن بعيد لم تعد حضارة مسيحية، إلا أن «الثورة الجنسية العظمى» بالذات غدت ومنذ الستينيات الخطوة الحاسمة في نشوء وثنية جديدة مبدئيًّا، هي الوثنية العالمية للحضارة الاستهلاكية.
من الذي أوقد هذه الثورة ولأي غرض؟ ولماذا في النصف الثاني من القرن العشرين بالذات؟ ليست هناك أجوبة مقنعة وقاطعة على هذه الأسئلة حتى الآن، كما أنها لم توجد من قبل.
إن تفسير الأمر بمجرد الصدف هو في رأيي ليس بمسلك للمثقف الجريء.
تاتشر وأربكان
آنذاك، وفي ستينيات القرن الماضي بالذات، أخذت تظهر في مطبوعات النخب الغربية دراسات وبحوث سياسية تتحدث بمزيد من القلق عن الصحوة الإسلامية، التي أخذت بالنهوض وقد أسفرت الأزمة النفطية العالمية في 1973- 1975م عن تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية والعسكرية على العالم الإسلامي، وبعد اختفاء الاتحاد السوفييتي من الخريطة السياسية انتقلت تلك الضغوط إلى طور جديد.
في نوفمبر 2004م جمعني لقاء في أنقرة مع رئيس وزراء تركيا الأسبق السيد نجم الدين أربكان الذي أخبرني عن حادثة لها دلالة كبيرة؛ ففي بداية التسعينيات وأثناء إحدى قمم الناتو التي تدارست في موضوع نتائج انتصار الغرب النهائي على الاتحاد السوفييتي التفتت السيدة الحديدية مارجريت تاتشر فجأة إلى أربكان الجالس قربها وقالت: «الآن جاء دوركم» وميم الجماعة هذه تعني العالم الإسلامي، حيث عرف أربكان آنذاك بمواقفه المشجعة للتضامن الإسلامي العالمي الشامل.
في خريف العام 1992م أقدم الغرب على عدوان سياسي مباشر، حين ألغيت وبفظاظة وبصورة غير مشروعة نتائج الانتخابات البرلمانية في الجزائر؛ مما أشعل فتيل حرب أهلية هناك راح ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين.
إن المشكلة الرئيسة بالنسبة للمؤسسة العليا أو النخبة في الحضارة الغربية هي الإسلام كدين سماوي عالمي، وليس الأصولية الإسلامية أو الغلو أو التطرف الإسلامي. في كتابه الشهير «صراع الحضارات» الذي يتوقع حتمية الصدام بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي أبدى س. هنتتجتون استدراكًا أو تحفظًا له دلالة كبيرة حين قال: «إن المشكلة الأساسية للغرب لیست هي الأصولية الإسلامية، بل هي الإسلام نفسه، الحضارة الأخرى... ».
ر. بايبس بدوره يؤكد بشكل خاص على الصراعات الحادة بين الإسلام والعصرنة (الحداثة) في القضايا الاقتصادية.
بعد التعليل الأيديولوجي لحتمية الصراع بين الحضارات جرى تفجير البرجين في الولايات المتحدة، وكأنما بطلب مسبق .. فيما ترك الإرهابيون العرب -كأنما نسوا أن يأخذوها- نسخًا من القرآن الكريم في أكثر الأماكن اكتظاظًا بالناس، وانتقلت أمريكا على رأس الجبهة الغربية وبشكل سافر إلى شن هجوم عسكري على العالم الإسلامي استولت فيه على أفغانستان والعراق واحتلت أراضيهما، وخيم خطر الغزو العسكري على سورية وإيران، واجتاحت موجات الحقد على الإسلام الأقطار الغربية الرئيسة فيما يعلن بوش عن حتمية «الحرب طويلة الأمد لعقود من السنين على الإرهاب الإسلامي».
وباتت الهجمة واسعة النطاق على الإسلام واقعًا ملموسًا في بداية القرن الحادي والعشرين.
توضحت حقيقة وأهداف الحرب المعلنة على العالم الإسلامي، في مشروع الولايات المتحدة بعيد المدى لنشر الديمقراطية في «الشرق الأوسط الكبير»، يريد الغرب أن يبدل الإسلام الحقيقي «المشاكس» بإسلام «ليبرالي ديمقراطي غير مشاكس» ويريد أن يستبدل القرآن الحقيقي «السيئ» بقرآن مصحح «محرر» في إحدى الجامعات الأمريكية العريقة ليزيد من تشرذم العالم الإسلامي، ويسرع في قضم أهم أجزائه «خاصة تلك الغنية بالنفط والغاز» ضمن الحضارة الغربية، هذا الأمر الذي وجد تجسيدًا واضحًا له في التقرير الذي أعدته مؤسسة «راند كوربوريشن» الأمريكية بعنوان العالم الإسلامي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001م.
المجتمع المتمدن هو الذي يحكمه الأطفال
حتى عام 1960م بلغ عدد سكان البلدان الغربية المتطورة صناعيًّا 750 مليون نسمة، وخلال الأربعين عامًا التالية وهي فترة ظهور إفرازات ونتائج الثورة الجنسية في الستينيات توقف تكاثر السكان في هذه البلدان، وبدأت في الواقع عملية تآكل في أعداد السكان الأصليين، فمن بين الـ 47 دولة أوروبية ليس هناك سوى بلد واحد هو ألبانيا الإسلامية سجل في سنة 2000م، مستوى مواليد كافيا للحفاظ على الأمة، أما باقي القارة أوروبية فهي في سبيلها إلى الانقراض.
في سنة 1960م كان السكان الأوروبيون الأصل يشكلون ربع سكان العالم، وفي سنة 2000م باتوا يشكلون السدس، وفي سنة 2050م سيشكلون عُشر سكان العالم فقط. وفي نهاية القرن الحادي والعشرين سيعيش في أوروبا 207 ملايين شخص فيما لو بقيت توجهات النمو السكاني على حالها الآن، ومن دون حساب الوافدين. ومن بين سكان ألمانيا الـ 82 مليونًا سيبقى في عام 2050م أقل من 50 مليونًا، وفي عام 2100م سيتقلص هذا العدد إلى 38,5 مليون نسمة. أما سكان إيطاليا فسيتقلص عددهم في نهاية القرن الحالي إلى 41 مليونًا، فيما يتقلص سكان إسبانيا بمقدار الربع، ويتقلص عدد سكان أوروبا بأسرها بمقدار ثلثين.
وستطرا تبدلات سكانية على المجاميع من مراتب الأعمار المختلفة؛ ففي سنة 2000م. كان يعيش في أوروبا 494 مليون نسمة في عمر يتراوح بين 16 و65 سنة، وفي عام 2050م سيتقلص عددهم إلى 365 مليونًا، وخلال خمسين عامًا سيتغير التناسب بين العاملين والمتقاعدين من 1: 5 إلى 2: 1، وتؤدي الشيخوخة المتسارعة للسكان من الآن إلى أعباء اجتماعية متزايدة على ميزانيات الدول المتطورة. وبعد عشرين أو ثلاثين عامًا يمكن لهذا التسارع في الشيخوخة أن يؤدي إلى عواقب كارثية بالنسبة للاقتصاد الأوروبي كله.
وللحيلولة دون هبوط المستوى المعيشي الحالي (الأمر الذي يهدد بتقلبات اجتماعية وسياسية مصيرية) لا بد لدول المجتمع الأوروبي من أن تزيد توارد الوافدين لدرجة كبيرة، ويشكل المسلمون جزءًا كبيرًا منهم.
وفي الوقت الحاضر يتزايد عدد المسلمين المهاجرين إلى أوروبا وإلى الغرب عمومًا رغم الوقوف بوجه هذا السيل سياسيًّا وحقوقيًّا وثقافيًّا. ففي فرنسا يقيم اليوم 5,8 ملايين مسلم، وفي بريطانيا 1,6 مليون، وفي الولايات المتحدة ٧ ملايين، وفي إيطاليا مليون وفي ألمانيا 1.5 مليون وهلم جرا. ويقيم في أقطار الاتحاد الأوروبي عمومًا أكثر من 15 مليون مسلم، وينتظر أن يزداد هذا العدد إلى 40 مليونًا في عام 2015م.
علماً بأن حركية تكاثر السكان لا توفر إمكانية تأمين المستوى اللازم لأوروبا من الأيدي الأيدي العاملة؛ ولذلك فإن هجرة الأيدي العاملة إلى الأقطار الأوروبية الرئيسة ليست منة أو رغبة أو حسن إرادة من جانب النخب الأوروبية وليست محاولة لمساعدة المجتمع الإسلامي العالمي في حل مشكلاته الاجتماعية المعقدة، بل هي إجراء أوروبي أناني قاس. وقد اعترف أحد خبراء الاتحاد الأوروبي على الرغم من تحيزه ضد الإسلام بأن اقتصاد العالم الأوروبي مزدهر على حساب توارد الأيدي العاملة ومعظمها من المسلمين.
أما الأفاق المستقبلية السكانية في روسيا الاتحادية فهي أسوأ من تلك، ذلك لأن:
أولاً: روسيا موضوعيًّا باتت بقدر كبير جزءًا من العالم الغربي من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والثقافية. ولذلك فإن مشكلة الهوية الروسية متأزمة الآن إلى أقصى حد.
كان اندماج الاتحاد السوفييتي وتكامله التدريجي ضمن الحضارة الغربية قد بدأ فعلاً من سنة 1961م، عندما أقر البرنامج الحزبي الجديد الذي رسمت فيه مهمة بناء الصيغة الشيوعية للمجتمع الاستهلاكي، في الاتحاد السوفييتي.
ولم يسفر البحث الممض عن الفكرة القومية الروسية في السنوات العشر الأخيرة عن نتيجة. ومن الناحية الموضوعية لم تعد الفكرة القومية بحد ذاتها لازمة لروسيا التي أرغموها على التكامل والاندماج بالسوق الغربي الشامل وبالمجال الإعلامي العالمي الشامل والتي تقبلت القيم والمعايير الاستهلاكية المادية والثقافية والإعلامية الغربية.
ثانيًا: لا تزال الأزمة البنيوية مستمرة في روسيا، وهي الأزمة التي تفرز تفاقم جميع الاتجاهات السلبية في البلاد، بما فيها المسألة السكانية الديموغرافية.
ففي روسيا الاتحادية يتقلص العدد الإجمالي للسكان، بل يتقلص عدد القادرين على العمل في عام 2010م ولكي تعوض البلاد عن شحة الأيدي العاملة ستضطر روسيا إلى زيادة حصة الوفادة الشرعية واستقدام من 700 ألف إلى مليون وافد سنويًّا. وبعد خمسة وعشرين عامًا أخرى ستحتاج إلى حوالي خمسة ملايين وافد سنويًّا لكي تحافظ على مستلزمات الحياة.
وتنشأ حالة غريبة عجيبة عندما يتطرق الكلام إلى تكاثر السكان بوصفه المعيار الرئيس لوجود إرادة الحياة أو غيابها.
فالفرد الغربي الذي يتمتع حسب الظاهر بالحرية الشخصية والعيش المرفه -قد حل في الواقع كل مشكلاته الاجتماعية والاقتصادية وأدرك مغزى حياته المادية على الأقل ويكشف عن حيويته وإيمانه الراسخ بالمستقبل- إنما المفروض أن يتزعم العالم من حيث مستوى المواليد، لأن الراضين على حياتهم لا بد وأن يتناسلوا لينقلوا فرحة الحياة إلى الأطفال.
إلا أن الأمور تجري عن الضد من ذلك تمامًا؛ ففي جميع البلدان الغربية المتطورة تقريبًا يلاحظ من سنين تقلص مطلق في تعداد السكان، وإلى ذلك فإن نسبة المواليد تنخفض أيضًا عند الوافدين الذين تكاملوا مع الظروف الاجتماعية والإعلامية والمعيشية للمجتمعات الغربية.
الانتحار المتمدن
فلماذا لا يزداد عدد السكان بل يتقلص في الأقطار الغربية المتطورة اقتصاديًّا؟ ولماذا تضعف إرادة الحياة في هذه الأقطارة؟ ولماذا ينتشر مركب تناتوس بهذه السرعة الكبيرة في الحضارة الغربية المعاصرة؟
يقال: إن الأفراد في الغرب مشغولون اليوم بتحقيق قدراتهم وطاقاتهم الذاتية وبالإبداع والغرق في الملذات فلا يبقى لديهم وقت للأطفال.
ويقال إن الأطفال في الحياة الراهنة أمر مكلف جدًّا، من حيث «الوقت الشخصي لدى الفرد الغربي»، وصعب جدًّا لغياب الإمكانات الاقتصادية والمادية «بالنسبة للروس»، ويقال إن الحياة المعاصرة مشحونة بالهزات النفسانية التي تفتك بصحة الإنسان، ويقال إن الناس بسبب تلك الهزات ينجرون إلى الإدمان على المشروبات الكحولية والمخدرات، وتقال أمور كثيرة أخرى من هذا النوع.
إلا أن السبب الرئيس يكمن في أمور غير تلك:
فخلال الـ 40 - 50 عامًا الأخيرة، واجهت الحضارة الغربية فجأة مختلف أنواع الخلل النفسي والعصبي والعقلي والأمراض المماثلة التي تتطور بشكل مهول والوضع شاذ وغريب تمامًا، حيث اتضح أن الأمراض النفسية هي الأكثر انتشارًا في العالم الغربي، فإن حوالي 20% من العبء الإجمالي للأمراض في أوروبا هو من نصيب الأمراض النفسية، ومن بين أقطار المجتمع الأوروبي عشرة بلدان فيها أعلى مستوى في العالم من حيث نسبة الانتحار.
وفي روسيا، حتى وفقًا للمعطيات الرسمية يعاني من أمراض نفسية خطيرة حوالي عشرة ملايين شخص، ومنهم 30 ألف مـريض يلازمون المصحات دومًا. وانفصام الشخصية الشيزوفرينيا هو المرض النفسي الأكثر انتشارًا في روسيا. ويعاني واحد من كل اثنين تقريبًا في هذه البلاد (وعلى وجه التحديد 40%) من الخلل النفسي الذي لم يبلغ مرحلة المرض. ويضيع كل مواطن روسي عشر سنوات من عمره بسبب المشكلات الصحية غير المحلولة وغير المفهومة ذات الطبيعة النفسية. وتجري في روسيا سنويًّا 60 ألف محاولة انتحار، وهذا ضعف عدد الذين يلقون حتفهم في حوادث السيارات.
ثم ما هو الإدمان على المخدرات؟ إنه في الحقيقة نوع من الأمراض النفسية، وتفيد معطيات هيئات حفظ النظام الروسية أن عدد المدمنين على المخدرات المسجلين رسميًّا في الفترة 1990 - 1993 بلغ حوالي 20 ألفًا.
وفي الفترات اللاحقة تزايد عددهم مرارًا كل ثلاث أو أربع سنوات: في سنة 1997 - 83 ألف مدمن مسجل رسميًّا، وفي سنة 2000- 180 ألف مدمن وفي سنة 2003 - 228 ألف مدمن، وواضح أن عدد المدمنين فعلاً في روسيا أكثر من ذلك بعشرات المرات. ويعتبر تزايد الإدمان على المسكرات والكحوليات مؤشرًا آخر على تزايد الأمراض النفسانية، وهو يؤثر مباشرة في تناقص عدد السكان في البلاد، وفي الوقت الحاضر سجل في روسيا رسميًّا أكثر من مليون ونصف المليون مدمن على الكحوليات. إلا أن الكثيرين من الخبراء الروس يعتقدون أن عدد المدمنين على المسكرات اليوم يتراوح بين 15 و20۰ مليون شخص.
والسبب الرئيس للإدمان الكارثي على المسكرات ليس ميل الروس بالفطرة إلى الفودكا بل الخلل النفسي المرتبط بشح الإحساس الذاتي بمغزى الحياة، وخاصة عند الرجال.
في عام 2001 كانت روسيا تحتل المرتبة المئة في العالم من حيث طول العمر، وبعد أربعة أعوام، في بداية سنة 2005م انزلقت بلادنا في هذا المؤشر إلى المرتبة 122 ويبلغ متوسط عمر الرجال في روسيا اليوم 58,6 سنة وعمر النساء 73، وإن 30 ونيفًا من جميع وفيات الرجال تعود بهذا القدر أو ذاك إلى أسباب تتعلق بالإدمان على الكحول.
هجمة الشاذين الزرق
إلا أن التشخيص النفسي الأساسي لأمراض الحضارة الغربية الشمولية ببين أن أخطرها من حيث النتائج والمضاعفات هو العنة أو العجز الجنسي على الرغم من أن بعض الخبراء يعتبرون العنة ليس مرضًا منفصلاً، بل نتيجة لجملة أمراض نفسية. إن عدد العنينين الدائمين والوقتيين في الأقطار الغربية المتطورة یزداد باطراد ويبلغ في بعض الحالات 80% من مجموع الرجال.
وتصاحب العنة المتزايدة ظاهرة مؤسفة أخرى هي ما يسمى «بأزمة الحيامن» «الحييات المنوية»، ففي الأقطار الغربية المتطورة اقتصاديًّا تنخفض بالتدريج كميات المني التي تفرزها الأعضاء التناسلية الذكرية. وتبلغ سرعة هذه العملية التي بدأت قبل بضعة عقود ناقص 1,5-2٪ سنويًّا. وبعبارة أخرى فبعد ثلاثين أو أربعين عامًا قد يحرم الرجل في الغرب عمومًا من القدرة على الإخصاب لاختفاء النطف. ثم إن البرودة الأنثوية أو الفتور الجنسي عند النساء يزداد أيضًا في البلدان المتطورة، ولكن بوتائر أبطأ كثيرًا بالمقارنة مع العجز الجنسي عند الرجال، ويتجلى الجانب الخلقي من العنة والفتور الجنسي في تزايد الدعارة والتفسخ الجنسي وانتشار الخلاعيات والبغاء وما يسمى بالزواج المدني وتفشي الأمراض الزهرية، ففي بريطانياً مثلاً ازداد عدد المصابين بالأمراض الزهرية إلى الضعف في السنوات الخمس الأخيرة وحدها.
والسبب الرئيس للعنة الكارثية المتصاعدة في العالم الغربي هو نمط وأسلوب الحياة الشائع هناك. فالفرد في هذه البيئة الاجتماعية يعيش في ظروف الاستفزازات الجنسية الثقافية المتواصلة والمفتعلة خصيصًا والتي تتحول إلى وطاويط نشيطة مصاصة للدماء تمتص القدرة الحيوية من أجساد الرجال في المقام الأول.
ويغدو المظهر الخارجي للمرأة وثيابها العصرية وأسلوب سلوكها المفروض عليها فرضًا وما إلى ذلك أخطر شيء على اللاشعور عند الرجل من حيث نتائجها السلبية.
فالأزياء والموضة العصرية لا تستر المرأة بل تعريها جزئيًّا أو كليًّا، والدعاية والإعلانات بمعظمها مبنية على استغلال جسد المرأة. فالمرأة كرمز جنسي للإثارة الشهوانية المطلقة باتت جزءًا لا يتجزأ من الفيلم السينمائي والحملات الإعلانية وبرامج التلفاز والتجارة والصناعة الترفيهية وما إلى ذلك. وهذا العدوان الاستفزازي موجه إلى الرجل للتأثير في لا وعيه ولا شعوره. وعندما يواجه الرجل في الشارع وفي العمل وفي المجال الإعلامي نساء شبه عاريات يواجه كل مرة على المستوى الجيني والجزيئي انفجارًا ذريًّا مصغرًا في وعيه الذكوري، وطبيعي أن الرجل السوي لا يعود سويًّا، في مثل هذه الأحوال وبمرور الزمن لن تسعفه لا الفياجرا ولا الكحول ولا المخدرات.
ومن جهة أخرى فإن نفس أسلوب الحياة الغربية العصرية يرسم عدة صور شائعة للمرأة العصرية التي لا ترغب في الحمل وولادة الأطفال والتي لم تعد قادرة على ولادة أطفال أصحاء.
وفي مقدم تلك الصور صورة سيدة الأعمال الشرسة مصاصة الدماء التي تستطيع أن ترهب الرجل الذي يعاني من مركب النقص المتصاعد، وأهم شيء بالنسبة لهذه المرأة هو سلم الترقية. وقد تقبلت بالكامل توجهات الحضارة القائلة بأن ميلاد الأطفال يقيد تحركها الاجتماعي وتقدمها في العمل أو يلغي سلم ترقيتها نهائيًّا؛ ولذلك فإن 40% من الألمانيات الحاصلات على التعليم العالي مثلاً، نساء بلا أطفال.
ولكي تصعد المرأة سلم العمل في الغرب عليها أن تتخلى عن وظيفة الأمومة بشكل واسع، فإن سيدات الأعمال مضطرات إلى الإقدام على الإجهاض الاصطناعي كيلا يفسدن عملهن؛ ولهذا السبب تتحول سيدات الأعمال إلى مثليات لوطيات.
ثانيا: صورة الخنثى، أي المرأة التي لم تعد امرأة عمدًا، فتخفي أنوثتها وترتدي ثياب الرجال وتحاكيهم في السلوك وفي لهجة الكلام وما إلى ذلك.
وثمة عاملان أساسيان يوضحان بقدر كبير تطور ظاهرة الانتحار المسماة بمركب (تاناتوس) بوتائر سريعة في إطار الحضارة الغربية.
العامل الأول هو العامل الاقتصادي: فالمرأة المستهلكة هي العنصر المفصلي في المجتمع الغربي المعاصر. والقطاع الأكثر تحركاً في الاقتصاد الاستهلاكي هو إنتاج السلع المخصصة للمرأة المستهلكة؛ فالنساء بالذات يقدمن بهذا الشكل أو ذاك على 75% من جميع المشتريات في العالم.
ولذلك فإن أقصى حد من الانفتاح الاقتصادي للمرأة وتحررها من جميع الوظائف التقليدية «بما فيها الأمومة» التي تعيقها عن الاستهلاك وعن المشاركة في تجديد الاقتصاد الاستهلاكي هو إحدى القيم المفصلية في المجتمع الغربي المعاصر.
والعامل الثاني هو ما يسمى بالعامل «الأزرق» (الشاذون)، ويمكن -بمعنى ما- توصيف الغرب بأنه «حضارة الشذوذ الناشئة». فثمة صلة مباشرة بين طبيعة تطور الحضارة الغربية في السنوات الخمس الأخيرة وتزايد عدد ونفوذ مجتمع الشواذ اللوطيين الذي يتقوى جبروته في الأقطار الغربية. ففي الوقت الحاضر ثمة شاذ لوطي، أو شاذة سحاقية، من بين كل عشرين شخصًا من سكان بريطانيا الأصليين، إلا أن نفوذ هذه الأقليات الجنسية أكبر بكثير من تعدادها نظرًا لانتماء «الزرق» و«الورديات» (السحاقيات) إلى الفئات العليا من المجتمع المقام الأول.
إن الشاذين لا يخفون قيمهم وأحاسيسهم بل على العكس يروجون لها بحماس وينشرونها بنجاح ملحوظ في المجتمع التكنوقراطي المعاصر. وفكر الشذوذ يعتبر أحد أبرز اتجاهات الفكر والثقافة في المجتمع الغربي الحديث. وقد بات اللباس الأزرق، في عداد الموضة، وليس ذلك حسب، بل بات أمراً أكثر إلحاحاً للتقدم على سلم المهنة. فإن كبار الحزبيين وعمدات العواصم يعلنون باعتزاز عن «زرقتهم»، وهناك فنون ورسامون وفنانو تصاميم وخبراء أزياء وملحنون وأصحاب صناعات ترفيهية معروفون على النطاق العالمي يسفرون بكل قاحة عن انتمائهم إلى الشاذين، وقد استولت عشائر الشذوذ في الواقع على التلفاز والسينما. ولم يعد زواج المثليين فيما بينهم في السنوات العشر الأخيرة ظاهرة نادرة بل تحول إلى شيء يكاد يكون معتادًا.
السناتور الأمريكي الشاذ د. ستادوس الذي اغتصب صبيًّا في السادسة عشرة من العمر رشح نفسه مجددًا لهذا المنصب عن لاية ماساشوتيس وأعيد انتخابه في هذه الولاية الكاثوليكية، أما السناتور الآخر ب. فرانك فقد أفلح بسهولة في تجنب مسئولية قيامه بحماية «حبيبه» الذي يمتلك مبغى في ضيعة السناتور المذكور. وإلى ذلك ففي عهد الرئيس كلينتون كان السناتور فرانك يصطحب «حبيبه» إلى جلسات مجلس الشيوخ وفي العام 2001 تولى الشاذ جنسيًّا هورميل منصب سفير الولايات المتحدة في لوكسمبورج.
وبالمناسبة، فإن أحد أفضل جواسيس «كي جي بي» الذين عملوا في الولايات تحدة، وهو ضابط كبير في الاستخبارات مريكية عرض خدماته طوعًا على الاستخبارات الروسية احتجاجًا على تفشي الشذوذ الجنسي والمخدرات داخل أروقة المخابرات المركزية الأمريكية..
الكنيسة الغربية
ثم الكنيسة الغربية أصبحت ميالة إلى الزرقة أكثر فاكثر. ففي العام 1972 ظهر أول كاهن لوطي في تاريخ البروتستانتية كان يعمل في كنيسة المسيح الموحدة التي هي من أقدم المعابد في الولايات المتحدة. وفي العام 2005م ظهر أول كاهن غير جنسه بعملية جراحية، ومؤخرًا صادق المجمع المقدس العام لكنيسة المسيح الموحدة على قرار يسمح بإجراء طقوس زواج المثليين. وأيد هذا القرار حوالي 80% من أعضاء المجمع المقدس. كما أن الكنيسة الإنجليكانية لم تختلف عن كنيسة المسيح الموحدة فهي أيضًا غيرت موقفها جذريًّا من الشاذين، وقد تحدث أسقف کنتربيري رئيس هذه الكنيسة روبن وليامز أكثر من مرة في الأونة الأخيرة عن ضرورة اتخاذ موقف إيجابي من «الزرق» الشاذين.
وبهذا الخصوص كتب أحد الخبراء الروس المعروفين يقول: «إن مسيحية كهذه ودينًا كهذا يميل حيثما تميل الريح تبعًا للاتجاهات الاجتماعية الجارية لن يجتذب أحدًا، بل ينفر الجميع، فإن هذا النوع من الحرية في الكنائس البروتستانتية يحط من سمعة المسيحية في الواقع؛ فالناس الذين يبحثون عن سند متين، في عالم سريع التغير ولا يعرف الاستقرار مطلقًا لن يثقوا بمسيحيين تتعارض أفعالهم مع نصوصهم المقدسة وتعاليمهم التي مرت عليها قرون؛ ولذلك يلاحظ في العالم بأسره توجه نحو الإسلام الذي يقدم منظومة راسخة من القيم والبرامج الاجتماعية الفاعلة دون أن يتخلى عن الأصول الأساسية للتوحيد».
علمًا بأن الترابط بين الإيمان والعائلة الكبيرة في التاريخ البشري ترابط مطلق، وكلما كان الناس متمسكين بالدين كان مستوى المواليد عند ذلك الشعب أعلى.
ولقد لعبت دورًا كبيرًا في انتشار الأمراض النفسانية وتحول المجتمع الغربي إلى مجتمع عصابي وفي تصعيد مركب تاناتوس مجموعة صغيرة ومتنفذة من مجاميع المؤسسة القيادية في الغرب مكونة من أصحاب دور الأزياء؛ فهم في الواقع منظرو «مجتمع الزرق» وزعماؤه، ولهم القول الفصل في الأزياء والموضة ونمط الحياة، أي أنهم يرسمون إستراتيجية وتكتيك المجتمع الاستهلاكي الغربي في حقيقة الأمر.
تنظيمات شاذة
إن المثليين «الزرق» منظمون جدًّا ولهم تنظيماتهم الخاصة وهم بالطبع يسعون إلى التوسع السياسي والثقافي والاجتماعي إلى حد شغل المناصب القيادية في أصعدة السلطة العليا، وبالتالي فإن الحضارة الغربية كلها تغدو بالتدريج عرضة لهجمة واسعة النطاق من جانب الأيديولوجية والثقافة والسيكولوجية المثلية التي يزداد نفوذها يومًا بعد يوم.
ويرى أحد علماء الاجتماع الروس أن مجتمع اللوطيين واقع موجود موضوعيًّا، ومعظمهم أناس موهوبون وموفقون ولهم مكانة اجتماعية. وفي مثل هذه البيئة يكون اللوطي (ذكرًا أو أنثى) عاملاً بشريًّا مناسبًا تمامًا، ونموذج سلوكه هو الأمثل بالنسبة للمجتمع الحديث؛ فهو ليس لديه أطفال ولا يتحمل مسؤولية عنهم.
ولما كان المجتمع المثلي عاجزًا عن التكاثر فإن قضية تجديد المجتمع الغربي تغدو محرمة على البحث وتتعرض للتزوير.
وثمة نقطة أخرى ذات دلالة؛ ففي ظل الاتجاه العام لتفاقم الأمراض النفسانية في إطار الحضارة الغربية نجد مجتمع المثليين غير التقليدي جنسيًّا يسجل أكبر مؤشرات الأمراض النفسانية والشذوذ الجنسي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل