; إلام ندعو؟ وكيف..؟ الذين ضعفوا واستكانوا | مجلة المجتمع

العنوان إلام ندعو؟ وكيف..؟ الذين ضعفوا واستكانوا

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1973

مشاهدات 11

نشر في العدد 133

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 09-يناير-1973

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).

ولكن.. ما حكم الذين ضعفوا واستكانوا؟

«الضعف ضعفان»: ضعف يعذر صاحبه ولا يلام.. وضعف يلام صاحبه ولا يعذر.. أما من يلام ولا يعذر فالذي شك وارتاب: ﴿وَقَالُوا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الأحزاب: 12).

وأما من يعذر ولا يلام فالذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. وهذا الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. هل يطعن ضعفه في كمال إيمانه ويدل وهنه على وهن يقينه؟

والذي صبر وما استكان.. هل يدل صبره على كمال إيمانه ويقطع بقوة يقينه؟

الحق أن النصوص صريحة في الحث على الصبر والأخذ بالعزائم ومدح المؤمنين الصادقين وذم من عداهم من المذبذبين.

هذا قدر مسلّم لا يماري فيه مسلم.. وما كان اتباع الرسل في يوم من الأيام إلا كما أراد الله منهم أن يكونوا.. جندًا لدعوته، مؤهلين لحمل رسالته، صابرين على تكاليف شريعته.. حتى جاء الحق وظهر أمر الله.. ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 146 - 148).

إن هؤلاء الذين صبروا منذ الشدائد، وما ضعضعهم توالي المحن والمكائد، ولا استكانوا لطاغوت معاند.. هؤلاء الصفوة؛ هم عصب الدعوة الربانية، ببركتهم يتنزل النصر من السماء، وبصدقهم وصبرهم يعجل الله ما وعدهم به من عاجل الفتح في الدنيا قبل الآخرة، وقد قرنهم الله بالنصر في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: 62)؛ يعني: وأيدك بالمؤمنين، وحسبهم بذلك تشريفًا من رب العالمين.

الحل أن قدرًا من الإيمان ينبغي أن يتحقق في النفوس، كما أن قدرًا من الطغيان ينبغي أن يسود ويشتد، كما لا بد أن يصارع هذا الإيمان ذلك الطغيان، فيقضي بعض الصادقين نحبهم، ومنهم من ينتظر، ومستلزمات ذلك أن يتفضل الله على عباده المؤمنين فيقرهم ويعلي منازلهم عنده، ويزداد سخطه على الطاغين حتى يأخذهم بالعذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون فتؤمنون، ولا يرجعون وحقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم لا يؤمنون.. هناك يتحقق الوعد والوعيد ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: 110).

ولكن.. ما لهذا أنشأت هذه المقالة، فهو أمر مسلم لا جدال فيه وظاهر لا غموض فيه، وإنما القصد بيان حكم من ضعف واستكان..

«من كفر بالله من بعد إيمانه»:

  • طائفة كفروا بالله من بعد إيمانهم طائعين..
  • وطائفة أعطت الكفر ظاهرًا..
  • وأخرى أعطت الكفر حقيقة.. وماتوا وهم كافرون.
  • وطائفة ثالثة أعطت الكفر حقيقة ثم تابوا وماتوا وهم مؤمنون.

ففي الطائفة الأولى نزل قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: 106).

قال ابن جرير الطبري: من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، موقن بحقيقته صحيحة عليه عزمه، غير مشروح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا؛ فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به عالِمًا، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم.

ثم قال ابن جرير: «وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه فعليه غضب من الله، وله عذاب أليم، فأما من أكره فتكلم بلسانه، وخالفه قلبه بالإيمان، لينجو بذلك من عدوه؛ فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم».

ثم روى ابن جرير بسنده عن محمد بن عمار بن ياسر قال: «أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى بارأهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟ قال مطمئنًّا بالإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعد» (انتهى بنصه جـ 14 ص 182).

ما نزل في الطائفة الثانية:

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97).

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «وذكر أن هاتين الآيتين والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة، كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله ورسوله، وتخلفوا عن الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة ففتن، وشهد مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها التي بينها في قوله خبرًا عنهم ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾» (انتهى بنصه جـ 5 ص 222).

ثم ذكر الأخبار الواردة بصحة ما ذكر.

ما نزل في الطائفة الثالثة:

قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 110).

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «وذكر عن بعض أهل التأويل أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا افتتنوا بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتط المشركون عليهم حتى فتنوهم عن دينهم، فأيسوا من التوبة، فأنزل الله فيهم هذه الآية: فهاجروا ولحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم» (انتهى بنصه جـ 14 ص 182).

وقد ذهب البعض إلى أن هذه الآية نزلت فيمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وذهب آخرون إلى أنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح الذي أرتد ولحق بالمشركين بمكة ثم تاب وثبت على توبته.

وسواء كان هذا أو ذاك فلا يقدح فيما قصدت إليه من ذكر الطائفة الثالثة، فالإجماع منعقد على قبول توبة المرتد وعلم القلوب عند علام القلوب.

الإيمان.. والقوة.. هل يتلازمان؟

الإيمان والقوة؛ هل يلازمان؟ أو بعبارة أوضح تبين ما قصدت إليه من البيان: هل يستلزم الإيمان الثبات على الشدائد، والصبر على المكاره، والأخذ بالعزائم، بحيث لو ضعف المؤمن بمقدار ذرة لدل ذلك على ضعف إيمانه بنفس المقدار؟

أم الأمر على خلاف ذلك؟

الحق أن الإيمان من شأنه أن يهب صاحبه قوة لم تكن له قبل؛ وعزيمة كان يخلو عنها دونه، وثباتًا على الحق يفتقر إليه من كان ضعيفه.

ولكن.. هذا ليس على الإطلاق؛ فالأمر أوسع من ذلك، والحقيقة أكبر مما هناك.

وحتى لا يسيئوا الظن بمن ضعف من إخوانهم؛ فيتعرضوا لغضب الله.. أرى من الحق بيان ما أرى أنه الحق، والله الهادي إلى سواء السبيل.

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾

النبوة مقام رفيع؛ لا يملك بشر دون الأنبياء أن يبلغها مهما بلغ من اجتهاد العبادة ووسائل القربى، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام: 124)، فأعلى منازل الصديقين دون أدنى منازل الأنبياء والمرسلين، وهذا من المسائل الإجماعِيَّةِ التي لا يجوز الخلاف فيها.

إذا تقرر هذا أقول:

من زعم أن الإيمان والصبر يتلازمان مطلقًا وأن الضعف والفجور يتصاحبان أبدًا، فقد أتى أمرًا جَلَلاً، وادعى دعوى باطلة، فهذا نبي الله يونس بن متى عليه السلام الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى» هذا النبي الكريم يضيق صدره من أعباء الرسالة فيلقيها ويذهب مغاضبًا، فيعاقبه الله سبحانه وتعالى فيلقمه الحوت ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافات: 144)، وليس بمسلم من يزعم أن يونس بن متى ضعيف الإيمان! ولن تجد مؤمنًا يرميه بوهن اليقين، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، ومكانته تشريع من الله العزيز الحكيم وتنبيه لنا وتعليم، حتى يعذر بعضنا بعضًا، ولا يفتري الأخ على أخيه فيظن به غير الحق ولعله خير منه وأصلح، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: 87).

قال ابن جرير: «واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبًا، وعمن كان ذهابه، وعلى من كان غضبه، فقال بعضهم: كان ذهابه عن قومه، وإياهم غاضب.. وقال آخرون: ذهب عن قومه مغاضبًا لربه إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه».

ثم قال رحمه الله: «وهذا القول، أعني قول من قال ذهب عن قومه مغاضبًا لربه أشبه بتأويل الآية وذلك لدلالة قوله ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ على ذلك، على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبًا لقومه إنما زعموا ذلك استنكارًا منهم أن يغاضب نبي من الأنبياء ربه واستعظامًا له».

ثم قال رحمه الله: «ولولا أنه قد كان -عليه السلام- أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله -تعالى ذكره- ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويصفه بالصفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ويقول ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾» (انتهى بنصه جـ 17 ص 78- الطبري).

قلت: وسواء كان يونس عليه السلام قد ذهب مغاضبًا لربه كما قال قوم، أو مغاضبًا لقومه كما قال آخرون؛ فهو عمل مصدره العجلة والغضب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾.

قال أهل التفسير أي: «في العجلة والغضب» وهما صفتان تنافيان كمال القوة، مع أن الأنبياء في أعلى مراتب الإيمان.

فكيف نزعم أن الإيمان والقوة يتلازمان أبدًا، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو ضعف المسلم مثقال ذرة لدل ذلك على ضعف إيمانه مثقال ذرة؟!

ألا فليتق الله أولئك النفر الذين نصبوا أنفسهم قضاة على خلقه.. هذا ضعف واستكان فاتركوه! وذاك أيد حزب الشيطان وزعم أنه مكره فلا تصدقوه! والله أعلم بمن حكموا عليهم بالنفاق، واتهموهم بالشقاق، فلربما كان فيهم من هم خير منهم، وجزى الله المرشد خيرًا حين حذر الدعاة من التردي في هذه الهوة، وقال: «نحن دعاة، ولسنا قضاة».

فهل تسمعون؟!

«اللهم إنا نعوذ بك أن نزل أو نُزل أو نضل أو نضل أو نظلم أو نُظلم أو نجهل يجهل علينا».. اللهم أمين.

الرابط المختصر :