; ليلة اغتيال حسن الساعاتي | مجلة المجتمع

العنوان ليلة اغتيال حسن الساعاتي

الكاتب يوسف مصطفي عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1993

مشاهدات 17

نشر في العدد 1058

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 20-يوليو-1993


دوافع المؤامرة

حسن الساعاتي رجل امتلأ قلبه حبًّا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وألمه الوضع المؤلم للأمة الإسلامية، فأقام جماعة إسلامية تهدف إلى إعادة المسلمين إلى دينهم وعزهم، ونجح في مراميه أيما نجاح، وغدت جماعته أكثر الجماعات عددًا وانتشارًا، فأحس الظالمون بالخطر، وخافوا على عروشهم وكروشهم وعروشهم، فحاولوا إيقافه وتوهين عزيمته بشتى الطرق، فما لان لهم ولا استكان، فقرروا في نهاية المطاف حل جماعته واغتياله.

التخطيط والاعتقالات

نظمي رئيس الوزراء يلتقي بوزير الداخلية صبحي. نظمي: لقد صدرت الأوامر بحل جماعة الساعاتي واغتياله. صبحي: اغتياله!! نظمي: نعم، لقد أصبح خطرًا على أمن البلاد. صبحي: ولكن ذلك سيثير أتباعه وعددهم كبير، وسيشكلون خطرًا على الدولة. نظمي: لا تخف الليلة سيدخلون السجون، لن يبقى أحد منهم خارج السجن. صبحي: ولكن الأمر لن يمر بسهولة. نظمي: لا تخف كل شيء سيكون تمام التمام، والأمر الذي عباس عنده، عنده باقي التفاصيل، وسياتي إليك غدًا لتسوية باقي الأمور. وفي اليوم التالي حضر عباس إلى مكتب وزير الداخلية صبحي، وبدأ النقاش على الفور. صبحي: ما الذي تم تنفيذه ليلة أمس؟ عباس: لقد اعتقلنا معظم جماعته، ومن لم يعتقل يجري البحث عنه لاعتقاله وهو الآن بمفرده ليس حوله أحد من أتباعه. صادرنا سلاحه الشخصي، وسحبنا رخصة سلاحه فلن يستطيع المقاومة. منعناه من السفر خارج المدينة أو خارج القطر إلا بإذن رسمي هو تحت المراقبة الشديدة المستمرة على مدار 24 ساعة، اعتقلنا جميع أشقائه بما فيهم شقيقه عبد الباسط ضابط البوليس. ثم طوى عباس الملف الذي بين يديه قائلًا: هذه الخطوات التي تم تنفيذها.

فخ الاستدراج

صبحي: وما الذي بقي؟ عباس: اللمسات الأخيرة لاغتياله. صبحي: ومن الذي سينفذ العملية؟ عباس: لقد استدعينا ثلاثة رجال مدربين من خارج المدينة، وأعددناهم للتنفيذ وزودناهم بالأسلحة والسيارة، وسيغادرون فورًا من موقع العملية إلى خارج المدينة، ومن ثم سيتم إبعادهم إلى منطقة بعيدة فترة من الزمن. صبحي: وأين سيتم التنفيذ؟ عباس: هذا الذي لم يحدد حتى الآن. ولكن طبقًا لتقارير المراقبة فإن أنسب مكان للتنفيذ هو شارع جمعية الشباب؛ لأنه يتردد هناك باستمرار، ولكن المشكلة في كيف نستدرجه بشكل لا يدعو للريبة في الوقت الذي نريده؟ صبحي: هل هناك عقبة أخرى غير هذه؟ عباس: كل حاجة تمام التمام يا صبحي، دع أمر استدراجه لي، واهتم أنت بالباقي، وسأبلغك حين يتم أمر استدراجه. عباس: إذن سأنصرف لإكمال المتبقي. يغادر عباس مكتب رئيس الوزراء ويقوم صبحي بالاتصال برئيس الوزراء نظمي. نظمي: إيه الأخبار يا صبحي؟ صبحي: كل شيء تمام، ولكن بقي موضوع استدراجه إلى موقع التنفيذ. نظمي: وأين موقع التنفيذ؟ صبحي: شارع جمعية الشباب. نظمي: لا قلق. الأمر بسيط، إن الساعاتي هذا يحاول بشتى الوسائل الاتصال بي للتفاهم حول جماعته المنحلة، وهو يريد مقابلة مجلس الإرشاد في السجن، وسأسرب إليه أن الحكومة موافقة على التفاهم معه بهذا الشأن في جمعية الشباب. صبحي: إذن لم يبق إلا تحديد الوقت والتنفيذ. نظمي: إذن جهز رجالك وكن مستعدًا خلال 48 ساعة لتنفيذ العملية.

الرؤيا والإصرار على الموعد

يحاول الساعاتي إصلاح الأمور، ولكن لا فائدة، ولم يبق بقربه أحد، وكلما ظهر من أتباعه أحد اعتقل على الفور، طلب منهم أن يعتقلوه مع باقي جماعته فرفضوا. طلب منهم أن يقابل مجلس الإرشاد في السجن فرفضوا، حاول مقابلة المسؤولين للتفاهم حول هذه الاعتقالات وما يترتب عليها، ولكن لا فائدة الأبواب موصدة، وبينما هو مستغرق في آلامه؛ إذ جاء أحد أصدقائه يخبره أن الحكومة وافقت على التفاهم معه بشأن مقابلة مجلس الإرشاد في السجن. فرح الشيخ حسن أيما فرح، وبدت بوادر الانشراح على محياه، وسارع للاستفسار عن موعد اللقاء والمكان، فأجابه صديقه موسى: الموعد يا شيخ حسن في جمعية الشباب يوم السبت الساعة الخامسة مساءً، وستجد الأستاذ غسان بانتظارك للتفاهم حول المسألة وترتيبات اللقاء. الشيخ حسن: سأكون هناك في الموعد إن شاء الله. أخذ الشيخ حسن يعد نفسه ليوم اللقاء. وفي ليلة اللقاء رأى الشيخ حسن في المنام أنه سيقتل في تلك الليلة، وعندما استيقظ أخبر أهله وأبناءه بما رأى، فبكوا وطلبوا منه عدم الذهاب للموعد، لكنه رفض وأصر على الذهاب، وكيف لا يذهب وهو الذي ربَّى أتباعه على حب الشهادة في سبيل الله، وخرج وهو يقول لأهله: كيف أهاب الموت والله يقول: ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖ﴾ (النساء: 78).

الغدر في شارع جمعية الشباب

وفي الشارع كان صديقه موسى ومعه الأستاذ كامل ينتظرانه للذهاب إلى الموعد، وما أن خرج الشيخ حسن حتى استقل ثلاثتهم سيارة أجرة، وذهبوا إلى جمعية الشباب، توقفت سيارة التاكسي أمام مبنى جمعية الشباب في الساعة الخامسة إلا بضع دقائق، ونزل منها الشيخ حسن ومعه الأستاذ كامل وموسى، يدخل الثلاثة جمعية الشباب، ويتم اللقاء بالأستاذ غسان ويبدأ النقاش، ويستمر إلى ما يقارب ثلاث ساعات، ولكن دون نتيجة، وأحس الشيخ حسن بالضيق؛ إذ تبين له أن الأمر ليس فيه جديد، ولا يبدو أن الحكومة في نيتها السماح له بما طلب، فانفض الاجتماع وخرج الشيخ حسن ورفاقه من مبنى جمعية الشباب بعد أن طلبوا سيارة لتقلهم.

 الساعة الثامنة والنصف مساءً، المكان شارع جمعية الشباب، الشارع خالٍ تقريبًا من الحركة، الشيخ حسن ورفيقاه يغادرون مبنى جمعية الشباب ينتظر الثلاثة برهة ريثما تأتي سيارة التاكسي، سيارة التاكسي تأتي وتقف يركب الأستاذ موسى بجانب السائق، ويركب الأستاذ كامل خلف السائق، وفي الجهة الأخرى ركب الشيخ حسن البنا الساعاتي، ولم تكد السيارة تتحرك حتى هجم ثلاثة رجال مسلحين على السيارة، وأخذوا يطلقون النار على من بداخلها، موسى والسائق لم يصابا بسوء. أما الأستاذ كامل فحاول أحد الجناة فتح الباب من جهته فأغلقه فكسر الجاني الزجاج وأطلق النار فأصاب الأستاذ كامل إصابات بليغة.

المواجهة واستخدام سيارات الوزارة

أما الشيخ حسن البنا عندما فتح الجاني الباب من جهته هب لمقاومته، فأطلق الجاني النار عليه، فأصابه في ذراعه، ومع ذلك فقد هجم الشيخ حسن البنا الساعاتي على الجاني، وحاول الإمساك به في شجاعة ورجولة، فهرب الجناة والشيخ حسن يحاول اللحاق بهم، ولكنهم كانوا أسرع منه، فركبوا السيارة التي كانت بانتظارهم وهربوا، ولكن الشيخ حسن الساعاتي استطاع التقاط رقم السيارة وكان (9979) وتبين فيما بعد أنها مسجلة باسم وزارة الداخلية. عاد الأستاذ البنا إلى موقع الحادث والدماء تنزف من ذراعه، ورأى إصابة الأستاذ كامل خطيرة، فدخل مبنى جمعية الشباب وطلب الإسعاف سريعًا للأستاذ كامل، أما هو فبالرغم من النزيف الذي أصابه إلا أن حالته لم تكن خطرة. جاءت سيارة الإسعاف ونقل الثلاثة إلى مستشفى العيون، وبدأ العاملون في المستشفى في إسعاف الأستاذ كامل والشيخ حسن البنا.

ترك البنا ينزف حتى الموت

أدخل الأستاذ كامل إلى غرفة، والشيخ حسن البنا إلى غرفة أخرى، وبينما كان الطبيب يستعد لإسعاف الشيخ حسن جاء استدعاء طارئ خرج الطبيب، وأغلق الباب على الشيخ حسن وترك وحيدًا والدماء تنزف منه، لم يكن الاستدعاء الطارئ لأمر أعظم، بل لأن الأوامر صدرت بمنع علاج الشيخ البنا وتركه ينزف حتى الموت. وترك البنا مسجى دون علاج ودماؤه تنزف حتى فاضت روحه إلى باريها تشكو ظلم الطواغيت وغدرهم ووحشيتهم.

 وبعد قتل الشيخ البنا حملت جثته تحت الحراسة المشددة إلى منزله، ولم يسمح لأحد غير أهله بالاقتراب من جثمانه، وتولى أبوه الشيخ الكبير غسله وحمل على النعش، ولم يمش في جنازته رجل واحد سوى والده، أما البقية فكانوا نساء أهل بيته، ودفن وسط إجراءات مشددة، ولم يسمح لأحد بتقديم العزاء فيه أو زيارة قبره، وظل قبره تحت الحراسة فترة من الزمن كأنهم كانوا يخشون أن يبعث من قبره ليفضح ظلمهم وغدرهم. وهكذا طويت صفحة من صفحات تاريخ الدعوة عاش صاحبها ومات وهو يعلم الناس: والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

اقرأ أيضا:

في ذكرى استشهاده.. حسن البنا مفكراً

 

الرابط المختصر :