العنوان ليس تفضلًا على ابن تيمية.. فهذا حقه
الكاتب الشيخ عائض القرني
تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009
مشاهدات 61
نشر في العدد 1865
نشر في الصفحة 23
السبت 15-أغسطس-2009
دوائر
المعارف تترجم عن دول بصفحتين وثلاث.. ولكنها تتحدث عن ابن تيمية بأربعين صفحة!
من
الذي عنده شغف بالمعرفة، وميل إلى العلم، وحب في الاطلاع، ولا يعرف ابن تيمية؟! من
الذي لديه همة في المجد، وعزيمة في الخير، ورغبة في الصلاح، ثم لا يعرف ابن
تيمية؟! هل الشمس بحاجة إذا توسطت السماء في يوم صحو أن ينبه على مكانتها؟! هل
البدر في ليلة اكتماله والسماء صافية بحاجة لمن يشيد بعلوه وسنانه؟!
إن
ابن تيمية بلغ من الحظوة والرفعة وسمو المنزلة إلى درجة أنه استغنى عن ألقاب:
الشيخ، والعالم، والإمام، والمجدد.. وصار أحسن أسمائه أنه «ابن تيمية»!
يكفي
أن تعرفه بهذا الاسم؛ فإذا قلت: «ابن تيمية» فكفى، ولا تزد على ذلك أوصافًا، فأهل
المعرفة وأهل العلم يعرفون من هو ابن تيمية من خلال آثاره وكتبه ورسائله وجهوده
وثناء الناس عليه، وإنني أعلن- بالمناسبة -حبي لهذا الإمام العظيم؛ أحببته لصدقه،
وإخلاصه، لإيمانه وجهاده، أحببته لعلمه ويقينه، أحببته لعمقه ورسوخه:
أحبك
لا تفسير عندي لصبوتي *** أفسر ماذا؟ والهوى لا يُفسر
فمنذ
ثلاثين سنة وأنا أعيش مع هذا الإمام، من خلال تراثه المبارك الذي سرى في الأمة حتى
قال لي بعضهم: ترجمت بعض دوائر المعارف للدولة العباسية بخمس وعشرين صفحة، ولابن
تيمية بأربعين صفحة!!
فانظر
إلى دولة عاشت ما يقارب الستمائة سنة، وحكمها سبعة وثلاثون خليفة، ومع ذلك لم تحظ
إلا بخمس وعشرين صفحة، وقارن بها هذا الفرد العلم الذي لم يتول أي منصب؛ لا وزارة،
ولا إمارة، ولم يجمع تجارة، ومع ذلك ترجم له بأربعين صفحة.. وأقول: إنني لا أعلم
عالمًا حظي بالتراجم والكتابة والاهتمام والانشغال بمثل ما حظي به، حتى إنه ليصدق
عليه بيت «المتنبي»:
وتركك
في الدنيا دويً كأنما *** تداول سمع المرء أنمله العشر
حتى
إن بعض الباحثين ذكر أنه قد ألف في ابن تيمية أكثر من ثلاثة آلاف مصنف؛ بين كتاب، ورسالة
ماجستير أو دكتوراه، وغيرها من البحوث الجامعية.. فيا لهذه العظمة! ويا لفتح الله
على العبد إذا فتح سبحانه وتعالى!
لقد
عاشت بعض الدول، ثم اندثرت وذهبت؛ فلا أثر ولا عين، ولكن ابن تيمية في ذاكرة
الزمان قصة فريدة محفوظة للأجيال.. عاش سلاطين ووزراء وأغنياء، ثم ماتوا فماتت
معهم آثارهم، لكن ابن تيمية بقي عبر الأجيال حيًّا في الضمائر، ماثلًا في النفوس،
حاضرًا في الدروس والمنتديات العلمية، ومجامع المعرفة، وصرح الثقافة.
كلما
سلكنا سبل العلم، وضربنا في فجاج الفنون، تلقانا ابن تيمية، فهو إمام في التفسير،
حجة في الحديث، منظر في المعتقد، مجدد في الملة، مجتهد في الفقه، موسوعة في العلوم،
بحر في السير والأخبار، آية في الذكاء، أستاذ في العبقرية، وسامحني- أيها القارئ
الكريم -إن قلت: إنه أصبح أشهر من الدولة التي عاش في عهدها! ولا نشكو تقصيرًا في
حبه- يرحمه الله -لكنا نستغفر الله إن غلونا في التعلق به.
كيف
ننسى أياديه البيضاء وكلما قلبنا سفرًا فإذا هو بين صفحاته بعلمه وحكمته وفقهه
واستنباطه، وكلما حضرنا حوارًا فإذا اسمه تتبادله الألسن، ويتقاسمه المتحاورون، كل
فريق يقول: أنا أولى به؟!
كيف
لا نعيش معه وقد فرض علينا احترامه، وأمتعنا بحضوره، وأنسنا بذكره الطيب؟ كيف لا
نحب من أحب الله ورسوله ﷺ؟ كيف لا نتولى من تولى ربه؟ كيف لا نقدر من قدر الشرع؟ كيف لا نجل من
أجل الوحي؟
إن
دوائر المعارف تترجم عن دول بصفحتين وثلاث، ولكنها تتحدث عن ابن تيمية بأربعين
صفحة! المجامع العلمية تذكر المصطلحات في سطر، ولكنها تتكلم عن ابن تيمية في
ثلاثين سطرًا، ولسنا متفضلين على ابن تيمية إذا مدحناه أو ذكرنا مناقبه أو عددنا
سجاياه، لكنه متفضل علينا- بعد الله عز وجل -بفيض علمه، وغيث فهمه، وبركة إنتاجه،
ونور آثاره.
ولن
أمل من الكلام عن هذا الإمام، فهو بحر لجي لكنه عذب، وهو محيط هادر لكنه فرات، وهل
يستطيع المرء- ولو أجاد السباحة -أن يغوص طبيعيًا في أعماق البحر، أو أن يهبط
اعتياديا إلى قعر المحيط؟ كلا، لا يستطيع، ولكنه يستطيع- فقط -أن يطل إطلالة على «ساحل»
ابن تيمية!
«الهوامش»
(*) من كتاب «على ساحل ابن تيمية»، تأليف: د. عائض ابن عبد الله القرني «بتصرف».