العنوان ليس أولئك... عرباً !
الكاتب الشيخ محمد الغزالى
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1973
مشاهدات 16
نشر في العدد 137
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 13-فبراير-1973
عندما أغار الاستعمار الحديث على العالم الإسلامي كان
عقله الباطن والواعي طافحًا بالحقد على الإسلام وأمته المترامية الأطراف.
كان عقله الباطن والواعي مستغرقًا في المكر بهذا الدين
والقضاء عليه، وكان اتجاهه إلى الاغتيال شاملًا للعقيدة والشريعة على السواء، أو للقلب
النابض والمظاهر المتحركة جميعًا.
إلا أن عمله لثقب الصدور، وتفريغ الإيمان منها وإبقائها
جوفاء فارغة كان أحظى لديه وأسرع لإبلاغه مأربه من أي تغيير آخر لأنماط الحياة وأشكالها.
ومن ثم استمات في محاربة الإيمان، وإنشاء أجيال جاهلة
بربها ورسولها أي بكتابها وسنتها. يقول شوقي مناجيًا النبي صلى الله عليه وسلم وباكيًا
ذلك الحال:
شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق
سبات
بأيمانهم نوران: ذكر وسنة فما بالهم
في حالك الظلمات؟
والحقيقة أن الاستعمار جرد أيدي المسلمين من الذكر الحكيم
والسنة المطهرة وبنى الثقافات التي احتضنها والنهضات التي أقرها على أن تكون بعيدة
كل البعد عن الكتاب والسنة.
وبناء الأمم على غير عقيدة لا يساوي شيئًا.. إن العقيدة
في الكيان الاجتماعي كالقلب في الجسد الإنساني، وكالتيار في المصباح الكهربائي، وكالوقود
في الآلة الدوارة.
واجتياح العقيدة في أمة ما معناه إبقاؤها على صعيد الأرض
مجموعات من الناس لا تصلح في سلم ولا حرب ولا تكترث إلا لملذاتها الفردية ولا تصير
في الأسرة الدولية إلا عضوًا زريًا يحسن الأكل والسقاء وحسب..
وقد أجدى الاستعمار أن يوقع بالمستضعفين النكبة الماحقة
عندما هبط أرضهم واستباح عرضهم، وقرر سرًا وعلنًا أن يفتنهم عن دينهم وألا يسمح لهم
بالعيش في ظله.
يقول الأستاذ أحمد موسى سالم(1): «إنه منذ أواخر القرن
التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وإلى اليوم ظهرت دعوات وصيغ كثيرة في بناء القومية
العربية، أو في العمل على تقويضها وتفتيت فكرتها، بعض هذه الدعوات أوحى به الاستعمار،
وبعضها أفرزه التخلف، وشجعه الشعور المهيمن بالتبعية الثقافية للغرب، وبعضها يمكن أن
يصحح نفسه ويتطور ويقترب من الاتجاه الصحيح.
وقبل أن نستعرض في إيجاز عابر صورًا دقيقة بقدر الإمكان
لهذه الدعوات أو الصيغ التي يتداولها الفكر في المجتمع العربي من الخليج إلى المحيط،
في إطار الدعوة للقومية العربية، ذلك منذ سقط الصرح البالي للإمبراطورية العثمانية
عن هذا الوليد العربي القوي الفتي الذي يصرخ بطلب الحياة، وبينما تستعد مخالب كثيرة
لأعدائه تدعي أمومته أو أبوته لتصنع منه عبدًا، وتفرض عليه وصاية من خلال حضانتها له
بفكر سياسي خاطئ، وإن كان له بريق:
1.
دعوة قديمة
حديثة ترفض الإقليمية والقومية معًا، وتنادي بالفكرة العالمية الغربية، وهذه تتردد
في أفكار فردية، أو مدارس فكرية مقنعة تتحرك هنا وهناك في مباحث ثقافية ذات طابع تحريري،
وهي دعوة تشجعها الصهيونية والاستعمار من قريب أو بعيد.
2.
دعوة إقليمية
ترفض القومية العربية، إيثارًا لوطنيات ضيقة باسم الفرعونية أو الفينيقية أو الآشورية
وهي أثر من آثار التحرك الاستعماري العاجل عقب سقوط الدولة العثمانية لقتل أي احتمال
لظهور وانتشار فكرة القومية العربية «بمعناها المقبول».
3.
دعوة لاتحاد
العالم الإسلامي ترفض القومية العربية(2)، وهي أثر من آثار وتراكمات الوجود التركي
في الوطن العربي، ودعوة تجند لها الاستعمار الجديد كل قواه لتفتيت الصمود العربي في
وجه الهدف من الوجود الإسرائيلي وهو يحاول من خلال جماعات إسلامية كثيرة، ووسائل إعلام
ملتوية أن يبث بها المخاوف من القومية العربية في قلوب علماء الدين.
4.
دعوة للقومية
العربية أوروبية الشكل والمضمون، وهي دعوة بثتها الصليبية في جهودها الكثيرة المتنوعة
لقتل القومية العربية داخل الجماعات الرجعية وقيادتها المثقفة التي تؤمن بـ «مجتمع»
الكبراء والصغراء، وتريد أن تفرض تصورها للقومية العربية بالشكل الذي يحمي نظرية التفوق
والدم وامتيازات رأس المال.
5.
دعوة للقومية
العربية ترفض الدين وتشترط هذا الرفض، وهي دعوة تمتزج فيها المؤثرات الثقافية الخارجية
بالانعكاسات المحلية من جيوب دينية باطنية.
6.
دعوة لاتحاد
وتضامن العرب تتجاوز إرادة الشعوب إلى علاقات الحكومات وتتمثل في جامعة الدول العربية
التي تأسست سنة 1944م بهدف «توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها تحقيقًا للتعاون
بينها وصيانة استقلالها كما جاء في ميثاقها».
7.
دعوة للقومية
العربية يتبناها التقدميون الماركسيون يضعون في مقوماتها التجانس الثقافي والعقلي ووحدة
النظرة إلى الكون في موضع الدين.. والأممية في موضع الإنسانية.
ولنا تعليق على الطيف الثالث من هذه الأطياف السبعة،
فإن العالم الإسلامي المركب من أجناس شتى يحترم العرب ويقدس لغتهم، ويعلم أن العرب
هم دماغ الإسلام وقلبه، وأنه يستحيل وجود إسلام من غير أمة عربية سيدة ما دام القرآن
عربي الآيات، وما دام النبي عربي التراث، وما بقيت مكة في مكانها من أرض الله. فالعرب
إن اكتشفوا ذاتهم واحترموا مكانتهم هم جزء من الرسالة الخاتمة ولن يتبرم بوضعهم مؤمن
أو يفتات على حقهم منصف.
ولكن يوم ينسى العرب هذه الحقيقة الدينية والتاريخية
فسينطبق عليهم قول القائل:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها هوانًا بها كانت على
الناس أهونا
والمؤلف الكبير ذكر أن هناك عربًا تجردوا من تاريخهم
ورسالتهم أو بعبارة أصرح: جردهم الاستعمار من ذلك كله، وأغراهم برفع راية العروبة وحدها
على نحو ما شرح في الطيف الرابع والخامس والسابع.. وليعرف الناس حقيقة هؤلاء الخادعين
المخدوعين ننقل كلامهم(3) بتفصيل:
«العروبة نفسها دين عندنا نحن القوميين العرب المؤمنين
العريقين من مسلمين ومسيحيين لأنها وجدت قبل الإسلام وقبل المسيحية في هذه الحياة الدنيا،
مع دعوتها- أي العروبة- إلى أسمى ما في الأديان السماوية من أخلاق ومعاملات وفضائل
وحسنات، ولئن كان لكل عصر نبوته المقدسة، فإن القومية العربية لهي نبوة هذا العصر في
مجتمعنا العربي».
«ورسالة هذه النبوة هي تجميع القوة وتكتيل الجبهة والانطلاق
بالطاقة البشرية في كيان المجتمع العربي نحو كسب الحياة.. وإن كُتَّاب العرب في أعناقهم
أمانة هي أن يكونوا حواريين لتلك النبوة الصادقة يزكونها بأقلامهم وينفخون فيها من
أرواحهم ويعملون على أن تكتمل لها أسباب النماء والازدهار.. والوحدة العربية يجب أن
تنزل من قلوب العرب أينما كانوا منزل وحدانية الله من قلوب قوم مؤمنين».
وهذا الكلام يعني دون مواربة إقصاء الإسلام عن القلوب،
ومطاردته في أرجاء المجتمع، وبناء أمة عربية أخرى مرتدة عن دينها ومتمردة على رسالتها
وتاريخها..
إن أكثر من «مسيلمة» بشر بهذا الدين، فماذا أفادت الأمة
العربية منه؟
لقد انطلقت أسباب الفتك الأدبي والمادي في أرجائنا،
تغشى ظاهر المجتمع وباطنه، فلم تدع قيمة روحية إلا أرخصتها، ولا صلاة خاشعة إلا أماتتها،
ولا قلبًا محبًا لله إلا ازدرته، ولا أخوة خالصة لوجهه الكريم إلا مزقتها شر ممزق..
ونشأ عن ذلك أن الأنفاس الباردة هي التي تنظر في قضايانا،
والضمائر الخائنة هي التي تشرف على مصالحنا والطبائع الجبانة الهلوع هي التي تدافع
عن مقدساتنا..
ولو أن حساب الأرباح والخسائر روجع بعد هذا الارتداد
الشائن لما وجدنا إلا ما تقر به عين الاستعمار ويثلج صدور الضائقين بالإسلام وماضيه
ومستقبله!
لقد ضحكت من العجب العاجب وأنا أقرأ هؤلاء يقولون: «إن
أمة العرب فتشت عن القيم القديمة في الإسلام والمسيحية، استعانت بالنظام الإقطاعي والرأسمالي
وبعض النظم المعروفة في العصور الوسطى كل ذلك لم يجد فتيلًا.. مع كل هذا شمرت أمة العرب
عن ساعديها ونظرت بعيدًا بعيدًا لترى طفلها الوليد يقترب منها شيئًا فشيئًا، وهذا الوليد
ليس إلا الإنسان العربي الاشتراكي الجديد الإنسان المتمرد على جميع القيم المريضة الهزيلة
في مجتمعه.. التي هي ليست إلا وليدة الإقطاع والرأسمالية والاستعمار.. تلك القيم التي
جعلت من الإنسان العربي إنسانًا متخاذلًا متواكلًا، إنسانًا جبريًا مستسلمًا للقدر
إنسانًا لا يعرف إلا أن يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، أما القيم
الجديدة التي ستخلق الإنسان العربي الجديد فهي قيم نابعة من صلب الإنسان المتمرد المعذب،
نابعة من قلب الإنسان الجائع، نابعة من الإنسان الاشتراكي الثوري الجديد الذي لا يؤمن
إلا بالإنسان وبالإنسان وحده. والطريق الوحيد لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي
هي خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن أن الله والأديان والإقطاع والرأسمالية
والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف
التاريخ»!
ونقول: إن الواقع الحقير هو وحده الذي يجابه هذه الدعاوى
الهائلة فقد استطاع أولئك العروبيون بوسائل الختل والقتل أن يملكوا زمام الأمة العربية
في أكثر من قطر، فماذا صنعوا بها؟
إن بني إسرائيل لم يخدموا شعبهم بأفضل مما خدمهم به
هؤلاء المفتونون أصحاب الصيحات العالية والهمم العليلة. وظاهر أن هذه الحركات الغريبة
على أمتنا أو المفروضة عليها من خارج هي طور جديد من أطوار الهجوم الثقافي على الإسلام،
ولكنه طور بلغ مدى من التخريب لا بد له من وقفة، وإلا أوردنا القبور بيقين. ذلك ويبدو
أن وضع المقدسات في المتاحف نزعة مستحبة لدى كتابنا الذين يشار إليهم، فإن محرر الأهرام
الأغر زعم عقب وصول الأمريكيين إلى القمر أن أخطر الوثائق الدينية سيضم إلى أوراق البردي
ويودع في المتاحف لطلاب الترويح!
ولقد قلت يومئذ: إن الأمريكيين كانوا في المعابد يدعون
الله كي تنجح الرحلة الكونية ويعود الرواد بالسلامة، أما كتابنا العجزة فقد أخذوا يعلنون
كفرهم بالله!
ويظهر أن الإسلام وحده هو المقصود بالوضع مع الآثار
ومخلفات الماضي!
بل نحن نوقن أن ذلك هو هدف السادة ميشيل عفلق وجورج
حبش وأتباعهم من محرري الصحف الكبار عندنا.
هل أولئك عرب؟
لقد لاحظت أن هؤلاء الناس دخلوا «المعركة العامية والفصحى»
إلى جانب العامية ليرجحوا كفتها، ومعروف أن المبشرين والمستشرقين بذلوا جهودًا حثيثة
لتغليب العامية وإماتة لغة القرآن!
فكيف -باسم العروبة- نمقت لغتنا ونهجر بلاغتها وأدبها،
ولحساب من؟
ولاحظت أنه باسم العروبة كانت تلقى الخطب الرسمية الضافية
باللغة العامية الدنيا، وهو تصرف لم يؤثر عن قادة الأمم في شرق وغرب!
ولاحظت أنه باسم العروبة أصبحت العامية لغة البرامج
الإذاعية حاشا نشرات الأخبار والدروس الدينية، وتقررت اللهجات العامية لغة للتخاطب
والتسجيل.. كما أنه باسم العروبة فرض حظر رهيب على اللغة العربية أن تدخل كليات الطب
والهندسة والصيدلة والعلوم...إلخ، وتحجرت هذه اللغة فلم تواكب سير الحضارة إلا بخطى
السلحفاة أحيانًا، وفي جو من التندر والسخرية!
وباسم العروبة يراد من جماهير العرب أن تنسى فضل أكبر
إنسان يشرف الأمة العربية في تاريخها كله، من أزله إلى أبده، وهو محمد بن عبدالله صلى
الله عليه وسلم الذي جعل للعرب وجودًا، ومنحهم ذكرًا مخلدًا، وناط بأعناقهم رسالة الرشد
والخير للعالم أجمع!
إن هؤلاء الناس ليسوا عربًا ولكنهم الجيل الضائع
التائه من أجيال الأمة التي أخذ الاستعمار بخناقها، وسلط عليها من أبنائها من
يوردها الحتوف، ويزين لها الانتحار.
لقد تابعت بعض العروض الروائية والسير التاريخية لرجالنا
وأحوالنا الأولى فوجدت العجب من تزوير التاريخ والكذب على الأحياء والأموات.
زعم بعضهم أن علماء الأزهر لاذوا بالتقية عند مجيء نابليون
بونابرت إلى مصر، ولم يؤدوا واجبهم الوطني! وضربت كفًا على كف لهذه الصفاقة الغريبة!
إن جثث العلماء المسلمين بعثرت حول القلعة وهم يقاومون
الفرنسيين، وضرب الأزهر بالمدافع، ودخله الجيش الفرنسي بخيله، وقَتل أحد الأزهريين
القائد «كليبر»، وانتقم الفرنسيون منه فقتلوه شر قتلة.. فكيف يطوي ذلك كله، ويذكر أن
النسوة المعلمات هن اللائي قاومن الفرنسيين؟ ولكن التهجم على الإسلام هدف يشترك فيه
الرعاع وبعض الرؤساء عمدًا لينالوا من الإسلام نفسه، ولتعيش الأمة بلا عقيدة، ولتجد
الصهيونية الطريق أمامها مفتوحًا إلى ما تريد.
وإلى القارئ هذا الشاهد الآخر من شواهد تزوير التاريخ
والحملة على الإسلام وعلمائه:
كتب صلاح جاهين شيئًا من الشعر العامي عن مصر وتاريخها
الطويل جاءت فيه هذه الكلمات:
زحف الفرنسيس وزحفت قبلهـم جواسيس!
غايصين لقاعها وعارفين باعها من باريس
وايش عمل القاع قصير الباع.. في القمة
وايش تعمل العمة في البرنيطة يا أئمة؟
العمة ما اتكلمت «!!» وتن صوتها حبيس!
غير مرة، لما البوليس قال: نوروا الفوانيس!
وده كفر طبعًا(1) ولا يدخل لنا في ذمة!
اطمن الغرب أن بلدنا ناس رمة..
وانهـش يا ديب فينا واقضي بمنتهى الهمة
على اسم مصر
وأنا أعتذر أولًا عن تدوين هذه التعابير السوقية في
صحيفة محترمة لا يجوز أن تنشر ولكني مضطر لتفنيد ما حوت من إفك خسيس على تاريخ الجهاد
العلمي لأمتنا..
يرى هذا الكاتب أن علماء الأزهر قابلوا الغزو الفرنسي
لمصر بصوت محبوس وهيئة مشلولة وأنهم ما تحركوا محتجين إلا عندما أنار الفرنسيون القاهرة
لأن إيقاد المصابيح كفر، وإشاعة الظلام بالليل هو ما يعمل له علماء الدين «الرمم»!
ولست أستغرب من منكر لله أن يفتري على خلقه، ولكن الافتراء
يوم يعلن على أنه علم، وعهد الناس قريب بالحقيقة، فإن الأمر يستدعي الكي لا التكذيب
المعتاد..
ولقد علم الشرق والغرب أن الحملة الفرنسية لما وطئت
أرض مصر قاد الإسلام وحده حركة المقاومة ونازل الفرنسيين شبرًا شبرًا في هذا الوطن
المحروب، وأن علماء الدين كانوا قادة هذه المقاومة الباسلة ووقودها المتوهج، ولما انتفضت
القاهرة ضد الغزاة، وكان الجامع الأزهر مصدر الثورة اقتحمت الخيل الفرنسية حريمه، ويقول
الجبرتي: إنهم «تفرقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، ودشتوا المصاحف والكتب
على الأرض، وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وأحدثوا فيه -أي بالوا داخله- وشربوا الشراب -أي
الخمر- وكسروا الأواني وألقوها بجوانبه»..
ويحكي التاريخ العدل الصدوق أن الشيخ الشهيد سليمان
الحلبي كان -قبل أن يُقْتَل بأبشع الطرق- رابط الجأش، وصرح في التحقيق الذي أُجْرِيَ
معه أن قتل الجنرال «كليبر» في سبيل الله، وكان ينظر إلى من حوله «بعين دقيقة رفيعة»..
ولقد قبض الفرنسيون على الشيخ أحمد الجوسقي والشيخ أحمد
الشرقاوي والشيخ عبدالله الشبراوي والشيخ يوسف المصيلحي وعروهم من ثيابهم وصعدوا بهم
إلى القلعة فسجنوهم إلى الصباح، ثم أنزلوهم وقتلوهم بالبنادق وألقوهم من السور خلف
القلعة ولم تعرف لهم قبور»!
هكذا يذكر الجبرتي في تاريخه، ويجيء رجل شيوعي ليقول
في حق علماء الأزهر كلهم:
وأن لو «نابليون» لكنت عدمتهم تقتيل
ما دمت مجرم أسيح دمهم في النيل
واخلع ذقونهم وأبين أنها تضليل
على اسم مصر(4)..
أهكذا يكون تزوير الوقائع، وتشييع شهداء المقاومة الشريفة؟
ولم هذا كله، لنثبت بطريق الخداع والكذب أن الدين «أفيون الشعوب» مع أن كل شيء يصرح
هنا بأنه محرر الشعوب ونافخ نارها ومعلي منارها؟!
ونجيء أخيرًا للقصة السمجة، قصة أن علماء الإسلام قاوموا
تعليق المصابيح على البيوت لأن الظلمة طاعة والضوء معصية كما يذكر زجال الأهرام الأغر!
إنه أضاف بهذه القصة منقبة لنابليون لم تعرف له، ألم
يكتشف أنه جاء من فرنسا بجيشه كي ينير القاهرة؟ واتهم الإسلام بمثلبة لم يوردها أشد
أعدائه صغارًا، ألم يقف علماؤه ضد إنارة الشوارع والحارات؟! وقصة تكليف الأهالي بإنارة
الطرق أمام بيوتهم أوردها الجبرتي: وذكر حولها بعض وقائع السلب والنهب التي تبعتها..
ورأينا أن هذا التصرف الفرنسي كان إجراء عسكريًا ليحكم
الغزاة خناق القاهرة الجريح، وتشتد قبضتهم عليها حتى لا يستخفي القناصة والفدائيون
في جنح الليل..
لكن سدنة القومية العربية الذين يقودون صحافتنا المعاصرة
يريدون تشويه كل شيء لتحقيق مآربهم وفرض مبادئهم..
وباسم القومية يحارب البيان العربي الصريح ويتم التمهيد
للعامية الهابطة..
وباسم القومية العربية ينقم العرب على أضوأ اسم في تاريخهم،
وأشرف إنسان مشى على الثرى في الأولين والآخرين. ينقمون على محمد بن عبدالله صلى الله
عليه وسلم وينالون من رسالته..
إن هؤلاء الناس -بداهة- ليسوا مسلمين، فهل هم عرب كما
يوصفون أو يتصفون؟
كلا. إن هؤلاء سواء كانوا أجراء أو مخلصين أفضل لإسرائيل
من كل أسلحة الدنيا التي ترد إليها.
الهوامش:
(1) في كتاب الإسلام وقضايا الساحة ص 16.
(2) لنا رأي في هذا الكلام سوف نذكره وهو يتفق مع وجهة
نظر المؤلف المسلم.
(3) من كتابات «ميشيل عفلق» و«ساطع الحصري» و«قسطنطين
زريق» وآخرين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل