; ليس دفاعًا عن السيناتور «وليام فولبرايت» | مجلة المجتمع

العنوان ليس دفاعًا عن السيناتور «وليام فولبرايت»

الكاتب بدر الدين غازي

تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1848

نشر في الصفحة 28

السبت 18-أبريل-2009

نشرت مجلة «المجتمع» الغراء خبرًا تحت عنوان «مؤسسة فأولبرايت الصهيونية تخترق جامعة الأزهر» وذلك في العدد ١٨٤٤ بتاريخ ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٠هـ الموافق ٢١ مارس ۲۰۰۹م، ولا شك في أن هذا العنوان يجذب ذوي الغيرة على العروبة والإسلام، وهي غيرة محمودة خاصة في مواجهة الحركة الصهيونية.. وقد اشتمل الخبر على عنصرين:

أن مؤسسة «فولبرايت» الأمريكية معروفة بقربها من اللوبي الصهيوني وعلاقاتها الوثيقة بـ«تل أبيب».

  1. أن البرنامج قد أنشئ بمبادرة من السيناتور اليهودي «وليام فولبرايت».

بيد أن الخبر لم يوثق تلك العناصر ولم يشر إلى مصدرها، وهو أمر شائع في أوساط إعلامية كثيرة تتحدث باسم تيارات إسلامية مختلفة، وبخاصة فيما يتعلق بالأنشطة الصهيونية، وقضايا المقاطعة، واحتواء الأغذية والأدوية على الكحول أو مكونات الخنزير، وقد جاءت الآية الكريمة حاسمة في هذا الشأن، حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36)

 كما أن الخبر قد وصف السيناتور «فولبرايت» بأنه يهودي وبأن المؤسسة التي تحمل اسمه معروفة بقربها من اللوبي الصهيوني وبعلاقاتها الوطيدة مع «تل أبيب» وهذا أمر يثير إشكالية أخرى لدى جيلي والأجيال التي سبقتني من الطلاب العرب والمسلمين الذين تعلموا في أمريكا، حيث بدأت دراستي للدكتوراه بأمريكا عام ١٩٦٨م.

فقد كانت مواقف السيناتور «فولبرايت» أكبر سند لنا في حواراتنا مع المثقفين الأمريكيين وفي المناظرات والمواجهات مع المنظمات الطلابية الصهيونية، وكان الرجل حينئذ ولمدة ٢٥ عامًا «أي منذ ١٩٤٤م» الشخصية الفذة على مستوى أمريكا الذي ترافع من منصة مجلس الشيوخ دائمًا عن الحق والعدل والحرية وقيم التعليم والديمقراطية والحرص على التفاهم الدولي، وكان نموذجًا للرأي المستقل والفكر الراقي المستنير والرؤية الثاقبة في العلاقات الدولية، وقد كلفه ذلك الكثير، كما نوجزه في النقاط الآتية:

  1. عام ١٩٧٤م أسفرت منظمة الدفاع اليهودي الأكثر شهرة Anti -defamation League عن عدائها الدفين للسيناتور «فولبرايت» بصورة علنية حيث أعلنت «أن مواقفه كانت دائمًا معادية لإسرائيل ولمؤيدينا في هذا البلد»، ورد الرجل بجرأة نادرة حيث قال: «إن إسرائيل تتحكم في مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث يؤيد حوالي ٨٠٪ من أعضائه إسرائيل بصورة كاملة، وأن كل ما تريده إسرائيل تحصل عليه وأن التأثير اليهودي في مجلس النواب أكثر من ذلك».
  2. قامت الحركة الصهيونية بتحريك وتأييد وتمويل حملة انتخابية للمدعو Dale Bumpers الذي كان حينئذ حاكمًا لولاية «أركنساس» لمنافسة السيناتور «فولبرايت» على عضوية مجلس الشيوخ عن الولاية ونجح بالفعل في الانتخابات الأولية للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي -مما حدا بالسيناتور «فولبرايت» بالانسحاب من الترشيح، وهو الذي حصل عليه لمدة ٣٠ سنة متواصلة، قضى منها ١٥ سنة رئيسًا للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، وهي الفترة الأطول في تاريخ تلك اللجنة المهمة، كان خلالها الصوت الأقوى والأكثر فعالية في نقد وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية والسياسة الإسرائيلية.
  3. جلبت عليه مواقفه المعلنة المعارضة لحرب فيتنام وما جاء في كتابه الأكثر شهرة «غرور القوة The arrogance of powerأن انقطعت العلاقات بينه وبين الرئيس «جونسون»، وقد كانا زميلين في الكونجرس يمثلان ولايات الجنوب لسنوات طويلة.
  4. جلبت عليه مواقفه الشجاعة عداءً سافرًا من «جون مكارثي» النائب الجمهوري الأمريكي الأسبق الذي اشتهر بمحاكمة النوايا، وسميت «المكارثية» باسمه.

إن كاتب هذه السطور يحمل احترامًا كبيرًا للسيناتور «فولبرايت» الذي كان أستاذًا للقانون ورئيسًا لجامعة «أركنساس» وهو دون الأربعين ولفكره وتجربته وإنجازاته وعلى رأسها القانون الذي يحمل اسم «فولبرايت»، والذي وقعه الرئيس «ترومان» في أوائل أغسطس عام ١٩٤٦م. بعد أن أقره الكونجرس كبرنامج للتبادل الدولي في مجال التعليم International Education Exchange Programبناء على محصلة جلسات استماع عقدتها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ بدعوة من السيناتور الجديد «فولبرايت» «وكان سنه حينئذ ٤٠ عامًا»، وذلك فور أن رأى مدى الهلاك والدمار الذي أحدثته القنابل النووية التي ألقتها أمريكا على «هيروشيما» و«نجازاكي» عام ١٩٤٥م، وكان قد دعي لجلسات لاستماع الأطباء وعلماء النفس والبيئة والعلوم الأساسية... إلخ.

والأهم من ذلك: أن كاتب هذه السطور يأبى أن يرى صوتًا من أصوات التيارات الإسلامية يجمع في بوتقة واحدة، العدو والصديق والشخصيات الحرة المستقلة مع المجرمين والأذيال والعملاء، إذ إن ذلك يسيء إلى تلك الأصوات ومن ثم إلى لغة الخطاب الإسلامي، وهو أمر لا يمكن السكوت عليه.

الرابط المختصر :