; مؤتمر قادة الأديان .. هل هو تطبيع بالدين؟! | مجلة المجتمع

العنوان مؤتمر قادة الأديان .. هل هو تطبيع بالدين؟!

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2002

مشاهدات 65

نشر في العدد 1487

نشر في الصفحة 18

السبت 02-فبراير-2002

ما معنى أن يعقد مؤتمر لممثلي الإسلام والمسيحية واليهودية في مدينة الإسكندرية المصرية يومي ۲۰ و۲۱ يناير ۲۰۰۲ ويشارك فيه شيخ الأزهر، ولا يحضره رئيس لجنة حوار الأديان بالأزهر الدكتور فوزي الزفزاف؟ وما معنى أن يرفض الأنبا شنوده بطريرك أقباط مصر المشاركة في المؤتمر, ويقول إن اليهود لا يصلح معهم حوار بعدما أخلوا بكل العهود؟ وما معنى أن يشارك البطريرك اللاتيني الفلسطيني ميشيل صباح في مداولات «القادة الدينيين» في البداية ثم ينسحب قبل التوقيع على البيان النهائي؟ بل ماذا يعني أن يرفض الصهاينة إدخال أي تعديلات على نص البيان الختامي الذي صاغه الحاخامات بالتعاون مع أسقف كانتربري ويقول أحدهم إننا راجعناه مع شارون وصدق عليه ؟!.

وماذا يعني أن يشارك شيخ الأزهر نفسه في كل مداولات المؤتمر ثم ينصرف قبل التوقيع- كما تؤكد الروايات الصهيونية، ولم نجد ما يؤكدها أو ينفيها في الأزهر- متعللًا بموعد عاجل في القاهرة, ويترك غيره يوقع ثم يعود ليقابل الوفود اليهودية والمسيحية في القاهرة ويشكره حاخام الكيان الصهيوني الأكبر على تسهيلاته لإنجاح المؤتمر؟!

الوقائع التالية قد تجيب عن بعض الأسئلة السابقة:

أولًا: ليست هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها شيخ الأزهر حاخامات من الكيان الصهيوني، فقد سبق له أن التقى السفير الصهيوني الأسبق لدى مصر بالقاهرة في ١٣أكتوبر ۱۹۹۷م بمقر مشيخة الأزهر, تسلم خلالها رسالة من الحاخام الأكبر إلياهو بكشي، ثم التقى الحاخام مائير لاو أحد أكبر حاخامين يهوديين في الكيان الصهيوني في ديسمبر ۱۹۹۷م، كما التقى الحاخام إلياهو بكشي فيما بعد في أحد لقاءات الأديان بإيطاليا، والتقى وفدًا يضم ٢٥ رجلًا وسيدة من اليهود الأمريكيين بينهم خمسة من الوعاظ اليهود، وذلك في مقر مشيخة الأزهر يوم ١٢ أبريل ۲۰۰۰م في لقاء تخلله ترديد تراتيل يهودية بالعبرية ورفع لافتات مكتوب عليها كلمة «السلام» باللغات الثلاث العربية والعبرية والإنجليزية.

وأخيرًا التقى طنطاوي الحاخام بكشي, ومعه ثلاثة حاخامات آخرين بالإسكندرية في المؤتمر الأخير بدعوى السعي لإصدار «بيان ديني» يهيئ للسلام في المنطقة!!

ثانيًا: من بين سبع فقرات هي مجمل البيان الصادر عن مؤتمر الإسكندرية الذي اختُصرت مدته إلى يومين بدلًا من ثلاثة لم يرد أي شيء عن عدوان الصهاينة المتواصل ضد الشعب الفلسطيني، واقتصر الأمر على الحديث عن حرية العبادة في القدس «تحت رعاية الكيان الصهيوني طبعًا»، والدعوة لوقف العنف، ومنع التحريض «ضد الصهاينة طبعًا». ورغم هذا بدأ البيان بفقرة غريبة استغرب الكثيرون عدم وضعها في مواد البيان السبع, وتنص على أن: قتل الأبرياء «باسم الرب» تدنيس لاسمه تعالى ولكل أديان العالم!! ليصبح معني هذه الفقرة إدانة دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم «وهو الأمر المستهدف من المؤتمر»، وللتذكرة فقد انتهت لقاءات شيخ الأزهر السابقة مع الحاخامات بمعارضته للعمليات الاستشهادية ضد المدنيين و «الأبرياء» اليهود !!

ثالثًا: قبل عقد قمة الأديان بالإسكندرية بيومين اختتمت ندوة للحوار الديني الإسلامي المسيحي في لندن بدعوة من رئيس الوزراء توني بلير وأسقف كانتربري جورج كاري حضرها علماء دين ومثقفون مسلمون ومسيحيون ونقل أحد المشاركين فيها لــ المجتمع عبارة قالها القس كاري للحاضرين في ختام المؤتمر وهي قوله: «صلوا معنا.. نعمل حاليًّا كرجال دين على مبادرة خاصة بالقدس والأرض المحتلة», «كان يقصد قمة الإسكندرية التي جرى التعتيم عليها», ودعا الحاضرين لعدم إفشاء السر الآن «استخدم كلمة«CONFIDENTIAL» ، وأضاف أحد مساعديه يقول إن الأمر يتم «بتنسيق مع الخارجية المصرية».

وبعد ذلك توجه كاري إلى الكيان الصهيوني, ومنها للقاهرة، ثم تكشف أن قمة الإسكندرية التي قال كاري إنها تبحث شيئًا عن القدس فشلت في التوصل لشيء حولها؛ بسبب تشدد الصهاينة وتشدد حاخاماتهم, ومنهم نائب وزير الخارجية الحاخام ميخائيل ملكينور، مما دفع الحاضرين لإصدار هذا البيان الذي صاغه اليهود والنصارى ووقع عليه العلماء المسلمون!

والسؤال: هل زار القس البريطاني «كاري» الكيان الصهيوني ليجهز مع الحاخامات نص البيان المراد قبل بدء المؤتمر؟!.

صحفي صهيوني: تنازل سياسي شجع التنازل الديني

رابعًا: حدث تعتيم شديد على أخبار المؤتمر إلى حد إعطاء معلومات متضاربة للصحفيين حول مقر انعقاد المؤتمر فضلًا عن منع من نجح في الوصول إليه من الدخول أو متابعته، وعندما سألت في مقر الأزهر عن معلومات عن هدف المؤتمر أقسموا إنهم لا يعرفون شيئًا، وعلى العكس كان من السهل متابعة أنباء المؤتمر بالتفصيل عبر الصهاينة وصحفهم, بل إن أول من أعلن نبأ عقد المؤتمر كان متحدثًا بالخارجية الصهيونية !

وقد لخص الكاتب الصهيوني ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت « يوم ٢٢ يناير» نتيجة لقاء «قادة الأديان» بقوله: «من زاوية نظر إسرائيلية فإن الورقة «البيان» ممتازة، وهو بيان صهيوني كما وصفه بحرارة الوزير الفلسطيني صائب عريقات, حين قرأه قبل وقت قصير، ولكن الأساس ليس الإحساس بالإنجاز لدى الإسرائيليين الذين أعدوا الصيغة، بل كيف يقرأ الورقة الانتحاري القادم من حماس، إذا قرأها أصلًا«.

واضح ما الذي يقصده الكاتب, فلو صدر بيان يدين العمليات الاستشهادية من جانب صهاينة أو مسيحيين فلن يلتفت له الاستشهاديون أو المسلمون عمومًا، أما لو صدر من جانب شيخ الأزهر أو قاضي المحاكم الشرعية الفلسطينية الشيخ التميمي فلا شك أنه مؤلم جدًا! 

بل إن الكاتب الصهيوني ذهب أبعد من ذلك مفسرًا قبول علماء مسلمين الجلوس على مائدة التفاوض مع الحاخامات باعتباره رغبة حكومية عربية في المقام الأول ضمن الوضع الصعب الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي الآن, وبالتالي قبولهم التنازل تلو الآخر!. يقول ناحوم برنياع إن «استعداد رجال دين مصريين وفلسطينيين للموافقة على ميثاق مشترك مع رجال دين يهود ومسيحيين يدل على مدى الصعوبة والضائقة السياسية التي يشعر بها قادتهم، فمصر متهمة في الولايات المتحدة بمساعدة غير مباشرة لإرهاب بن لادن, بواسطة تصدير إرهابيين إسلاميين إلى الدول الأخرى, وإيداع التعليم بيد المتدينين المتطرفين وإفساد الاقتصاد والمجتمع، وجواب مبارك هو الشيخ طنطاوي»، ولا ينسى الكاتب أن يؤكد أن الشيخ طنطاوي سبق أن أيد العمليات ضد الصهاينة، والآن يعارضها باسم الله- على حد قوله....!

لماذا رفض قساوسة عرب التوقيع على البيان الذي أعده الحاخامات ووافق عليه الشيوخ؟

ويضيف: «ليس صدفة أن طلبت مصر استضافة المؤتمر، وليس صدفة أن ضغط طنطاوي على نظرائه الفلسطينيين كي يوقعوا, وليس صدفة أن تذكر طنطاوي أن لديه لقاء عاجلًا في القاهرة لذلك لا يستطيع أن يوقع على البيان شخصيًا، ولا يشارك في المؤتمر الصحافي, إنه بذلك يعرض حياته للخطر، قال مساعدوه للإسرائيليين: لا تعرفون ماذا سيحصل لطنطاوي حين تنشر الصور من المؤتمر في الصحف المصرية».

بل إن الكاتب الصهيوني يكاد يجزم أن «الضائقة السياسية» التي يعاني منها عرفات جعلته يأمر شيوخه, الشيخ التميمي من الأقصى والشيخ طلال سدر وزير الأديان الفلسطيني, بالحضور والتوقيع على البيان المشترك. ووصل الأمر- كما يقول- حد رفض الإسرائيليين أي تعديل يدخله الفلسطينيون على البيان الذي سبق أن اتفق عليه نائب وزير الخارجية الحاخام ميخائيل ملكيئور مع شارون وتلقى مصادقة منه بشأنه.! أما سبب رفض أي مطالب للفلسطينيين- باستثناء كلمة أو اثنين- فهي «حالتهم الضعيفة الراهنة حيث لا يستطيعون إملاء مطالب»!.

جهاد العمليات الاستشهادية لتحرير الوطن لا يتساوي مع إرهاب الاحتلال الوحشي.

من يحتج؟!

لا غرو إذن بعد سرد هذه الوقائع أن يبدو جانب من الصورة واضحًا، وأن الأمر تخطى التطبيع بالأديان إلى فرض أوامر الحاخامات اليهود- برعاية القساوسة الغربيين- على مشيخة الأزهر ووفد السلطة وسط صمت عربي!! 

أما من احتج من شيوخ الأزهر فلا يستبعد أن يحدث معهم مثلما حدث مع الشيخ يحيى إسماعيل الذي تم فصله من الجامعة ,ومع ذلك وصله خطاب جديد لتقديم نفسه للتحقيق أمام جلسة تأديب في مارس القادم! كما جرى تحويل عدد من شيوخ الأزهر للتحقيق ومجالس التأديب مؤخرًا لمخالفتهم رأي شيخ الأزهر. 

ويقول أحد العلماء، فضل عدم ذكر اسمه، إن صيغة البيان «أكبر دليل على أن الذي صاغه هم اليهود والنصارى الذين شاركوا في المؤتمر واقتصر دور علماء المسلمين على التوقيع عليه، بما فيه العبارة التي تشير إلى أن قتل الأبرياء «باسم الرب» تدنيس لاسمه تعالى ولكل أديان العالم!!.

وأضاف: «إن الهدف من هذه العبارة واضح وهو إدانة العمليات الاستشهادية البطولية التي يقوم بها الفلسطينيون، دفاعًا عن أرضهم ضد الإجرام الصهيوني الوحشي، في حين خلت بقية نقاط البيان السبعة من أية إشارة لحقوق الفلسطينيين أو للعدوان الصهيوني اليومي ضدهم».

حاخام: شارون صدق على بيان الإسكندرية قبل توقيعه!

ويؤكد ذلك أن ممثل أسقف كانتربري أكد عقب صدور البيان أن هذه الإدانة الخاصة بالقتل باسم الرب «تشمل العمليات الفدائية في الشرق الأوسط»، مشيرًا إلى أنه أول بيان مشترك في هذا الصدد يوقعه علماء دين مسلمون ومسيحيون ويهود!!.

وقد وصف د. يحيي إسماعيل لقاء علماء المسلمين بالحاخامات أنه «تنازلات مهينة لأن اليهود- حتى الحاخامات- محاربون, مجرمون ومغتصبون، ولا يجوز الحوار معهم أو التفاوض بغير السلاح؛ لأنهم يغتصبون أرضاً ليست أرضهم».

ماذا ننتظر بعد هذا الهوان؟ فبعد أن أصبحنا نعيش حالة من الاستخزاء والهوان السياسي أمام الغطرسة الصهيونية المدعومة غربيًّا، امتد الضعف والاستخزاء إلى إعطاء الدنية في ديننا وتقديم التنازل تلو التنازل, جلوسًا مع حاخامات اليهود، قتلة الأنبياء، سافكي دماء الأطفال صباح مساء، ثم التوقيع لهم على بيانات تعزز مواقفهم, وتحاول خذلان المجاهدين بتجريم جهادهم دينيًّا. لكن هيهات.. هيهات فالأمة بمجاهديها لن تركع... وعلماؤها العاملون لن يعطوا الدنية, وليمض كل في طريقه: المجاهدون والعلماء العاملون في طريق جهادهم... والمتخاذلون المنهزمون في طريق استخزائهم ..

نص البيان 

«بسم الله العلي القدير الرحمن الرحيم، إننا نحن الذين اجتمعنا كقادة دينيين من الطوائف الإسلامية, والمسيحية, واليهودية, نصلي من أجل أن يحل سلام حقيقي في القدس والأراضي المقدسة، ونعلن التزامنا بإنهاء العنف وسفك الدماء اللذين ينكران الحق في الحياة والكرامة.

ووفقا لمعتقداتنا الدينية فإن قتل الأبرياء باسم الرب يدنس اسمه المقدس ويشوه المعاني الدينية في العالم, إن العنف في الأراضي المقدسة هو شر يجب أن تتصدى له كافة الشعوب ذات الإيمان الصادق, إننا نسعى إلى أن نحيا معًا كجيران, وأن نحترم خصوصية الميراث التاريخي والديني للآخرين, إننا ندعو الكافة إلى الوقوف ضد التحريض والكراهية والتشويه للآخرين.

  1.  إن الأراضي المقدسة هي مقدسة لكافة أدياننا الثلاثة، ولذا فإن أتباع الأديان السماوية يجب أن يحترموا قدسيتها ويجب عدم السماح أن يمتد سفك الدماء إليها, ويجب الحفاظ على قدسية ووحدة الأماكن المقدسة, ويجب ضمان حرية العبادة الدينية للجميع.

  2. يجب على الفلسطينيين والإسرائيليين أن يحترموا إرادة الخالق التي شاءت أن يعيشوا برحمته على نفس الأرض التي تسمى بالأرض المقدسة.

  3. إننا ندعو كافة القادة السياسيين من كلا الشعبين إلى العمل من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم, يتمشى مع روح كلمات العلي القدير والأنبياء.     

  4.  وكخطوة أولى، فإننا ندعو إلى وقف لإطلاق النار انطلاقًا من وازع ديني يحترمه ويطبقه جميع الأطراف، كما ندعو إلى تطبيق توصيات ميتشيل وتينيت بما في ذلك رفع القيود والعودة إلى مائدة التفاوض.

  5.  إننا نسعى إلى المساعدة في تهيئة مناخ تتعايش في ظله الأجيال الحاضرة والمستقبلية في إطار من الاحترام المتبادل والثقة تجاه الطرف الآخر، إننا ندعو الجميع إلى الإحجام عن التحريض والبعد عن المبادئ الدينية, وإلى تربية الأجيال المستقبلية على ذلك.

  6. إننا كزعماء دينيين نلزم أنفسنا بالاستمرار في السعي الهادئ من أجل سلام عادل يفضي إلى مصالحة في القدس والأراضي المقدسة من أجل الصالح العام لشعبينا.

  7.  إننا نعلن إنشاء لجنة مشتركة لتنفيذ توصياتنا في هذا الإعلان ومخاطبة قياداتنا السياسية لوضعها موضع التنفيذ.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4361

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين