العنوان لهذه الأسَباب.. رفض العَالم الإسلامي فيلم «الرسَالة»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-1977
مشاهدات 80
نشر في العدد 331
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 04-يناير-1977
«عَلى هَذه الصَفحَات نعيد نشر الأسباب والحَيثيات التي رفضت الهيئات وَالشخصيَات الإسلاميَة في الكويت الفيلم بموجبها».
انطوت القصة التي أسموها «فيلم محمد رسول الله» على أخطاء علمية وتاريخية بالغة التخريف، وانطوت على تفسير مادي للسيرة، وإيقاظ للنزعات الطائفية، ومداهنة للنصارى واليهود.
▪ وفيما يلي نستعرض أهم التحريفات والتشويهات في الوقائع وفي تفسيرها وتصويرها:
- ظهر المسلمون- على عرفة- في حجة الوداع غير محرمين، وهذا جهل شنيع بأداء المناسك.
- عصفت ريح بمعسكر المشركين في بدر وهذا غير صحيح لأن المسلمين نصروا بالريح في غزوة الأحزاب لا في بدر.
- في الفيلم فتح المسلمون مكة على قرع الطبول، وهذا غير صحيح لأن الفتح كان بالتكبير.
- تعليقًا على استشهاد ياسر وزوجه سمية زعم أحد الممثلين أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «باركهما الله»- وهذا تعبير نصراني كنسي، لم يقله رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
- في الفيلم مشهد أحرقت فيه الأصنام والصحيح أن الأصنام كسرت تكسيرًا.
-لم تقرأ النصوص بطريقة سليمة- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج: 26)، فتح الممثل الكاف في «لا تشرك» بينما النص القرآني بتسكين الكاف، الآية الكريمة: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ (مريم: 21)، قرأها الممثل بتسكين اللام في «ولنجعله» بينما النص القرآني بكسر اللام.
في رسائل الرسول- صلى الله عليه وسلم- لقيصر وكسرى قرأ الممثل عبارة «أسلم تسلم» بكسر الهمزة وفتح اللام في «أسلم» بينما النص الصحيح فتح همزة أسلم وكسر لامها.
- في خطبة حجة الوداع زيدت كلمات ليست منها وحذفت كلمات من سياقها العام.
- في رسالة النبي- صلى الله عليه وسلم- لقيصر زعم الفيلم أن في النص: «فإن أبيت فعليك إثم المجوس» والصحيح أن هذه العبارة وجهت لكسرى أما العبارة الخاصة بقيصر فهي: «فإن توليت فإن عليك إثم الأكارين».
- لم يقل الرسول- صلى الله عليه وسلم- عندما دخل مكة «ومن دخل الكعبة فهو آمن»، كما زعم الفيلم وإنما قال «ومن دخل المسجد فهو آمن».
- صور الفيلم المسلمين في مكة في مشاهد مقاومة وقتال للمشركين، وهذا خطأ لأن المسلمين في هذه الفترة لم يؤمروا بقتل ولا مقاومة.
- زعم الفيلم أن الآذان للصلاة كان بني على اقتراح من أحد المسلمين ثم وافق عليه حمزة- رضي الله عنه- وهو تحريف فالآذان كان رؤيا رآها عبد الله بن زيد بن ثعلبة، فأقرها الرسول- صلى الله عليه وسلم- فجاء عمر فقال: يا نبي الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال الرسول: فلله الحمد.
- استهل الأذان- في الفيلم- بتكبير فقط، كما رفع الأذان لجمع الناس للجهاد، وهذا خطأ، فالأذان يبدأ بأربع تكبيرات، ولم يستنفر المسلمون للجهاد بواسطة الأذان.
- زعم الفيلم أن المسلمين خرجوا إلى بدر من أجل القتال- المشهد صورهم وهم يستعدون للقتال- وهذا تحريف خطير فالرسول- صلى الله عليه وسلم- لم يعزم على أحد بالخروج ولم يستحث متخلفًا، ولم يحدث قط تأهب لقتال مرتقب، إنما كانت الموقعة مباغتة.
▪ التفسير الماركسي للسيرة
في فيلم «محمد رسول الله» أن الوحي نزل على الرسول وهو في غار حراء وهو نائم، وهذا تحريف وافتراء فالوحي تنزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقظان.
إن الرؤيا الصالحة التي كانت تأتي كفلق الصبح إنما هي إرهاص بالوحي، أما التنزيل، وأما إرسال جبريل عليه السلام بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: 1-2).
فكان يقظة- لا منامًا- ومن شواهد ذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أخذه الملك فغطه حتى بلغ منه الجهد ثلاثًا، ثم قال:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1). وهذه حالة مجالها الوحيد.. اليقظة.
لكن الفيلم تمشيًا مع أفكار مؤلفه الرئيسي عبد الرحمن الشرقاوي المعروف بنزعته الماركسية قد زعم ما يتناقض مع الوقائع الموثقة ففي كتابه «محمد رسول الحرية» يقول عبد الرحمن الشرقاوي في ص ٦٩: «كان عائدًا من حراء... لم يبرحه إلى مكة.. ولكنه كان نائمًا في الغار وخلال نومه حدث شيء هائل.. غريب»، حتى التشريع القرآني- عند عبد الرحمن الشرقاوي- إنما هو حلم من الأحلام.
يقول في ص ۷۰: «وظل يحلم وهو نائم.. يحلم بأشياء رهيبة حقًا لقد طالما حلم وهو نائم.. أنه يعيش في عالم أفضل.. تخفي فيه المرأة زينتها فلا تبيحها إلا لزوجها صاحب الحق فيها».
والرسالة كلها انعكاس لظروف اجتماعية عند المؤلف الرئيسي للقصة.. يقول ص ٧٤: «هيأت الظروف الاجتماعية مكانه فكان من الضروري أن يقبل ليملأ مكانه المرتقب».
وفي التفسير الماركسي للتاريخ أن أي حركة أو دعوة جديدة إنما هي استجابة لظروف اجتماعية معينة، ومن ثم كان الفيلم يموج موجًا بالأفكار التي تفسر الأحداث ومواقف الناس تفسيرًا ماديًا.
في هذا الفيلم، انطلق المسلمون يجاهدون بناء على اقتراح من عبد الله بن أبي، فكما في المشهد السينمائي خطب ابن أبي المسلمين وحرضهم على القتال من أجل أموالهم وبيوتهم وتجارتهم وكان حمزة- رضى الله عنه- يسمع فما لبث أن دخل على الرسول- صلى الله عليه وسلم- واقترح عليه قتال أهل مكة، وبدون فارق زمني نزل قوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39).
وبهذا التصوير الغريب يريدون تفسير الجهاد في الإسلام تفسيرًا ماديًا من أجل المال والتجارة، يتناقض تمامًا مع أهدافه الحقيقية وهي: في سبيل الله وابتغاء رضوانه، وإعلاء كلمته.
ومضيًا مع التفسير المادي صورت القضية على أنها صراع بين الأغنياء والفقراء، أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف من جهة وزيد بن حارثة، وبلال بن رباح وعمار بن ياسر- رضي الله عنهم- من جهة أخرى، ويوشك الفيلم أن يعد محمدًا- صلى الله عليه وسلم- من هؤلاء- بحسبانه فقيرًا ولولا النقد اللحوح المبكر لشاهد الناس ما يروعهم أكثر وأكثر.
في كتاب «محمد رسول الحرية» ورد النص التالي- ص ۷۳-: «وبعد شهور وشهور من التأمل والضنى خرج محمد ليعلن أن هذا القضاء الغاشم الذي فرضته الآلهة والكهنة والأصنام في أقطار الأرض إنما هو أكذوبة ومصيدة للضعفاء والفقراء الذين لا يملكون من الأمر شيئًا».
إن قصة الحياة في معايير التفسير المادي للتاريخ إنما هي نفس قصة الصراع الطبقي بين الفقراء والأغنياء.
وفي الآونة الأخيرة ظهر اتجاه فكري ينحو في تفسير الإسلام هذا المنحى على رأسه عبد الرحمن الشرقاوي ومحمد عمارة، وأحمد عباس صالح صاحب كتاب «اليمين واليسار في الإسلام»؟
▪ النزعة الطائفية في الفيلم
وإلى جانب التفسير المادي للسيرة، هناك نزعة طائفية تحرف الوقائع وتصور الوقائع في إطار طائفي:
- أبو سفيان بن حرب، يشكك في إسلامه حتى آخر لحظة.
- هند بنت عتبة، تشوه شخصيتها.
ويركز على دورها الجاهلي دون أدنى ذكر لحسن إسلامها، وعلى الرغم من ضعف المستوى الفني فإن المخرج استطاع أن يسخر الكاميرا- بإتقان- لخدمة النزعة الطائفية.
- أبو بكر- رضي الله عنه- لم يأخذ مكانه المعلوم في السابقة والدعوة والصحبة العظيمة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم.
إن معجزة الإسراء والمعراج لا تذكر- إلا ويذكر معها أبو بكر- رضي الله عنه- حيث بادر إلى التصديق في يقين الأبرار، فهل أغفل الفيلم هذا الحادث العظيم تفاديًا لذكر أبي بكر- رضي الله عنه؟
- في هجرة أبي بكر مع الرسول نزل قرآن كريم.. لم يذكر هذا القرآن، رغم تهيؤ المشهد له وتعبيره عن الصحبة الكريمة.
- في بدر- وغيرها- كان موقف أبي بكر- رضي الله عنه- عظيمًا كريمًا، لكن الفيلم حاول أن ينال من هذه المواقف عن طريق الإهمال.
- وإسلام عمر- رضي الله عنه- كان فتحًا للإسلام والمسلمين ولا يستطيع مؤرخ منصف أو قاص أمين أن يتغافل عن «يوم» إسلام عمر- رضي الله عنه- ولا عن فرحة المسلمين به، بيد أن الفيلم طوى هذه الصفحة الناصعة كما طوى صفحات مشرقة من جهاد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه.
- في الهجرة، أمر أبو بكر ابنه عبد الله- رضي الله عنهما- أن يتسمع أخبار قريش فإذا جن الليل أقبل ينبؤهما بما حدث خلال النهار، كما أن عامر بن فهيرة مولى أبي بكر كان يريح غنمه على الصاحبين في الغار ليتغذيا.
هذه مشاهد حية من الناحية الفنية، لكن الفيلم أهملها تمامًا، والأدوار العظيمة لصحابة أجلاء أوائل أمثال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم- رضي الله عنهم- أهملت.
وطبيعي: لن يطالب مسلم بظهور هذه الصفوة المختارة على الشاشة إلا أن ذكرهم- بالكلام- لم يرد.
▪ مداهنة للنصارى واليهود
وفي الفيلم مداهنة ظاهرة للنصارى واليهود أثناء تلاوة جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه- آيات قرآنية من سورة مريم أمام النجاشي، بتر السياق فجأة.. بدأت التلاوة بقوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ (مريم: 16)، وانتهت عند قوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ (مريم: 21).
لم يستمر السياق حتى نهايته الطبيعية حيث يفصل القرآن الكريم في الادعاء بأن عيسى- عليه السلام- ابن الله، ويقرر أنه عبد الله: قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: 30)، وينفي ادعاء النصارى.. ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (مريم:.35).
- الكاميرا في الطائف تركز على «صليب» عداس ويختار المخرج أجمل الممثلين لدور عداس، وهي دعاية نصرانية حديثة، إذ تعمد الكنيسة إلى شباب وسيم من الجنسين وتجندهم للتبشير النصراني، أما اليهود فقد كانت مداهنتهم أكبر وأبرز.
▪ لقد أغفل الفيلم ثلاث قضايا بارزة، مداهنة لليهود:
- أغفل دورهم الإجرامي في الكيد للإسلام والمسلمين.
● يهود بني قينقاع الذين اعتدوا على أعراض المسلمين فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى استسلموا وكانت هذه بداية الصراع مع اليهود.
● ويهود بني النضير الذين خططوا لقتل الرسول- صلى الله عليه وسلم- فأجلاهم عن ديارهم، وفي هذا نزلت سورة كاملة هي سورة الحشر.
● ويهود بني قريظة الذين طفق زعيمهم حيي بن أخطب يحرض الأحزاب على الإسلام ورسوله فسارع الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى تأديبهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
● ويهود خيبر الذين تحالفوا مع غطفان والأعراب الضاربين حولهم من أجل العدوان على المسلمين، فسار إليهم المسلمون ودكوا حصونهم دكًا.
- وأغفل تحويل القبلة، وهو حدث عظیم جدًا، كان المسلمون يتجهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى، فتحولوا إلى المسجد الحرام، وهو حدث لغط اليهود حوله كثيرًا وحاولوا التشنيع على المسلمين.
-وأغفل الإسراء والمعراج.
والجانب السياسي واضح في إغفال العلم لهذه القضايا الكبيرة والحاسمة في السيرة فالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وتحويل القبلة، أمران مرتبطان بالقدس الذي احتله اليهود في هذا الجيل، والإغفال هنا يحقق هدفًا سیاسيًا لليهود وهو عزل المسلمين عقائديًا وتاريخيًا عن قضية القدس وما يرتبط بها من قيم ومواقف جهادية.
ومكائد اليهود للرسول- صلى الله عليه وسلم- تبرز طبيعة الصراع بين هذه الأمة.. ويهود، وإغفالها كذلك يحقق هدفًا سياسيًا للصهيونية وهو: تجريد المسلمين من السلاح الذي واجه به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- اليهود وهزمهم.. سلاح العقيدة والإيمان واليقظة الدائمة، والتأهب الجهادي المستمر.
▪ ضعف المستوى الفني
والفيلم من الناحية الفنية ضعيف المستوى فالحوار غير متماسك، ولغة الفيلم ركيكة جدًا، في اختيار الألفاظ والعبارات وفي النطق والحركات المصاحبة للكلام منتزعة من بيئات غير متمسكة بالأصالة العربية الإسلامية.
والممثلون- بالإضافة إلى أنهم ليسوا من الصف الممتاز فنيًا- غير منفعلين بأدوارهم، ولا ينبض سلوكهم العام بالصدق والتفاعل التلقائي بل إن التكلف هو الطابع الغالب على أدائهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل