العنوان ليس في الإسلام رجال دين بل علماء..
الكاتب الشيخ طه الوالي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1977
مشاهدات 73
نشر في العدد 372
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 25-أكتوبر-1977
يبدو أن موجة التقليد بلغت في مدها المتعاظم أوساطًا إسلامية، كنا نحسبها في حصانة ومنعة من أن تخضع في يوم من الأيام لهذه الوافدة التي قذفت بها الحضارة الغربية إلى عقول المسلمين وأفئدتهم حتى أصبح هؤلاء أو كادوا، صورة ممسوخة عن المجتمعات الأجنبية من أمريكية أو أوروبية.
وعلى الرغم من أن سنة الحياة تفرض نفسها بالنسبة إلى علاقة الضعيف بالقوى إذ تجعل من الأول ظلًا تابعًا للثاني، على الرغم من هذه القاعدة المنطقية في كل زمان ومكان، فإننا كنا نعتقد بأن روح الإسلام قادرة على أن تحيط المسلمين بسياج من المقومات الذاتية، يعصمهم دون الذوبان في خضم الأمم المتغلبة لا سيما في حدود المعالم الفكرية التي تتصل اتصالًا وثيقًا بطبيعة العقيدة الدينية أو الخصائص القومية، بيد أن هذا الاعتقاد نفسه، بدأ يساوره الشك على ما يظهر بعد الذي أصبحنا فيه من خضوع مباشر أو غير مباشر لأساليب الحياة الحديثة التي اجتاحت الشرق تحت شعارات التطور والتقدم والازدهار.
ولا بد لنا من الاعتراف، بأن المسلمين يمارسون اليوم ضغطًا متزايدًا من المؤثرات الغريبة التي تسربت إلى أفكارهم عن طريق الاحتكاك المباشر بينهم وبين الغرب في ظروف ليست متلائمة مع مصالحهم الحقيقية، ذلك أن الغرب، في عصرنا الحاضر، يتمتع بمميزات مادية وفكرية تتيح له فرصة التفوق والهيمنة على مقدرات العالم الحضارية في حين أن الشرق، والمسلمون من صميمه، ما يزال يتململ في محاولاته الأولى للخروج من قيود الارتباك الاجتماعي والركود الذهني التي شدته قرونًا طويلة إلى الجمود والتخلف والاتكالية الرخيصة.
و في مثل هذه الحالة من التفاوت الكبير، بين قدرة الغرب وعجز الشرق وجد المسلمون- أنفسهم مطوقين بأساليب التفكير الغربي التي هي بطبيعة الحال نابعة من صميم المراحل الحياتية، التي تقلبت فيها شعوب أوروبا يوم كانت الكنيسة تمسك بأزمة القيادة الفعلية في الشعوب بواسطة رجال الكهنوت الذين كانوا يتخذون من المؤسسات الدينية وأجهزتها المختلفة أكثر انطلاق لبسط نفوذهم الأدبي وسيطرتهم السياسية في آن واحد.
وعندما اصطدمت الكنيسة بطموح الزعماء المدنيين بعد الصراع المميت بينها وبينهم وجدت هذه المؤسسة العريقة نفسها مضطرة إلى التراجع عن سيادتها المباشرة على الشعوب، التي كانت خاضعة لها طوعًا أو كرهًا، تاركة وراءها رغبة هذه الشعوب في أن تقيم حاجزًا فكريًا بشكل حاسم ونهائي بين لهفة الكهنوت على استرجاع سيادته وبين تصميم المدنيين على الاحتفاظ باستقلالهم ومباشرة شؤونهم العامة بأنفسهم وهكذا، نشأت الفكرة القائلة بالفصل بين السلطتين الدينية والزمنية واعتبار الكهنوت وظيفة روحية خالصة لا علاقة لها بحياة الناس المدنية من قريب أو بعيد، وبذلك أجبر رجال الكنيسة، على اختلاف درجاتهم ومستوياتهم، على الاكتفاء بالبقاء داخل معابدهم، لتنظيم شؤون المؤمنين في الحياة الآخرة، تاركين شؤون هؤلاء في الحياة الدنيا إلى سواهم من الملوك والرؤساء والحكام الزمنيين وبصورة أوضح، إلى المدنيين الذين أطلق عليهم لقب العلمانيين.
ومن الغريب، أن هذا التوزيع الطبقي الذي تذرعت به أوروبا للتخلص من نفوذ الكنيسة وفضول أمرائها في شؤونها العامة، ما لبث أن أرخى سدوله على عقول المثقفين المسلمين الذين سارعوا إلى تلقفه بدون روية ولا مناقشة، وجعلوا منه نظرية علمية بعد أن أحاطوها بما توصلت إليه براعتهم العلمة من قدرة على تزويق الكلام بنفس الحجج والبراهين، التي ترجموها من اللغات الأوروبية إلى اللغة العربية دون أن يكلفوا أنفسهم محاولة فهم الفوارق البعيدة بين المعاني التي تمثلها الطبقة الكهنوتية المرتبطة بالكنيسة مباشرة وبين طائفة العلماء الذين يمثلون جزءًا لا يتجزأ من المجتمع الإسلامي.
وبكلمة أخرى، إن المثقفين المسلمين من أبناء زماننا، تغاضوا عن قصد أو من غير قصد، عن دراسة العوامل التاريخية التي أدت بالأوربيين إلى عملية فك الارتباط العام بين مؤسساتهم المدنية وبين المؤسسات الدينية وهي عوامل تنهض على المبادئ الروحية التي أرسى قواعدها مؤسسو الكنيسة الذين كانوا حريصين على التأكيد بأن ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وأن مملكتهم في السماء وليس لها من علاقة بشؤون أهل الأرض إلا بمقدار ما يؤمن لهؤلاء راحتهم وسعادتهم بعد نهايتهم في هذه الأرض ودخولهم في ملكوت السماء.
في حين نجد الرسالة الإسلامية حريصة على معالجة علاقتها باتباعها على أنها قائمة فيهم من خلال وجودهم بالفعل فوق هذه الأرض دون أن تتعرض لما ينتظرهم بعد انتقالهم إلى العالم الآخر إلا بمقدار ما يمارسونه في حياتهم الدنيا من أوجه النشاطات المختلفة التي تعكس عليهم آثارها ونتائجها في هذا الوجود بالذات، وإذا أردنا أن نقف قليلًا عند هذه النظرية الإسلامية بالنسبة إلى وجهتها في تقييم الإنسان، فإننا نستطيع القول بأن هذه النظرية تؤكد على أهمية الدور الذي يؤديه هذا الإنسان في الحياة الدنيا بينما تجعل من الحياة الآخرة وما فيها من مثوبة أو عقوبة مهمازًا صارمًا يدفعه إلى تنسيق أفكاره وتصرفاته، بما يتوافق مع انتظام الجماعة الإنسانية عبر المفاهيم التي وضعها الإسلام لاضطراد تقدم الكون وازدهاره وسعادته، وبهذا، تكون السماء في الإسلام وسيلة لعمران الأرض، وليس العكس كما هي الحال في النظرية الكنسية.
من هذا المبدأ فإننا نستطيع إدراك الاختلاف الجوهري بين وجود طبقة رجال الدين في الكنيسة وانعدام مثل هذه الطبقة في المجتمع الإسلامي.
ولعلنا إذا نحن رجعنا إلى النظــــم التشريعية في الإسلام، فإننا نجدها لا تشير في أي باب من أبوابها إلى توزيع المسلمين ما بين دينيين ومدنيين وبالتالي لا تفرق بين مسلم وآخر في أداء دورهما الإسلامي ما داما على وجه الأرض. فالمسلمون جميعًا، كأسنان المشط الواحد، لا يمتاز بعضهم على بعض في تطبيق مفاهيم العقيدة الإسلامية سواء فيما يتصل بالمناسك التعبدية المحضة أو فيما يتصل بسائر الشؤون العامة.
فالمسلم الذي التزم حدود الله وهو يصلي في المسجد هو المسلم نفسه الذي عليه أن يلتزم حدود الله وهو على كرسي الحكم أو في قيادة الجيش أو أينما كان مستقلًا بنفسه أو مشتركًا مع غيره من سائر البشر.
وانطلاقًا من هذه النتيجة التي انتهينا إليها فإننا نتوجه إلى المثقفين المسلمين الذين أريد لهم أن يستعيروا لعقولهم أفكارًا غريبة عن مجتمعهم الشرقي وعقيدتهم الإسلامية، وندعوهم بحرارة وإخلاص لأن يتخلصوا من عقدة التبعية للغرب وأن يتغلبوا بجرأة وثقة على ما يتحكم في نفوسهم من شعور بالدونية نحو الحضارة الأوروبية، وأن يرضوا ضمائرهم على مراجعة تراثهم القومي وتعاليم دينهم مع شيء من الإيمان بذاتهم والتحرر من المؤتمرات الوافدة عليهم، وليس من شك في أنهم إن فعلوا ذلك فسوف- يجسدون في هذه التعاليم وذلك التراث، ما يتيح لهم أن يكتشفوا بأنفسهم ما يحملهم على إعادة النظر بما كانوا يرونه من المسلمات البديهية في منطق الأمور التي كانوا يأخذون بها من قبل.
على أننا، حين نتوجه بالخطاب إلى الرعيل المثقف من أبناء أمتنا، بهذه اللهجة من الصراحة والحزم، فنحن، لا نبتغي من وراء ذلك بخسهم ما يتأثر به واقعهم من الملابسات والمفارقات التي تحيط بظروفهم وبيئتهم، هذه الملابسات والمفارقات التي جاءت في الواقع، نتيجة احتكاكهم بطائفة من العلماء المسلمين الذين اكتفى غالبهم من هذا اللقب الكريم بظواهره الشكلية التي أرادوها أن تدل عليهم، وهي الجبة والعمة ومعهما أحيانًا، لا دائمًا، لحية تغالي المزين في تهذيبها وتشذيب حواشيها، ومسبحة تعددت في سلكها الذهبي الكرات الثمينة الأنيقة التي ليس لها من التسبيح إلا طقطقة الحبة فوق الحبة في نغمة نشاز لا تعني أكثر من صداها الفارغ.
أجل، لقد أدى احتكاك المسلمين بهذا النوع من علماء الإسلام إلى اصطدام انفصالي بين عقليتين متناكرتين، شدت أولاهما بأسباب غريبة غربية كما تركت الأخرى لوحدها تعاني عقد الانعزال عن المجتمع الذي جعلها الدين الحقيقي، رائدة له في الخير في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة في آن واحد.
وكلما تطاول الزمن على المجتمع الإسلامي، فإن هذه العقدة الانفصالية بين جمهور المسلمين وبين أصحاب الزي العلمي، تزداد في استعصائها على الحل، حتى توشك أن نصبح في زمن، نجد أنفسنا ونحن بين يدي مشكلة نفسية لا قبل لنا بالخروج منها إلا للوقوع نهائيًا في الشرك الذي استدرجنا إليه، إلا وهو التسليم الاضطراري بأن نقف بديننا العظيم بعيدًا عن معطياته الحياتية الشاملة، تاركين لعوامل التمويه أن تفعل فعلها القاتل بإقرار الحجر على الإسلام، في قمقم الطقوس والمراسم التي لا تستطيع الخروج من أسار المناسك التعبدية العادية في داخل أروقة المساجد أو ما يتصل بها من شعائر موسمية تعترض حياتنا خلام العام في شهر الصيام المبارك أو رحلة الحج إلى الديار المقدسة.
ولكي نقاوم هذه المشكلة الداهمة قبل أن يستشرى داؤها ويستفحل خطرها، فإنه ليس أمامنا إلا أن نصمم على إرادة التحدي بكل ما أوتينا من قوة على الإصرار والإلحاح والعناد متخذين من حقيقة الرسالة الإسلامية وأحقيتها، عروة وثقى، نستمسك بعصمها التي قامت عليها أركانها الأساسية فيما جاء في الكتاب الكريم من آيات بينات أو فيما بينه لنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة من قول أو فعل أو تقرير.
ولعله من بدهيات القول ومسلماته المنطقية المباشرة، أن الدين الإسلامي، سواء في جوهره العقائدي أو إطاراته العملية المتعددة، يختلف جملة وتفصيلًا عن الدعوات الدينية التي سبقته، وأن هذا الاختلاف، في الواقع، هو المبرر الذي استند إليه في وجوده المستقل عنها جميعًا، إذ لو كان الإسلام الذي حمل لواءه محمد صلى الله عليه وسلم مجرد نسخة مكررة كتبت باللغة العربية مترجمة عن تلك الدعوات التي جاءت من قبله في الأمم الأخرى، لما كان هنالك أي سبب للتناقض العميق الذي استمر حتى اليوم بين أتباعه وبين أبناء المذاهب الدينية الثانية التي ظهرت هنا وهناك بغير اللغة العربية.
وهذا ما يحدو بنا إلى القول بأن وجود طبقه من الكهان الذين يحملون لقب رجال الدين لدى الجماعات غير المسلمة، يقابله، بلا مناقشة ولا تردد، انعدام وجود مثل هذه الطبقة لدى جماعة المسلمين.
وإذا نحن قلبنا صفحات تاريخ المسلمين في جميع عصورهم ودولهم وأمصارهم، فإننا نجد في هذه الصفحات، ما يؤكد لنا ويقنعنا بأن هؤلاء المسلمين، كانوا جميعًا، بلا استثناء، رجال دين، لا فرق في ذلك بين فرد وآخر في سائر المجالات والنشاطات، ومن هنا، من هذا- المنطلق المبدئي، كان الحاكم المسلم الذي يتولى شؤون المسلمين العامة هو نفسه أمامهم في صلاتهم إذا صلوا وهو نفسه أميرهم في حجهم إذا حجوا وهو نفسه مرجعهم الأخير في إقرار ما يعترضهم من أغراض تشريعية، إذا قاسوا أو اجتهدوا، ولأجل هذا قال الفقهاء في تعريفهم لوظيفة هذا الحاكم- الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا،- الماوردي، في الآداب السلطانية.
ومعنى خلافة النبوة بالنسبة للإمام الذي هو في الإسلام لقب آخر لرئيس الدولة عند الأمم الأخرى، أن هذا المعنى من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى مزيد من الشرح والتفسير، فلقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يمارس تنظيم أمته من خلال المبادئ الدينية، سواء فيما يتصل بالجانب الروحي الذي يتكون منه ضمير الفرد والجماعة أو فيما يتصل بالجانب الإنساني الذي يؤدى إلى قيام الكيان الاجتماعي لهذه الأمة، وعلى هذا تكون الخلافة استمرارًا لمهمة النبي بكل ما يفهم من هذه المهمة حاشا العلاقة الخاصة التي كانت تقوم بينه وبين الله عز وجل عن طريق الوحي على ما هو مقرر ومعروف.
وإذا كان الخليفة- الحاكم- هو صورة أخرى عن النبي، دون الوحي الإلهي، فإن العالم، هو الآخر، كان ويجب أن يكون دائمًا عند تبعاته في ريادة الأمة، ليس فقط في أداء المناسك التعبدية الروحية المحضة، بل وكذلك في حياتها العامة التي يعبر عنها اليوم بالحياة المدنية العادية، وهذا هو ما قصد إليه القول المأثور: العلماء ورثة الأنبياء، ذلك أن وراثة النبي كخلافته سواء بسواء، من حيث الدور الذي يؤديه، الخليفة والعالم كل في حدود العمل الذي يقوم به في المجتمع الإسلامي.
وقد جعل العالم في التشريع الإسلامي في مقدمة الصفات التي يجب أن يتحلى بها الحاكم الأول في الإسلام، فعندما تحدث ابن خلدون في مقدمته عن الأشراط التي بدونها لا يصح اختيار كائن من كان لمنصب رئاسة الدولة الإسلامية، الذي هو الخليفة أو الإمام على حد تعبير الاصطلاح التشريعي، قال: وأما شروط هذا المنصب فهي أربعة: العلم والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل، واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي، ثم أخذ ابن خلدون في تحليل اشتراط هذه الشروط فابتداء بما هو أولها فقال: فأما اشتراط العلم، فظاهر لأنه إنما يكون- أي الإمام- منفذًا لأحكام الله تعالى إذا كان عالمًا بها وما لم يعملها لا يصح تقديمه لها، ولا يكفي من العلم إلا أن يكون مجتهدًا، لأن التقليد نقص والأمانة تستدعي الكمال في الأوصاف والأحوال.
وهكذا، نرى هذه العلامة الذي لا ينتطح في أصالة رأيه وسلامة تفكيره عنزان، كما يقولون، نراه جعل من العلم أول الشروط التي لا بد من توافرها لمن يتصدى لرياسة الأمة، ولم يكن علامتنا في هذا مبتدئًا ولا مبتدعًا وإنما هو مقرر لما اتفق عليه جهابذة التشريع الإسلامي من قبله، الذين هم بدورهم قرروه كذلك وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة في صدد هذا المنصب الحساس.
ولقد حدد ابن خلدون العلم كما رأينا بأنه الإحاطة الواعية بأسباب المعرفة الشرعية والقدرة على تنفيذ قواعدها وأصولها وروحها عن دراية تامة وفهم ثابت، سواء عن طريق النصوص الواردة أو عن طريق القياس والاجتهاد الشخصي بما يتفق والهدف الذي أرادته هذه النصوص وغايتها الاجتماعية السامية فإذا كان أول شرط في منصب الإمامة والشخص الذي يتصدى له أن يكون عالمًا، فإنه لا يسعنا بعد هذا أن نضيق ما وسعه الإسلام ونجعل هذه الصفة الكبيرة تصغر وتصغر حتى ندخلها في خرق بالية ونجعل منها لقبًا كهنوتيًا قاصرًا على من يتولى بعض الوظائف التعبدية اليومية التي يمكن أن ينتدب لها أي فرد من عامة المسلمين آناء الليل وأطراف النهار، هذا مع العلم بأننا لا نجد فيما تركه لنا السلف من الأقوال والمصنفات ما يشعر بأنهم جعلوا في أي عهد من العهود، للدين معنى مقصورًا على المناسك التعبدية أو جعلوا لهذا الدين طبقة مخصوصة من المسلمين تتميز بلباس خاص تتمتع من خلاله بأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان تجعلها في نظر الناس، منفصلة بكيان روحي قائم بنفسه من بين سائر أفراد الأمة ومجموعها.
ولعله من أكبر المغالطات التي نعيشها اليوم، أننا نستمع إلى الخطب التي يرددها الأئمة من فوق أعواد منابر المساجد في كل صلاة جامعة فنجد هؤلاء الأئمة يؤكدون في خطبهم أن لا كهنوتية في الإسلام ولا طبقات متمايزة بين المسلمين ثم هم، في حياتهم الخاصة، يصرون على أن يصنفوا أنفسهم برجال الدين وأن هذا وايم الله لمن العجب العجاب، وكأننا بهؤلاء السادة الأئمة لم يقرأوا في القرآن الكريم قول رب العالمين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 2).
وبعد، فلا بد لنا من الانتهاء من هذا الحديث بما سبق أن بدأناه به ألا وهو أنه: ليس في الإسلام رجال دين بل علماء.