العنوان ليبيا بعد الثورة (2-4).. زيارة زليتن
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر الجمعة 24-فبراير-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 1990
نشر في الصفحة 42
الجمعة 24-فبراير-2012
ذهبت المحاضرة في زليتن وتحدثت مع طلاب ثانوية علوم الحياة وبينت لهم أهمية الإبداع والتميز في طلب العلم
.. أوضحت لهم أن العرب عرفوا المدارس الطبية الحديثة منذ قرابة ١٧٠ عامًا لما فتح «محمد علي» مدرسة الطب بالقاهرة ورغم ذلك مازال الكبراء إذا مرضوا يذهبون للغرب
توجهت إلى مصراتة وحاضرت في كلية المعلمين عن مكائد الصليبيين واليهود لإجهاض الثورة وسرقتها وحذرتهم من الخلاف والتنازع المؤدي إلى الفرقة
في زليتن، ذهبت المحاضرة في مسرح البلدة ضحى، واجتمع طلاب ثانوية علوم الحياة، فتحدثت مع هؤلاء الطلاب مبينًا أهمية الإبداع والتميز في طلب العلم، وأن كل الدول العربية وأغلب الدول الإسلامية هي دول تابعة للغرب أو الشرق في كل حاجاتها الأساسية من طعام وشراب، ودواء، وسلاح، ووسائل اتصال ومواصلات، والبحث العلمي.. إلخ.
وأن سبيلنا للخروج من هذا النفق المظلم هو التوكل على الله سبحانه وتعالى، ثم الاعتماد على قدرات الشباب وعلى رأسهم شباب الثانوية، وضربت لهم أمثلة ثم لما سألتهم عما يريدون أن يتخصصوا فيه فأجاب أغلبهم أن تخصصهم المراد هو الطب، فبينت لهم أن الطب لابد له من عزم وقوة، وبذل أقصى الجهود والتضحيات حتى يحصل التميز المطلوب في الطب، وبينت لهم أن العرب عرفوا المدارس الطبية الحديثة منذ قرابة مائة وسبعين سنة، لما فتح «محمد علي» مدرسة الطب في القاهرة، وبعد تلك المدة الطويلة مازال كبراء العرب ووجهاؤهم ورؤساؤهم وأمراؤهم إذا مرضوا فإنهم ييممون وجوههم تلقاء بلدان الغرب، ومعنى هذا أن الطب في بلادنا العربية غير موثوق به من قبل أولئك، وهذه معضلة كبيرة، ثم أجبت على أسئلتهم، وكنت مسرورًا بلقاء أولئك الطلاب الذين أرجو أن يكونوا نواة ليبيا الجديدة.
لقاء المثقفات
ثم كان هنالك لقاء مع بعض النسوة المعلمات والطبيبات والمثقفات وغيرهن في المسرح نفسه بعد صلاة العصر، وكان لقاء فيه كثير من الصراحة والوضوح عن الوضع النسائي في ليبيا، وأنه لابد للنسوة الإسلاميات من الاستعداد لانفتاح كبير قادم حيث ستنشأ في ليبيا قنوات فضائية وجرائد ومجلات وإذاعات ومؤسسات وهيئات وجمعيات وجماعات وأحزاب، وكل ذلك بحاجة إلى قيادات نسائية واعية رشيدة مستمسكه بإسلامها تدور حول دينها لا تفرط فيه ولا تتنازل عن ثوابته، فلابد من الاستعداد من الآن لذلك اليوم القريب، وإلا فسيملأ الفراغ نسوة مشبوهات لهن صلات خارجية.
وعرجت بعد ذلك على «حجاب الموضة» الذي تعاني منه كثير من البلاد العربية والإسلامية، وإنما أثرت هذا الموضوع لأني رأيت ليبيا في عافية منه - تقريبا - ولله الحمد والمنة، وحذرت النسوة من انتشاره في البلاد، فحجاب معظم النساء الليبيات منضبط شرعًا، وكثيرات منهن منقبات وهذه نعمة من الله تعالى.
وبينت للنسوة أهمية العناية بالبنات في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ ليبيا، خاصة البنات في المدارس، وذكرت لهن قصة هدى محمد سلطان (هدى شعراوي)، وكيف استطاعت بمعونة حراب الإنجليز أن تغير من تاريخ مصر المعاصر في جانبه النسائي، وأصبح السفور هو الأصل في مصر إلى أن أنجدها الله تعالى بالصحوة الإسلامية المباركة عقب حرب رمضان سنة 1393هـ / ١٩٧٣م.
مخططات الغرب
ولما كانت كثير من المعلمات قد حضرت المحاضرة فقد بينت لهن أهمية العناية بطالبات المدارس؛ لأن بداية ضلال هدى شعراوي كانت على يد مدرستها الفرنسية في المدرسة الثانوية - كما ذكرت هي نفسها في مذكراتها - فقد كانت تلك المرأة تنفرس في هدى أنها قادرة على تنفيذ مخططات الغرب، فكانت تصارحها بأنها مؤهلة لتحرير المرأة المصرية من الظلم!! وأنها قادرة على ذلك وتشجع الفتاة بكل وسيلة، وكانت تأخذها إلى بيتها وتعلمها الرقص والضرب على «البيانو» وتأخذها إلى الحفلات الفرنسية في القاهرة حتى استوت تمامًا: فأرسلتها ممثلة للمرأة المصرية في مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي في روما سنة 1339/1923م، ثم عادت إلى مصر لتنشئ «الاتحاد النسائي المصري»، وعُنيت بمجموعة من النسوة كان لهن أسوأ الأثر في المجتمع المصري والعربي ك «أمينة السعيد»، و«سيزا النبراوي»، و«نوال السعداوي» و«سهير القلماوي».. وغيرهن من الضالات عن دينهن وشرعهن.
وبعد صلاة العشاء كانت هناك محاضرة في أحد الجوامع وكانت عن ذكر الله تعالى وأهميته، ثم أجبت عن أسئلة الحاضرين وكانت مهمة وتدور على الوضع الليبي، والعجيب أنهم ذكروا لي أن بعض الناس ما زال يعتقد أن «القذافي» هو ولي أمر شرعي، وأن إزالته كانت عملًا آثمًا!! فرددت بأن الرجل قد كفر من أكثر من وجه، ويجب بإجماع العلماء إزالته إن أمنت الفتنة وهذا هو الذي حصل في ليبيا، ولله الحمد والمنة.
محاولات إجهاض الثورة
وفي اليوم التالي توجهت إلى مصراتة، وحاضرت في كلية المعلمين في معان مشابهة لما ذكرته أنفًا، وأضفت عليها التحذير الشديد من مكائد الصليبيين واليهود التي هي موجهة لإجهاض الثورة الليبية وسرقتها، وحذرتهم من الخلاف والتنازع المؤدي إلى الفرقة وربما تقطيع أواصر الوطن وأوصاله، وضربت لهم مثلًا بما جرى في السودان، وقلت لهم: إن السعيد من اتعظ بغيره لا من وعظ به غيره.
ولما كانت الطالبات من الكثرة الكاثرة من الحاضرين، فقد وجهت الخطاب إليهن في موضوعات متعددة، منها أهمية فهم المرأة لوظيفتها الجليلة، ألا وهي تربية الأولاد على الإسلام والفضائل، وعليها ألا تنصاع للدعوة القائلة: إن بقاء المرأة في بيتها تخلف ورجعية، وقلت لهن إن المرأة إذا خرجت من مملكتها إنما تخرج لعمل سام آخر؛ مثل أن تكون طبيبة أو ممرضة أو مدرسة أو ما شابه ذلك من الوظائف المهمة، لا أن تخرج لتتوظف في وظائف لا تعود على المجتمع إلا بشتات البيوت وضياع الأولاد، وكان ذلك الكلام في سياق الرد على سؤال حول دخول المرأة الليبية البرلمان.
ثم زرت مكتبة الشيخ زروق في مصراتة، والشيخ زروق أحد متصوفة المغاربة، وهو من فاس، وقضى الثلاث عشرة سنة الأخيرة من حياته في مصراتة ودفن فيها سنة 8٩٩هـ، فلما مررت بقبر الشيخ أمام المكتبة سلمت عليه السلام الشرعي ودعوت له، ثم زرت المكتبة المسماة باسمه فوجدتها مكتبة ضخمة عامرة تحوي كتب العلوم الدينية واللغوية والتاريخية وكتب العلوم العصرية المختلفة، والقائم عليها طالب علم فاضل بنى المكتبة بجهوده وبإحسان أهل الخير بعد توفيق الله تعالى لهم، وأهداني كتبًا فجزاه الله خيرًا.
طلبات الروح والجسد
ثم ختمت زيارتي إلى مصراتة بدرس في جامعها بعنوان «التوازن في حياة المسلم»، وذكرت فيه التوازن بين طلبات الروح والجسد، والعقل والقلب وبين الأعمال الدعوية والعبادات، وطلبات العائلة والأولاد وطلبات الحياة المختلفة وهكذا.. ثم أجبت عن أسئلة الحاضرين الكثيرة بما لا يخرج في عمومه عما ذكرته سابقًا من معان ومضامين.
ثم شددت الرحال إلى مطار طرابلس الذي يبعد ۲۰۰ كم عن مصراتة لأسافر منه إلى بني غازي في شرق ليبيا.
وفي الطريق مررت بشارع «طرابلس» وهو أشد شارع تعرض للدمار أثناء الثورة، وفيه من شواهد إفساد «القذافي» وأزلامه الشيء الكثير، نسأل الله تعالى السلامة، ورأيت المتحف الذي أعد لحفظ ما جرى في الثورة المباركة والشواهد التي تدل على وحشية «القذافي» وأزلامه، لكن كان المتحف مغلقًا لأن الوقت كان في حدود العاشرة ليلًا.
ومن الطرائف أني شاهدت في السماء قذائف تشبه النجوم برتقالية اللون فسألت: ما هذا؟ فقال لي المرافقون هذا فقلت: وما «ميم طاء»؟ فتعجبوا من عدم معرفتي له وقال: مضاد للطائرات، فقلت: وما يصنعون به؟ فقالوا: إنهم يلهون به في الأفراح والمناسبات!!
هذا ولابد من القول بأني سمعت من مخازي «القذافي» وسوآته وسوآت نظامه شيئًا كبيرًا جدًا، ولا أحب أن أذكر ما سمعته حتى لا أضيق صدور القراء، لكن سيكشف كل ذلك قريبًا – إن شاء الله وسيعلم العالم من مخازي هذا الطاغوت ما سيحمدون معه ثورة الشعب الليبي عليه، والله المستعان.