العنوان مادية العولمة في مواجهة الحضارة الإسلامية
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 56
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
وسط ضغوط إعلامية وتعقيدات إدارية
المؤتمر الثالث للطلبة المسلمين في فرنسا يناقش:
- اختلاف الإسلام مع العولمة يبدأ من الجوهر إلى المقاصد مرورًا بالقيم
- ترسيخ الديمقراطية في العالم الإسلامي والحوار الثقافي بين الحضارات من عوامل مقاومة تحديات العولمة
عقدت منظمة طلبة فرنسا المسلمين مؤتمرها الثقافي الثالث مؤخرًا بمدينة بیزانسون بفرنسا تحت عنوان «الإسلام أمام تحدي العولمة»، وقد شهد هذا المؤتمر عددًا كبيرًا من المثقفين وخاصة من الطلبة المسلمين وغير المسلمين إلى جانب عدد من الضيوف من داخل فرنسا وخارجها.
ودارت محاضرات ومداخلات المؤتمر حول التصور الإسلامي من جهة والفلسفة التي تقوم عليها العولمة وأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية من جهة أخرى مع الربط بين المسألتين من خلال طرح نوعية العلاقة بين الإسلام والعولمة.
فبخصوص المحور الأول، أوضح الشيخ طارق إبرو رئيس مجمع الأئمة بفرنسا في محاضرته بعنوان قراءة ديناميكية لنصوص القرآن والسنة وعلاقة ذلك بالإسلام والعولمة إن المطلوب اليوم هو الاجتهاد لإيجاد فكر إصلاحي يسهم في آفاق حضارة إسلامية تتكيف مع الواقع المتطور، مشيرًا إلى خطورة الانزلاق في اتجاهين متناقضين التقليد الأعمى للغرب والتشبث بالماضي والتراث دون التمييز بين الغث والسمين، وشدد المحاضر على دفع الإسلام نحو إعمال العقل في النصوص التي تخرج عن دائرة الثوابت ورفض القراءات الأحادية للنصوص.
وقد اتفق المفكر طارق رمضان ابن الداعية المرحوم سعيد رمضان مع ما قاله الشيخ إبرو داعيًا إلى مقاومة العولمة بنمطها الذي يفرغ الإنسان من بعده الروحاني ويجعل منه آلة ويخرجه من إنسانيته، وقال: «إننا نرفض عالمًا بدون إحساس ووعي».
وبيّن أن اختلاف الإسلام مع العولمة يبدأ من الجوهر إلى المقاصد مرورًا بالقيم، ذلك أن العولمة تقيم ترتيبًا تفاضليًّا جديدًا وتخضع لأيديولوجية مبنية على منطق السوق والزيادة في الإنتاجية باسم النمو الاقتصادي.
وتستعمل أدوات تفرض نمطها مثل التكنولوجيا ووسائل الإعلام والمؤسسات المالية الدولية التي توجه القرارات السياسية، في حين أن الإسلام يقوم على فلسفة مغايرة ترجع الأمور لله المتصرف في الكون كله وتهدف إلى إقامة العدل الذي يضمن إقامة الحريات، ودعا د. رمضان إلى فهم تعقيدات الواقع وإعادة قراءة النصوص الإسلامية على ضوء هذه التعقيدات.
اقتصاد السوق
على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فإن العولمة تطرح إشكالات كبرى تطرق إلى بعض جوانبها المحاضران الأستاذ العربي الدهني «أستاذ اقتصاد بجامعة بوردو»، والباحث محمد محمود «طالب في العلوم السياسية وأحد أعضاء المكتب المركزي للمنظمة المشرفة على المؤشر»، وتحدث الأول عن إدماج البلدان الإسلامية في الاقتصاد الدولي وتحديات العولمة، وتحدث الثاني عن طبيعة السلطة وإشكالية الديمقراطية في العالم الإسلامي. الأستاذ الدهني بيّن كيفية تحول مركز الثقل للمبادلات التجارية العالمية من منطقة المحيط الأطلسي إلى منطقة المحيط الهادي واعتبر أن الاستثمارات المباشرة للشركات الكبرى العالمية خارج الأقطار الناشئة فيها وقدّم مثالًا لاندماج البلدان الإسلامية في الاقتصاد الدولي يتمثل في إندونيسيا التي يعتبرها من البلدان القلائل الناجحة في الاندماج دون تبعية، وذلك عن طريق تنويع طرق الاستفادة من الثروات النفطية التي تملكها عبر التركيز على المجالات الاجتماعية وتعميم التعليم وتطوير القطاع الزراعي. أما السيد محمد محمود فقد دعا إلى ترسيخ الديمقراطية في العالم الإسلامي من أجل القدرة على مقاومة تحديات العولمة.
الحوار الثقافي
وتمثل المسألة الثقافية أحد الأبعاد الأساسية للعولمة التي تسعى إلى إرساء نمط أحادي، لهذا تم تخصيص محاضرة للحوار الثقافي كوسيلة للتصدي لهيمنة العولمة، وكانت هذه المحاضرة في شكل مائدة مستديرة شارك فيها كل من آلان غراش صحيفة «لوموند دبلوماتيك» وميشال مورينو «رابطة التعليم» وليلي بابس «أستاذة جامعية» وصاحبة كتاب «الإسلام الإيجابي» والشيخ طارق إبرو.
وقدّم كل واحد وجهة نظره في هذا المجال، فقد أشار آلان غراش إلى تصاعد القوميات الذاتية كنتيجة للعولمة التي تسعى لفرض منطق السوق والتعامل مع أقلية في العالم ليس لها مشاكل مادية وسياسية، وقال إن من نتائج ذلك انهيار الدولة أمام هيمنة المؤسسات والمنظمات العالمية الكبرى وكذلك نقص الاهتمام بالشؤون العالمية مقابل التركيز على المسائل القطرية وانتشار النزعة الفردية وتقليص مساحة التضامن الاجتماعي.
وحذر آلان غراش من خطرين قائمين هما تغريب العالم والخطاب المركز على الخصوصية الاقتصادية، داعيًا إلى التفكير في العلاقة بين النزعة العالمية والنزعة الذاتية من أجل الخروج عن النمط الأحادي لقولبة الإنسانية.
أما ليلى بابس فقد تحدثت عن الطابع الغريب والأجنبي للإسلام في الذهنية الغربية والتي ساهم المسلمون في تكريسها بالنزعة الانكماشية على الذات، ودعت المسلمين إلى مزيد من التعريف بالإسلام ورسالته العالمية ودوره في إثراء الحضارة الغربية وتجاوز النزعة الإثنية، كما دعت إلى الدخول في حوار مع أصحاب الديانات السماوية ليس من باب أن الإسلام هو دين الأقلية في الغرب وإنما من باب أن الإسلام هو جزء لا يتجزأ من المجتمعات الغربية التي يتواجد داخلها.
وأشار ميشال مورينو ممثل رابطة التعليم إلى محاولات طمس الحضارة الإسلامية في عملية إثراء الغرب، وقال إن المطلوب هو إدماج الإسلام في الجمهورية الفرنسية أو المسلمين في المواطنة الفرنسية، وشدد على أهمية الاندماج السياسي كقاعدة للاندماج الثقافي الذي يمر عبر تعلم مقتضيات المواطنة «حقوقها وواجباتها» والمشاركة في العملية الديمقراطية وبما يؤدي إلى توسيع دائرة الديمقراطية في البلدان الإسلامية نفسها.
ودار المحور الأخير للمؤتمر حول الصعوبات والعراقيل الموضوعة أمام حوار حقيقي بين الثقافات، وفي هذا الإطار قدم د. أحمد جاء بالله محاضرة عن «القراءة الراديكالية للإسلام»، وأوضح أن تعدد القراءات للإسلام ناجمة عن الاختلاف في الفكر الإسلامي بين ثلاثة مستويات ومبادئ أساسية لا اختلاف فيها ومسائل فقهية محل اختلاف وقضايا خلافية يمثلها اتجاه مغاير للأغلبية.
وشدد على أن الدين الإسلامي قائم على المرونة، والدليل على ذلك أن أغلب النصوص المرجعية ذات طابع عام تحث على إعمال العقل على امتداد العصور، لكن مخاطر هذه المرونة سقوط البعض في قراءة راديكالية، والأخطر من ذلك تجاوز الخطوط الحمراء والانخراط في العنف ضد المعارضين.
الخطاب الراديكالي
وحلل الخطاب الراديكالي في كونه يتصف بالتحجر ويرى في مرونة الجمهور الإسلامي ضعفًا في الدين بما يتصف برفض الحوار وفرض التأويل الخاص والخلط بين النص والتأويل، في حين أن الحقيقة قد تكون متعددة الواجهات، ومن ناحية أخرى يميل الراديكاليون إلى اتهام المعارضين بالكفر.
وأخيرًا فإن الخطاب الراديكالي يقود إلى العنف بحجة النهي عن المنكر، وفي العمل السياسي هناك رؤية قطعية تفرق الناس إلى فئتين متعاضتين، كما أن التداول على السلطة ووجود معارضة سياسية في إطار النظام الإسلامي غير مقبولين في نظر الراديكاليين المسلمين.
وعلل بروز هذه الظاهرة المنحرفة بشكل منهجي في قراءة نصوص الإسلام قراءة مبعثرة وسطحية وغير ملمة بمقاصد النصوص وبعوامل الزمان والمكان، ومن بين أسباب هذه الظاهرة أيضًا مواقف العديد من المسؤولين ورجال الصحافة حيال القضايا الإسلامية وسياسة الكيل بمكيالين، إلى جانب وجود قابلية تطرف لدى البعض.
أما عن الحلول فيرى المحاضر تجنب رد الفعل القوي في مستوى الخطاب أو الحل القمعي والأمني واعتماد منهجية تساعد على الحوار وحرية التعبير عن طريق احترام حقوق الإنسان وانفتاح الغرب واعتماده سياسة وخطابًا أكثر عدلًا فيما يتعلق بالشأن الإسلامي وقيام المسلمين بدورهم ومسؤوليتهم كأمة وسط.
من ناحيته تحدث إيريك أوسموند عن خطاب اليمين المتطرف في أوروبا وفرنسا على وجه الخصوص، واستعرض ثلاثة أشكال لليمين المتطرف، الشكل التقليدي كظاهرة انتخابية، والعنصرية بالانتقال من الخطاب إلى العنف، وأخيرًا التطهير العرقي كما حصل في يوغسلافيا.
وتعود أسباب ظاهرة اليمين المتطرف في نظره إلى التحولات الاجتماعية وفقدان المرجعية الثقافية وأزمة السياسة، وأما الحل فيتمثل حسب رأيه في إعادة الاعتبار للسياسة والتأكيد على أهمية المشاركة السياسية.
وقد تناول النقاش والمداخلات قضايا مختلفة ركّزت على الذهنية الفرنسية غير القابلة جزئيًّا أو كليًّا للحضور الإسلامي في فرنسا ومسؤولية رجال الإعلام في تشويه صورة الإسلام وإقصاء المرأة المحجبة، وكانت الأجوبة تصب في أن المجهود مطلوب من الطرفين من أجل إرساء حوار حقيقي من المجتمع الفرنسي ومن المسلمين أنفسهم الذين ينتظرهم عمل دؤوب من أجل الحصول على كامل حقوقهم كمواطنين في هذه البلاد.
وقد عقد المؤتمر وسط ضغوط إعلامية مارستها الصحافة المحلية عبر مقالات تشوه نشاط الطلبة المسلمين؛ الأمر الذي أثر على السلطات الإدارية في تعاملها مع مسؤولي فرع المنظمة بهذه الجهة، ولكن الحضور المكثف عكس مصداقية الطلبة المسلمين في الأوساط الجامعية وخارجها.