; ليست القضية في الأشكال والبراقع وإنما هي في الغاية والهدف | مجلة المجتمع

العنوان ليست القضية في الأشكال والبراقع وإنما هي في الغاية والهدف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1983

مشاهدات 66

نشر في العدد 649

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 13-ديسمبر-1983

على هامش مؤتمر «الديمقراطية» في قبرص

ليست القضية في الأشكال والبراقع 

وإنما هي في الغاية والهدف 

* هل صحيح أن الديمقراطية هي المطلب الأساسي للجماهير العربية؟

* قمة المأساة أن دعاة الديمقراطية لم يكونوا ديمقراطيين في مؤتمرهم!!

* مصطلح الديمقراطية عريض ومطاط ويجمع النقائض!!

* لم يخل مؤتمر الديمقراطيين من مفكرين مستبدين!!

* كان في المؤتمر مفكرون حاوروا بالهروب من الحوار؟

* د. عبد الله النفيسي: لماذا سقط اسمه؟

* د. خير الدين حسيب: صاحب الدعوة

* طارق البشري: يوليو بلا ديمقراطية!!

* فتحي رضوان: أسلوب لا ديمقراطي؟!

هذا الاصطلاح الذي ارتفع الصوت به عدة أيام من خلال المؤتمر الذي دعا إليه «مركز دراسات الوحدة العربية» في ليماسول بقبرص، ما بين 26/11 و1/12/83م، ما زال يثير الأشجان ويطرح كثيرًا من التساؤلات:

* أولها: ما الديمقراطية؟ ما حقيقتها وماهيتها؟

- وثانيها: هل هي النظام الصحيح المناسب، لمجتمعنا العربي المسلم؟

- وثالثها: هل صحيح أنها مطلب الجماهير العربية الأساسي؟

- ورابعها: ما مدى الصدق في دعوة الديمقراطيين، وماذا عن ادعاء غالبية الأنظمة العربية للديمقراطية؟

* ما هذا المؤتمر؟

وهذه التساؤلات على المستوى الشعبي العام.

ولا بد أن هناك تساؤلات أخرى تخص المؤتمر المذكور، وتمس تفصيلاته:

- كيف تمت الدعوة إلى مثل هذا المؤتمر ومن ورائها؟

- لم اختير القسم اليوناني من قبرص ليكون مقرًا للمؤتمر؟

- ما مصداقية تمثيل المفكرين والسياسيين المشاركين في الأبحاث والمناقشات للتيارات السياسية، والفكرية الشعبية الموجودة على الساحة؟

- من سيضمن تنفيذ مقررات المؤتمر؟

- ما صلاحيات «المنظمة العربية للدفاع عن حقوق الإنسان» التي ابتدعها المؤتمر، وما قدرتها على الفعل؟ وما مدى استطاعتها الإلزام بمقرراتها؟

* حقيقة الديمقراطية:

إننا على الرغم من إحساسنا بضخامة المسؤولية ونبل الغاية، لنشك كثيرًا في جدية مثل هذه المؤتمرات وجدواها!! للأسباب التالية:

1- غموض المصطلح نفسه، وعدم وضوح المقصود منه، وبالتالي غموض المطلوب منه فعلا؟ فما هي الديمقراطية؟! فعلى رأي «دوروثي بيكلس» في كتابها «الديمقراطية» السؤال صعب!!

«لا لأنه ليس هناك تعريف متفق عليه فحسب! بل أيضًا لأن بعض التعاريف غامض إلى حد يجعله عديم النفع تمامًا.. إن الكلمة لغويًا تعني: حكومة الشعب، ولكن هذا التعريف يترك مشكلات كثيرة دون حل، ذلك بأن أي نظام سياسي في أي وقت- ديمقراطيًا أم لم يكن!!- لم يوفر للشعب بأسره مجرد اختيار الحكومة!! فكيف بممارسة السلطات الحكومية!» وبينما كانت الديمقراطية حسب رأي تشرتشل «أسوأ أنواع الحكم ما عدا كل الأنواع الأخرى التي جربت» صارت «فوق الشك كأشعة الشمس!!» عند سياسي آخر.

وفي الواقع.. إن المصطلح يتسع ليشمل أنظمة سياسية متنوعة، بعضها قديم وخبير، وبعضها جديد وعديم الخبرة نسبيًا، وهو مطاط إلى درجة أنه يتحمل الديمقراطيات الشعبية في المعسكر الشيوعي إلى الديمقراطيات البرجوازية في المعسكر الرأسمالي!! ويبقى للمصطلح في كل الأحوال حدان لا بد من توافرهما:

1- نظام حكومة.

2- مجموعة مؤسسات معتبرة، من مهامها إنجاز حاجتين أساسيتين:

أ- القدرة على سير الإرادة الحقيقية لأكثرية الشعب فيمن يمثلها وكيف سيحكمها؟ وهذا يعني: حرية تشكيل الأحزاب السياسية، وحق الانتخاب العام، والتصويت الحر.

ب- توفير الطرق الكفيلة بضمان قيام النواب المنتخبين بأداء ما أراده الناخبون فعلًا، والقدرة على استبدالهم عند الإخلال بذلك الواجب، مما يعني إيجاد وسائل لمراقبة عمل الحكومة..... إلخ.

- فهل هذا ما يدعو إليه المؤتمرون؟ وكيف سيحققونه فعلًا؟

* الدعوى والادعاء:

2- ثاني الأسباب في عدم الجدوى من الدعوة إلى الديمقراطية، أنها ليست لب القضية العامة عند الجماهير المسلمة، فرغم أنها تعبر عن طريق حكم، إلا أن بعض الجهات اعتبرتها عقيدة سياسية يمكن لها أن تلغي- وفي الأقل- تحل محل العقيدة الإسلامية منهجًا للحياة!! ولا حاجة إلى ضرب الأمثلة فالحركات السياسية معروفة الأسماء والاتجاهات.. وعليه، كيف يمكن تصور النجاح لدعوة خيالية، خالية من تأييد الجماهير؟ ومنقطعة عن تراثها الفكري والسياسي، وحركتها اليومية الدائبة؟

 وفي الحقيقة أن الجماهير المغلوبة على أمرها، لم تستطع إلى الآن أن تقدر على التعبير عن همومها وآمالها بشكل حر، وبأسلوب محايد ونظيف تمامًا!! ولذلك فإن أي دعوة بتمثيل الجماهير هي ادعاء عريض لا سند له من الواقع إلا ما تردده اليافطات يوميًا، وليس هذا بشيء!

* كمون الاستبداد:

3- ومن الأسباب ولعله أبرزها أن الديمقراطية، مجرد دعوى عند بعض القوم وادعاء عند بعضهم الآخر!!

فمن وقائع المؤتمر- وعلى مستوى مفكرين معتبرين لا يملكون سلطة القمع!!- قرأنا هذه الوقائع:

1- عند بحث «الديمقراطية وثورة 23 يوليو 52- 1970م» وهو الموضوع الذي تكلم فيه طارق البشري- المستشار في مجلس الدولة المصري- وأدان فيه بصراحة التجربة الناصرية في مجال الديمقراطية انسحب بعض الناصريين القدماء مثل: فتحي رضوان الوزير المصري السابق، وأحمد حمروش الضابط السابق والصحفي اليساري المعروف، ومحمد حلمي مراد السياسي والوزير السابق، وكان الدفاع عن الناصرية على طريقة التظاهرات والشعارات الغوغائية مثل ذكر المنجزات والقيادة الملهمة والحس التاريخي وفطنة القائد... إلخ مما سجل نقطة للباحث البشري الذي تقيد بالموضوع، وجعله في الديمقراطية حصرًا، فكيف تأتي الديمقراطية عن طريق هؤلاء؟!وهذا أسلوبهم في الحوار مع ند لهم؟!

2- وفي بحث التجربة الديمقراطية في الكويت، كان هناك، من خلال المناقشات- أكثر من ملمز للتجربة بل كان هناك تحريض عليها، وعلى الحركة الدينية بأسلوب لا يخلو من إرهاب فكري، «وتخويف ديمقراطي» مع تلويح بالإنذار بالخطر، حين جرت الإشارة إلى ما حصل للسادات عندما «استعان بالحركة الدينية وانتهى على يديها!!!».

3- الدكتور عصمت سيف الدولة الكاتب الناصري المعروف الذي حرم من حق الكلام مرارًا؟ وقطعت كلمته عندما تكلم، علق على ذلك التصرف بقوله: «الحمد لله أن أحدًا من الموجودين في هذه القاعة لن يصل إلى الحكم، وإلا كنا سنشهد المزيد من الاستبداد!!» ألا تلخص هذه العبارة «القضية المأساة».

4- وإشارة أخيرة مختصرة وعابرة: على أي شيء يدل سقوط اسم د. عبد الله النفسيس من قائمة مجلس أمناء المنظمة؟؟ ومدلوله النفسي؟! أم هو مجرد خطأ عابر؟! فأين الدقة إذن؟!

* خلاصة القضية:

نعود إلى مقولة البداية ونكرر:

ليس هذا تشكيكًا أو تقليلًا من جهود المؤتمرين الذين تداعوا حسب إقرار مدير المركز، بدافع ذاتي وإنساني، بقدر ما هو سير لجوهر المشكلة الديمقراطية في الوطن العربي، فليست القضية في شكل الحكم ولا أسلوبه، بقدر ما هي في غاياته وتوجهاته التي تجاوزت الأساسيات في تكوين المجتمعات العربية المسلمة، المنحصرة في الإيمان والعدل والحرية، إلى خصوصيات الحاكم المنحصرة في أمن النظام، وسلامة الحاكم، ومصالح الحكم.

ولا شك عندنا أن المسألة أوسع بكثير من سبعين مفكرًا يجتمعون في ستة أيام، ليبحثوا في مشكلة الديمقراطية!! إنها في إخلاص النية، وصدق التوجه، ومخافة الله، وفهم العصر، وإقرار العدالة، وبسط الحرية، والدعوة إلى الخير والمحبة لكل الناس، وعندها يتحقق المجتمع السليم، وبعدها يأتي الحاكم الصالح، وصدق الله العظيم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد: 11).

الرابط المختصر :