; لَمِ هذه الضجة الكبرى؟ | مجلة المجتمع

العنوان لَمِ هذه الضجة الكبرى؟

الكاتب الدكتور إبراهيم هلال

تاريخ النشر الثلاثاء 06-مايو-1975

مشاهدات 75

نشر في العدد 248

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 06-مايو-1975

هذه المقالة رد على مقالة للدكتورة سهير القلماوي الأديبة المصرية التي نشرتها في مجلة روز اليوسف بعنوان: «مفتاح تحرير المرأة.. انضمامها إلى جيش الإنتاج» في عدد ٧ من أبریل 1975م.

لم هذه الضجة الكبرى يا دكتورة سهير حول النفقة، وحول المطالبة بإسقاطها، والمطالبة بعمل المرأة كي يكون هي الأخرى في مقابل الرجل أقدر على الإنفاق أو أن يثبت لها بهذا العمل وجود في الدولة فترعاها الدولة، كما ترعى الرجل في وقت العمل ووقت العجز، وتصرف لها المرتب أو القدرة الإنفاقية باسمها مباشرة كما تفعل مع الرجل، وأن ذلك كله في رأي الدكتورة من أجل فرارها من قهر الرجل لها بسبب فرض النفقة عليه، أو تعطفه عليها بطيب خاطره، وتقديم هذه النفقة لها، أو مراعاة لحق الزوجية ووفاء للعشرة، كل هذا لا تطلبه الدكتورة من الرجل إلى المرأة، وإنما تطلب أن تكون المرأة على قدم وساق الرجل فتنفق كما ينفق وتعمل كما يعمل، وتتعامل معها الدولة بناء على ذلك تعاملها مع الرجل.

 وأقول للأستاذة الدكتورة إنها لو تروت شيئًا ما في واقع الحياة وواقع الإسلام، لوجدت أن هذه الضجة إنما تفصم عرى الأسرة، وتفككها وتجني على أفرادها من الأب إلى الأم إلى الأبناء، وتجني علـى الدولة في النهاية.

 لنأت إلى الإسلام وموقفه من النفقة، نجد أن الإسلام لم ينظر إليها تلك النظرة التي تشكلها هذه الدكتورة وإنما كانت نظرته إلى النفقة والإنفاق، هي النظرة التي يقوم على أساسها الزواج السعيد، والذي ينتج أسرة سعيدة.

 هذه النظرة يقدمها لنا الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:

«إذا أتاكم من ترضون خلقه ودینه فزوجوه».

وفي قوله: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها، ودينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك».

أي أن من عـادة الناس أن يختاروا المرأة أو الزوجة على هذا الترتيب المتقدم في الحديث ولكن الأفضل بل الأوجب، هو أن تختار الزوجة لخلقها، ولدينها أولًا.

 فإذا ما أحسن الاختيار على هذا الأساس من الجانبين فإن الزوجية التي أقيمت على هذا، تكون زوجية سعيدة، وزوجية ناجحة بالنسبة لزوجين، وبالنسبة للدولة، أي إذا لم تختر الزوج على أساس مالة فقط أو لم تختر الزوجة دون النظر إلى خلقها واعتباره في المرتبة الأولى، هنا سنجد الأسرة كلها فردًا واحدًا ونجد كلًا منهما قد تفاهم مع الآخر وأحسن التفاهم معه، وتعاون الزوجان على السراء وعلى الضراء، وإذا كان الزوج موظفًا، أو كاتبًا، أو مؤلفًا، وهي تستطيع معاونته في هذا المستوى، فإنها تفعل ذلك عن طيب خاطر وحسن تعاون من أجل مستقبل باسم، كل ذلك دون نظر إلى مقدار النفقة التي ستحصل عليها من زوجها، أو من وراء هذا العمل، وإنما الأمر هو أسمى من ذلك، وأرقى في باب الطموح والتعاون على صنع حياة أحسن ومستقبل أرقى.

وفي هذا الجو نجد الزوج في كثير من الحالات يغمط نفسه حقها، فيقدم زوجته وأولاده على نفسه، فلا يلبس ألا بعد أن يلبسوا، ولا يأكل إلا بعد أن يشبعوا.

ولذلك فإن الإسلام لم يحدد النفقة مبدئيًا بقدر محدد ولم يطلبها من الزوج طلبًا فيه متابعة وتعقب، وإنما تركها لليسار، والإعسار ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ (الطلاق:6)ثم تجاوز ذلك إلى مبدأ تراضي الزوجين وهنا قد يختلف الأمر، فنجد الزوج قد نعم بمال زوجته، والزوجة قد قرت عينها بهذا التنعم كما أنه في كثير من الأحوال قد يتجاوز الأمر حد تنعم الزوجة بمال زوجها، فتفيض منه على ذوي قرباها إذا كانوا أقل مالًا، وهذا لا غضاضة فيه عرفًا، ولا دينًا، فقد خول لها ذلك الدين الإسلامي دين الفطرة ودين العرف السليم هذا الحق، وقدمه لها سول صلى الله عليه وسلم في قوله: «والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها» إن الشرع الإسلامي لم يقنن النفقة إلا في حالة وقوع الطلاق إذا كان لا مفر هناك من الطلاق، وإنه بإقامته الزواج على هذه الأسس إنما ينظر إليه على أنه حياة مستمرة فأبغض الحلال إلى الله الطلاق وكل زواج لا ينوي فيه التأبيد من الطرفين فهو باطل من أساسه، ولذلك كان الزواج في الأديان السماوية كلها قائمًا على الاستمرار فلا يحدد بمدة وإذا حدد بمدة بطل. وما هذا إلا إيماء إلى الناس بأن الزواج تعاطف وتعاون وتناصر، وتفان، فليس فيه «صراع على الحقوق».

إن الزواج على هذا الهدي، وعلى هذا الأساس ليس سكنًا فقط بين الزوج وزوجته كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم :21) وإنما هوسكن أيضًا، بين أسرتي الزوجين أسرة الزوجة وأسرة الزوج، والناس إنما يقصدون بالمصاهرة، هذا السكن وهذا التوفيق وهذا التواد.

وهذا السكن إن لم يتحقق بالزواج، فإن الزواج لا يكون سعيدًا ولا ينتج الأثر المرتجـى لا للمجتمع، ولا للدولة. فهذا المسكن، هو المراد من الزواج تآلف وتواد، وتقارب وتحاب وتصاهر، وهذه اللفظة الأخيرة مأخوذة من الصهر، أي الاندماج والدنو والقرابة.

 فإذا ما أقمنا الزواج على أسس أخلاقية، وعلى حسن اختيار توفر لنا هذا السكن بين الزوجين، ثم بين الأسرتين وأظن أن حياة، أو مستقبلًا، أو تأسيسًا لمستقبل لا يقوم على خلق، لا يصح أن ينظر إليه، ولا وزن له في نظر الشريعة..

إذ لا داعي أبدًا للزج بالمرأة في ميدان العمل بهذه الطريقة، وعلى هذا الأساس، ومن أجل وضعها موضع المنافس أو المتحفز، أو المتسلـح بسلاح أمام الرجل، لأننا بهذا نفقد مبدأ التعاون هذا، ومبدأ التكافل الذي يصهر الزوجين، ويجعلهما شخصًا واحدًا، أو يصهر الأسرتين، ويجعلهما أسرة واحدة، وتقضي على الخاصية المطلوبة من الزواج، والمطلوبة طلبًا لا محيص عنه، ولا فكاك منه، وهي السكن، فإن الزوج إذا لم يسكن إلى زوجته والزوجة إن لم تسكن إلى زوجها، وكلاهما بارز الآخر بما يملك وتحداه، فإن الزواج في هذه الحالة يكون منقوضًا من أساسه، لأن الاضطراب سيحل محل السكن، والاستقرار والتربص سيلفي التعاون والتآخي، والتحاب، ويشعر كل من الزوجين بأنه لا صلة بينه وبين الآخر، ولا أمل هناك يجمعهما، ولا غرض مشتركًا بينهما يسعيان إليه، ويحتاج منهما إلى التساند، والتكافل، والتعاون.

 وإنه من المترتب حتمًا على ذلك إلغاء شخصية المرأة في بيت زوجها تلك الشخصية التي تنادين بها أيتها الدكتورة، وتهدمين شيئًا تطلبينه وتريدين بناءه وإيجاده بل تهدمین شيئًا قد بناه الشرع الكريم على أساس نظرته إلى الزواج وحســن الاختيار فيه، وذلك حين قـال الرسول صلى الله عليه وسلم «والمرأة في بيت زوجها راعي ومسؤولة عن رعيتها  فهي في بيت زوجها، وبيت زوجها هو بيتها، عرفًا ودينًا كما قال القرآن الكريم ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم وقد صارت راعيته بحكم الدين، فبيتها هو بيت زوجها وبيت زوجها هو بيتها ولا فرق وهذا الشرع الكريم يصرح بأنه هو بيتها، حتى في حالة الطلاق الذي يبغضه الله فقال تعالى:  ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ (الطلاق: 1).

إننا لسنا في حاجة إلى عمل المرأة من أجل تكوين شخصيتها، ولا من أجل تحصين مستقبلها، وتأمينها ضد غدر زوجها وإنما نحن في حاجة إلى تعقل وتدبر، وأخذ بالأخلاق، وبالدين، وبالحشمة حين نخطو إلى الزواج، وألا نجعل بريق الحياة الشكلي الزائف هو محط أنظارنا في هذه الرابطة المقدسة لنعط هذه الرابطة قدرها من القداسة، وحقها من النساء من حسن الاختيار ونحن نرتاح وتنعدم من بيننا المشاكل الزوجية.

إلى جانب ذلك لنتوجه بالتوعية في هذا المجال، ولنتحدث عن الأسرة وقيمتها، وقيمة الحياة الأسرية، وما يجب على أحد الزوجين اتخاذه نحو الآخر، ونحو الأولاد، وإحسان المعاشرة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(النساء: 19)

«استوصوا بالنساء خيرًا» «خـير النساء إذا نظر إليها زوجهـا سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وفي ماله» كما نتمثل أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن حسن تبعل المرأة لزوجها يعدل ذلك كله» وذلك حين أوفدت النساء إليه أسماء بنت يزيد الأنصارية، فقالت له صلى الله عليه وسلم «أنا معشر النساء قواعد بيوتكم، وحاملات أولادكم وأنكم معاشر الرجال، فضلتـم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وأن أحدكم إذا خرج حاجًا أو معتمرًا، أو مجاهدًا، حفظنا أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربينا أولادكم، أفنشارككم في هذا الأجر والخير؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها وقال: «افهمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله» كما نتمثل أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» «خير نساء ركبن الأبل نساء قريش أحناهن على مرضع في صغره وأرعاهن ليعل في ذات يده».

 نحن في حاجة إلى هذه التوعية، وليس، إلى قلب الأوضاع التـي تعارفت عليها البشرية، من يوم أن تدينت وأتتها رسالات السماء، ولن تستقيم الحياة، إلا إذا كان الرجل، والمرأة شريكين في الحياة شركة مندمجة متكاملة لا يستطيع أحدهما أن يميز نفسه عن الآخر، ولا أن يفصل نفسه كجانب من جانبي هذه الشركة عن الجانب الآخر.

إن الرجل والمرأة صنوان، لا يفترقان، لا شكلًا ولا موضوعًا.

هما كالنخلتين اللتين، نبتتا من جذر واحد، فإذا فصل بينهمـا ماتا وهلك كلاهما على حدة.

 إن النساء من الرجال، والرجال من النساء، وهن إن لم يكن لنا زوجات فهن أخوات وأمهات وبنات وقريبات، أولو أرحام ومحارم، وليس هذا جنس وذاك جنس آخر كما قالت المدنية الحديثة، وإنما الرجل والمرأة جنس واحد وفصيلة واحدة هي النفس الواحدة التي خلقنا منها وهي الآدمية، والإنسانية، فلا داعـي لوضعهما وضع الشقاق هذا أمام بعضهما ووضع المنابذ، والمتربص والحذر من أخيه أو من شريك حياته، وضع العدو أمام عدوه.

 وفي النهاية، لا داعي للأثقال على المرأة، وتكليفها، عبئًا، فوق عبئها الأصلي ألا وهو البيت، وما يتصل به من إنجاب أولاد ورعايتهم، وإلا كنا أعداء لها، لا أصدقاء، ولا أحباء، وخير لها منا، أن نبصرها بمهمتها الأساسية في الحياة، وبالحياة كما يجب أن تكون وبواجبها نحو مجتمعها كزوجة، وأم منجبة، أو كخير أم، لأعظم أبناء، ولأعظم وطن وأقوى دولة.

 فهذه هي رسالتها، وهذا هو عملها وقد صدق من قال «إن المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز كرسي الحكم بشمالها».

 والدولة من جانبها قد فطنت إلى أثر الأم هذا، وعظم مهمتها، فكرمتها في عيدها، وجعلت للأمهات المنجبات، ألقابًا تشريفية، يقابلها جوائز مالية هي رمز لتقدير بطولة هؤلاء المثاليات، وجعلت هذا للرعاية الاجتماعية الدائمة لهـا الأمهات، وللأم عمومًا، وعن الاحتياج أو فقد العائل، فإن أج الدولة المختلفة تبادر مسرعة إلـى الوقوف بجانب المرأة أمًا أو أختًا أو زوجًة، أو بنتًا، وتقدم لهــــا ما هو من حقها بسبب انتسابها لذلك العائل الراحل، وما تحتاج من زيادة تراها الدولة، ويراهـا البحث الاجتماعي في حاجة إليه وهذا حقها على الدولة كأم أو كزوجة في المستقبل لها أثرها في توجيـه الأسرة ومن ثم في توجيه الدولة وهو واجب الدولة نحوها سواء كأم موظفة أو عاملة، أو غير عاملة.

 

الدكتور إبراهيم هلال

دكتوراه في الفلسفة الإسلامية

7(أ) شارع زين الدين شبرا من الترعة البولاقية.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل