العنوان لو أنهم اختاروا البداية من القمة..؟
الكاتب ابتهال قدور
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1992
مشاهدات 42
نشر في العدد 1013
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 25-أغسطس-1992
لو أنهم اختاروا البداية من القمة..؟
بقلم: ابتهال
قدور
خطأ المدنية الغربية في نقطة الانطلاق
عالم آخر في
مجال الطب ينضم إلى صفوف من سبقه، ويعلن بعد ثلاثين عامًا من التنقيب والبحث: «أن
النظرية المادية في الخلق خطأٌ كبيرٌ ولدي الأدلة، عالم الروح موجود، وهناك حياة
أبدية. اكتشفت هذا وأنا أبحث في خلايا الدماغ البشري».
نتيجة سليمة
تمخضت عن الاندماج مع الواقع بجدية وصل إليها العالم الفرنسي جون أيكلس إلا أنها
متأخرة جدًا بالنسبة للعمر الزمني للإنسانية، وهي في ذات الوقت تنم عن خطأ واضح في
الترتيب بين البدايات والنهائيات، وهذا عيب متأصل في المدنية الغربية. إن ما يفعله
الغرب اليوم هو الاندماج مع الواقع، وإخضاع جميع قدراته وإمكاناته لعملية تفاعل حي
مع هذا الواقع، وهذا وضع يؤدي غالبًا إلى الوصول إلى إجابات سليمة، وواضحة في معظم
ما يتعلق بالإنسان وما حوله؛ ذلك لأن الواقع ربما كان من أفضل المجالات التي تعرض
آثار تحركات الأفراد؛ لأن الواقع وهو يشمل كل أشكال الإبداع، وكل أشكال التخلف
أيضًا يعتبر «البانوراما الصادقة» لمستوى الأفراد ولتقييم أعمالهم. لذلك كان الخوض
فيه من أفضل الأساليب لأخذ العبر واستمداد الحقائق ومطابقة صحة الأفكار أو خطئها،
إذ أن كل فكرة لا تثبت تطابقها مع الواقع تظل فكرة عقيمة، وكل حقيقة وعبرة لا
يؤكدها الواقع تظل مشكوكًا في صحتها وصدقها. وما يفعله الغرب هو من ضرورات تحقيق
التفوق الحضاري إلا أنه لا يعتبر كافيًا أبدًا؛ لأن هذا الوضع وإن كان يتيح لهم
الوصول إلى نتائج مطابقة للكثير من الحقائق الكونية إلا أنه يكلفهم من الخسائر ما
يستعصي على الحصر.
النموذج الإسلامي: البداية من القمة
هذه الخسائر لم
تتجنبها الحضارة الإسلامية فحسب، إنما استطاعت أن تحولها إلى مكاسب، تلك الحضارة
التي كان من بعض أسرار نجاحها «سواء في سرعة انتشارها أو في عمق أثرها أو في روعة
نتائجها وتكامل الإبداع الذي حققته في مختلف الجوانب الحياتية».
إنها بدأت بداية
سليمة، فاختصرت المسافات الطويلة للمجهودات البشرية.
ذلك لأن الحقائق
والمرتكزات التي يقدمها الإسلام لتكون بداية المسار الحضاري تعتبر – إن صح التعبير
- بداية من القمة وليس من السفح.. وليس من يبدأ من القمة كمن يبدأ من السفح، وليس
من ينطلق وهو مبصر كمن ينطلق وهو أعمى!!
فالحضارة
الإسلامية تعاملت مع الواقع بنفس المفاهيم، ونفس الجدية، إلا أن اعتمادها على
تجارب الواقع لم يكن ليجعلها تفرط في حقائق وقواعد تأسيسية سليمة ودعامات قوية
رفيعة، جعلتها توفر على نفسها وعلى الإنسانية بكاملها الكثير من الكوارث والخسائر،
واستطاعت من خلالها تحقيق ما لم تحققه غيرها من الحضارات إلا إذا انطلقت من نفس
نقطة انطلاقها وارتكزت على نفس مرتكزاتها.
دعوة للبدء من الحقيقة الكبرى
صحيح أن التفاعل
الحي بين الأفراد والواقع على الصعيد الحركي والفكري لابد وأن يتمخض عن نتائج
سليمة ولو بعد حين، ولكن هذا يتم بعد تقديم الكثير من الخسائر التي تستطيع تجنبها
وتفاديها حين نحسن اختيار البداية.
نعود إلى هذا
العالم الفرنسي ونقول: لو أنه انطلق من ذات الحقيقة التي توصل إليها بعد جهود
مضنية لكانت نتائج أبحاثه اليوم أرقى وأعظم، ولتقدمت بالإنسانية أشواطًا عما هي
عليه الآن.
فأية جناية
يرتكبها الغرب في حق الإنسانية، وهو يتجاهل المعطيات السليمة التي جاءت على شكل
حقائق من المفترض أن تكون نقاط البداية!! وأية جريمة يرتكبها وهو يشتت جهوده
وطاقاته في البحث في أمور قد سبق فيها القول منذ آلاف السنين!!!