; ماذا بعد احتلال العراق؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بعد احتلال العراق؟

الكاتب مصطفي محمد الطحان

تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003

مشاهدات 59

نشر في العدد 1550

نشر في الصفحة 30

السبت 10-مايو-2003

  • ما حدث في بغداد هو منطق جميع الحكومات الثورية التي ابتليت به أمتنا.. ضياع الأوطان لا يعدونه هزيمة ما دام القائد العظيم والثورة العظيمة موجودين

  • لا شيء يحرر العراق من تركة نظام صدام ومآسيه سوى أن يتعلم قادة المعارضة في الخارج والداخل دروس الإنقاذ.. وكلهم يسمع استغاثة بغداد

في عامي ١٩٨٣م و١٩٨٤م استخدم صدام الأسلحة الكيماوية ضد إيران.. واعتبرت واشنطن ذلك تفوقًا تكتيكيا ضروريا! وفي ۱۹۸۳/۱۲/۱۹م قابل رامسفيلد صدام بهدف التعاون العسكري السري بين واشنطن وبغداد

 قد يكون من المبكر الحديث عن نتائج الحرب الأمريكية.. وصفقاتها.. ولكن الإنسان عجول بطبعه.. ويحب أن يحصل على إجابات لأسئلته.. ولا أجد باسًا في ذلك.. فلا يمكن لإنسان متفاعل مع الحدث.. تابع الأحداث وتصور لها نهاية تناسبه... لا يمكن أن نقول له انتظر حتى ينكشف المستور، وتظهر الحقائق.. فالحقائق لا تظهر أحيانًا إلا بعد خمسين سنة. ولهذا سنحاول أن نذكر بعض النتائج التي أسفرت عنها هذه الحرب على المستوى العراقي.. وعلى المستوى الخليجي.. وعلى المستوى العربي، وعلى المستوى الأوروبي، وعلى المستوى العالمي.. وعلى المستوى الأمريكي.. نذكرها بدون تحديدات دقيقة. فالمعلومات غير متوافرة إلا عند صناع الحدث.. ولا يذيعون منها إلا القدر الذي يناسبهم. وما يناسبهم قد لا يناسبنا.

العراق تحت الاحتلال قبل الحديث عن الحرب الأخيرة في العراق. نضع أمام القارئ بعض المحطات الرئيسة التي مر بها العراق منذ تولى قيادته صدام حسين.

- في عام ١٩٥٩م شارك صدام حسين في محاولة فاشلة لاغتيال عبد الكريم قاسم الذي أطاح بالملكية وأقام النظام الجمهوري عام ١٩٥٨م.

- في عام ١٩٦٨م قام البعث بانقلاب عسكري سيطر فيه على الحكم وأصبح اللواء أحمد حسن البكر رئيسًا للجمهورية.. وعمل البكر وصدام معًا وأصبحا القوة المهيمنة على حزب البعث.

- في عام ١٩٧٢م عقد العراق معاهدة تعاون وصداقة مع الاتحاد السوفييتي، كما أمم شركة النفط الوطنية، التي تأسست في ظل الإدارة البريطانية وكانت تصدر النفط إلى الغرب بأسعار رخيصة.

 وقد استثمر بعض أموال النفط التي أعقبت أزمة ۱۹۷۳ في الصناعة والتعليم والصحة، مما رفع المستوى المعيشي إلى أعلى مستوى في العالم العربي. 

  • في عام ١٩٧٤ ثار الأكراد في شمال العراق بدعم من شاه إيران الذي كانت تؤيده الإدارة الأمريكية. وقد دفع هذا الصراع الحكومة العراقية إلى طاولة المفاوضات مع إيران، إذ وافقت على تقاسم السيطرة على شط العرب «اتفاقية الجزائر عام «۱۹۷۵» مقابل ذلك أوقف شاه إيران تقديم الدعم المادي للأكراد، مما مكن النظام العراقي من إخماد الانتفاضة الكردية. 

  • في عام ۱۹۷۸ أصبح الانتماء إلى أي من أحزاب المعارضة جريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام. وفي العام التالي أجبر صدام حسين المهيب أحمد حسن البكر على الاستقالة وتولى جميع السلطات في البلاد.

وقد أقدم صدام على إعدام العشرات من منافسيه في قيادة الحزب والدولة خلال أيام من وصوله إلى الرئاسة. 

  • في ٢٢ سبتمبر عام ۱۹۸۰ بدأت الحرب مع إيران.. وهي بكل المقاييس حرب بالوكالة.. خاضها صدام برعاية أمريكية كانت المليارات طوع يديه.

 والأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية تقدم له المعلومات.. وأسلحة الدمار الشامل تزوده بها أمريكا ليضرب إيران والأكراد في داخل العراق.. أهداف الحرب أمريكيًا كانت إسقاط النظام الإيراني الجديد.. وأهدافها عراقيًا أن يتسنم صدام مركزًا مرموقًا في السياسة الشرق أوسطية التي ترعاها أمريكا.

  • في ١٨ يوليو عام ۱۹۸۸ وافقت إيران على هدنة اقترحتها الأمم المتحدة. وبدأ سريان وقف إطلاق النار في ٢٠ أغسطس، وأرسلت الأمم المتحدة قوات دولية لحفظ السلام.

 وبنهاية الحرب لم تتغير حدود البلدين تغيرًا كبيرًا لكن كلًا من العراق وإيران شعرنا بثقل التكاليف البشرية والاقتصادية الهائلة لثمانية أعوام من الحرب التي حصدت أرواح نحو ٤٠٠ ألف شخص من الجانبين كما خلفت نحو ٧٥٠ ألف مصاب. تقدر قيمة الخسائر الاقتصادية وخسائر عائدات النفط لكل من البلدين بأكثر من ٤٠٠ مليار دولار، إلا أنه بعد ثلاثة أعوام من انتهاء الحرب وفي عام ۱۹۹۱ م وبعد شهر واحد من الغزو العراقي للكويت وافق العراق على الالتزام باتفاقية عام ١٩٧٥م التي وقعها مع إيران. 

  • اغتنمت إسرائيل فترة انشغال العراق بحريه ضد إيران فأغارت مجموعة من طائراتها على مفاعل تموز النووي الذي أقامته فرنسا في العراق، وحولته إلى أنقاض.

  • في ٢ أغسطس ۱۹۹۰م غزا صدام الكويت... مدعيًا أنها جزء من العراق.. في هذا التاريخ يمكننا أن نقول إن أمريكا خطت أولى خطواتها الاستراتيجية.. هيأت الأمر سفيرتها في بغداد أبريل جلاسبي التي أفهمت صدام عمق الروابط بين البلدين.. وعندما تحدث عن نيته في الحرب ضد الكويت.. قالت له: السفيرة هذه قضايا داخلية لا علاقة لنا بها. 

كان هدف أمريكا توريط صدام وإزالته فهو عميل لا يطمأن إليه.. وهدف القيادة العراقية هو ابتزاز دول الخليج.. وإشباع نزعة التأله التي بدأت تظهر على شخصية صدام. 

  • في 17 يناير ۱۹۹۱م شنت أمريكا عملية عاصفة الصحراء ضد العراق.. وفي ٢٧ فبراير تحررت الكويت وقبلت العراق وقف إطلاق النار. 

وتحرك الشعب العراقي في الشمال والجنوب في انتفاضة شعبية.. كان بإمكانها الإطاحة بصدام... ولكن اللعبة لم تنته بعد.. فعلى الرغم من وجود القوات الأمريكية داخل العراق فقد سمحت لصدام باستخدام أسلحته لإبادة الانتفاضة في الشمال والجنوب.. فأسلحته فتاكة حين يكون عدوه شعبه... وفرضت أمريكا عليه قرارها بإنشاء منطقة الحظر الجوي في الشمال والجنوب.. بحجة الدفاع عن الشعب العراقي. 

تقول جماعة «إندايت» التي تدعو المحاكمة القادة العراقيين بتهم ارتكاب جرائم حرب إن المتمردين أعدموا جماعيًا، وإن المستشفيات والمدارس والمساجد وطوابير اللاجئين الفارين قد تعرضت للقصف. وتقول الولايات المتحدة، التي تعرضت لانتقادات شديدة لسماحها لصدام باستمرار استخدام قواته الجوية: إن ما بين ثلاثين ألفًا وستين ألف عراقي قد لقوا حتفهم. 

وفي الشمال فر نحو مليون ونصف المليون كردي عبر الجبال إلى إيران وتركيا، وقد ساهمت الظروف المناخية السيئة والتضاريس الصعبة في زيادة معاناة اللاجئين وخلقت كارثة إنسانية رهيبة. 

  • وتسببت حرب الخليج الثانية في أسوأ الكوارث البيئية التي شهدها العالم، فقد أضرم العراقيون النار في ٦٠٠ بئر نفطي في الكويت على الأقل، مما نتج عنه غمامة سوداء من الدخان غطت سماء

الكويت، وقد تطلبت عملية إطفاء هذه الحرائق جهودًا مضنية بذلها متخصصون في هذا المضمار على مدى ستة شهور.

أما في العراق، فقد أثار التلوث الناتج عن استخدام القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها للذخيرة المصنوعة من مادة اليورانيوم المنضب قلقًا شديدا.

ويقول العراقيون إن الإشعاع الناتج عن استخدام هذا النوع من الذخائر قد تسبب في ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية تسعة أضعاف في المناطق الجنوبية من البلاد وعلى الأخص المناطق المحيطة بمدينة البصرة. 

  • في أبريل ۱۹۹۱م قررت الأمم المتحدة إجراء عمليات تفتيش على الأسلحة العراقية استمرت اللجنة في عملها لأكثر من سبع سنوات تم خلالها تدمير العديد من الأسلحة المحظورة وتفكيك معدات إنتاجها. 

  • في يونيو ١٩٩٣م أصدر الرئيس الأمريكي كلينتون تعليمات بتوجيه ضربات جوية لمقر المخابرات العراقية ردًا على محاولة لاغتيال سلفه جورج بوش الأب قبل هذا بشهرين أثناء زيارة قام بها للكويت.

  •  في ديسمبر ١٩٩٨م شنت الولايات المتحدة وبريطانيا عملية ثعلب الصحراء.. وكان الهدف المعلن رسميًا... من حملة التفجير والقصف باستخدام صواريخ كروز التي أصابت ۱۰۰ هدف في مختلف أنحاء العراق - هو حرمان صدام من القدرة على إنتاج أسلحة تدمير شامل.

 وشملت الأهداف، بالإضافة إلى المواقع التي لها علاقة بإنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية مواقع الشرطة السرية، وقوات الحرس الجمهوري، وقواعد جوية، ومواقع دفاع جوي ومصافي نفط البصرة. 

  • وفي ٢٦ نوفمبر ۱۹۹۳م وافقت بغداد من دون شروط على القرار رقم ٧١٥ الصادر عن مجلس الأمن حول مراقبة التسلح العراقي، وهو القرار الذي استغله الأمريكان حتى قيام الحرب الأخيرة.

  • في ۲۷ نوفمبر ۲۰۰۲م استأنف مفتشو نزع الأسلحة بقيادة هانز بليكس عملهم داخل العراق... بعد تبني مجلس الأمن في ۲۰۰۲/۱۱/۸م القرار ١٤٤١ الذي يطالب العراق بكشف برنامجه الإنتاج أسلحة الدمار الشامل.

حاولت أمريكا وإنجلترا الحصول على قرار ثان من مجلس الأمن يخولها استخدام القوة.. واعترضت فرنسا.. ولهذا بدأت أمريكا الحرب بقرار منفرد يوم ۲۰ مارس ۲۰۰۳م. 

  • بدايات الحرب كانت مفاجئة للأمريكان. فقد توقعوا أن يستقبلهم العراقيون بالزغاريد.. ولكن المقاومة كانت في البداية شرسة.. مما أربك خطة الحرب. 

  • تحمس العالم مع العراقيين، وكان الجميع ينتظرون معركة بغداد التي ستكون مقبرة للغزاة... وإذا بالأمريكان يدخلون بغداد يوم 9 أبريل ۲۰۰۳ دون مقاومة.. فلقد هربت القيادة واستسلمت القوات التي ظنها الناس حصنًا لا يمكن تجاوزه. 

  • لقد تآمر صدام حسين على رفاقه الحزبيين. وقام بانقلاب داخلي أبعد أحمد حسن البكر الذي اعتبره البعثيون في العراق بمثابة والد الجميع... وتابع المسيرة نحو البعثيين الذين انشقوا عليه فصفاهم في كل مكان وصلت إليه يده... ولم يسلم من هؤلاء زوج ابنته الذي قتله بيده كما أشيع.

  • وتآمر صدام على الأكراد.. فحاول قتل الزعيم الكردي مصطفى البرزاني بعد أن عقد معه اتفاقية الحكم الذاتي.. ونجا البرزاني من الموت بأعجوبة... وإن كانت حادثة تفجير مقره قد أودت بحياة عدد كبير من مساعديه.. ثم قام بتهجير الأكراد من مناطقهم في الشمال، وأثناء نقلهم من ديارهم إلى الجنوب صفى منهم فيما عرف بالأنفال عشرات الألوف. وكانت إحدى حلقات الأحزان الكردية وتحديدًا في ۱٦ مارس ۱۹۸۸ ما شهدته بلدة حلبجة الكردية التي قتل فيها اليوم وبعد مرور خمسة عشر عامًا على تلك الجريمة النكراء التي استخدم فيها نظام صدام أسلحة الدمار الشامل ضد شعبه قاد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد حملة عسكرية غير مسبوقة لإزالة تلك الأسلحة وإطاحة نظام صدام وهي مفارقة تاريخية مؤلمة، ذلك أن اسم دونالد رامسفيلد ذاته، وليس أي شخص آخر سواه، يرتبط بمذبحة «حلبجة» وبتزويد نظام صدام بأسلحة الدمار الشامل خلال الحرب العراقية الإيرانية ولمزيد من الإيضاح، فإن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان محت في العام ۱۹۸۲ اسم العراق من لائحة الدول الراعية للإرهاب، وفتحت بذلك الباب أمام التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد ضد إيران وبناء على نصيحة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية حينذاك صدر قرار بتزويد نظام صدام بالمعلومات العسكرية عن إيران وتقديم الاستشارات التخطيطية، وتزويده بالسلاح وضمان عدم نقص الذخائر.. وفي هذا الإطار ابتعث الرئيس ريجان مندوبه دونالد رامسفيلد يوم ۱۹ ديسمبر من العام ۱۹۸۳م إلى بغداد في مهمة خاصة تستهدف دعم التعاون العسكري السري بين الولايات المتحدة والعراق وكرر رامسفيلد الزيارة في ٢٤ مارس من العام ١٩٨٤، وفي ذينك العامين استخدم صدام الأسلحة الكيماوية ضد القوات الإيرانية التي عدها الأمريكان تفوقًا تكتيكيًا ضروريًا للعراق على إيران ويكشف الصحافي بوب وودوارد في صحيفة واشنطن بوست «15 ديسمبر من العام ١٩٨٦» أن المخابرات المركزية هي التي أعانت نظام صدام على تصنيع غاز الخردل.

 وتآمر صدام على الشيعة في العراق. قبل حربه مع إيران.. وأثناء الحرب. وأثناء الانتفاضة الشعبية بعد حرب عام ١٩٩١م. وموقفه من الشيعة جزء منه انتهازي... فقد نال به ثناء بعض الدول المجاورة. وأحيانًا بعض الإسلاميين الذين اعتبروه حارس البوابة الشرقية للوطن العربي.. وثناء أمريكا التي كانت تعادي إيران وتعتبرها العدو الأول لها ولإسرائيل.

وباختصار فلم يبق لصدام حسين إلا الشريحة السنية في وسط العراق.. وأقاربه في تكريت. وأزلامه في حزب البعث.. وهؤلاء جميعًا طلاب زعامات.. ورجال بلا قلب. يمكن اعتبارهم مجرمي حرب في العرف الإسلامي والقانوني.

حزب البعث شكله ميشيل عفلق وصلاح البيطار، استمدا فلسفته من الفلسفة الغربية الفرنسية العلمانية، وكل من يقرأ مبادئ البعث كما كتبها مؤسسه في كتابه «في سبيل البعث».. يدرك أنها فلسفة تعادي الإسلام والقيم التي نشأت عليها وأمنت بها شعوبنا المسلمة... 

ولا نتصور أن المسافة ستكون كبيرة بين البعث الاحتلال... برئاسة صدام.. والبعث الذي سيتعاون. مع فتاريخه منذ أكثر من خمسين سنة يوصله لمثل هذه النتيجة. ولقد صرح وزير الدفاع البريطاني لصحيفة الأوبزرفر ۲۰۰۳/۱/۱۲ أن أعضاء حزب البعث سيسمح لهم بالمشاركة في إعادة بناء البلاد!

نتائج الحرب

  1. كان واضحًا أن حرب أمريكا على العراق ستنتهي بانتهاء النظام العراقي.. فالخلل في ميزان القوى والفرق بين سلاح أكل عليه الدهر وشرب في العراق، وبين أقوى ترسانة أسلحة وأكثرها تطورًا وفتكًا في أمريكا.. كبير للغاية وسيحسم النتيجة لصالح أمريكا... كان المتعاطفون مع الشعب العراقي.. أو لنقل الناقمون على أمريكا نتيجة عدوانها.. يتمنون أن تطول الحرب قليلًا وأن يسقط عدد آخر من قوات الاحتلال الأمريكي لا أكثر. 

  2. ولكن لم يكن من المتوقع أبدًا.. أن يحدث هذا الانهيار السريع في قمة القيادة في بغداد.. إن الطريقة التي سلمت بها مفاتيح بغداد شكلت فضيحة لكل التحليلات الاستراتيجية التي صدرت عن الجانب العربي، والتي لم تبرز فقط هشاشة أبنية النظام وهزال قدراته العسكرية، بل كشفت ضعف شعور رأس النظام بأي مسؤولية تجاه مستقبل البلد الذي حكمه لمدة ثلاثة عقود، فكان زجه في المعارك مثل إخراجه منها محكومًا بالبحث عن سلامة القائد، حتى لو كانت سلامة موهومة. 

وهذا المنطق للأسف.. هو منطق جميع الحكومات الثورية التي ابتليت بها امتنا. فبعد نكسة عام ١٩٦٧م. أعلن جمال عبد الناصر قائد ثورة يوليو في مصر أن إسرائيل لم تنتصر.. فضياع الأوطان لا يعدونه هزيمة ما دامت الثورة العظيمة والقائد العظيم موجودين. وبنفس الطريقة صرح إبراهيم ماخوس وزير خارجية سورية أثناء حرب عام ١٩٦٧م، وعلى نفس المنوال سار صدام حسين في جميع معاركه حتى وصل إلى أم المعارك.. ثم إلى أم الهزائم.

يوم فتح السلطان محمد الفاتح إسطانبول عرض الأمان على إمبراطور القسطنطينية فأبى.. وقال لابد للقائد من أن يدافع عن بلده ويموت مع شعبه.

أما جميع أولئك الثوريين الذين ابتليت بهم بلادنا. فلم يعرفوا إلا الهزائم.. فهم أقل شأنًا من أن تصفهم شعوبهم يومًا بأنهم دافعوا عن البلاد!!

 3. المعارضة العراقية متعددة التيارات من اقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. قوى إسلامية... سنية وشيعية وهي الأوسع وجودًا على الساحة حاليًا.. والتيار الوطني الذي يهمه إقامة حكم ديمقراطي مستقل في العراق ينعم شعبه بخيراته ويحسن علاقاته مع جميع جيرانه، ويستثمر ثروات بلاده في التعليم والصحة والرفاه.

وتيارات أخرى أوجدها الإنجليز والأمريكان.. أنفقوا عليها.. ودربوا بعضها.. وحملوها معهم كجزء من مستلزمات الحملة لاحتلال العراق... 

هؤلاء كما رصدتهم جريدة الحياة «[1]»:

  • الاتجاه الأول أولوياته استقرار الترتيب السياسي الملائم للولايات المتحدة في المنطقة والمحافظة بالتالي على الحلفاء واسترضاؤهم وأفق هذا الاتجاه هو المدى المتوسط لإدراك أصحابه أن العديد من هؤلاء الحلفاء يعيشون أزمات ويواجه تحديات داخلية مختلفة والثقة في تمكنهم من تجاوز محنهم على المدى الطويل ضئيلة. 

  • أما أولوية الاتجاه الثاني فضمان المصلحة الاقتصادية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتحديدًا تثبيت أسعار النفط أو دفعها إلى التراجع وربما أيضًا الاستفادة من إعادة إعمار العراق الصالح القطاع الخاص الأمريكي وافق هذا الاتجاه هو المدى القصير، لارتباطه في الغالب باعتبارات داخلية اقتصادية وانتخابية أمريكية.

  • أما الاتجاه الثالث فأولويته تبديد خطر الإرهاب بأسلحة الدمار الشامل عبر إزالتها أو على الأقل تدجين أصحابها. وافقه مرتبط بالنجاحات التي قد تتحقق في تفتيت الشبكات المعادية.

  • ويبقى الاتجاه الرابع -وهو عقائدي- الطابع والساعي إلى إعادة ترتيب المنظومة السياسية والاقتصادية العالمية بما ينسجم ومصالح واشنطن. وأفقه هو المدى البعيد. بل حديث أصحابه هو عن «القرن» الأمريكي الجديد.

هذه التشكيلة.. يضاف إليها فلول البعثيين الذين هم «زلم» كل سلطة.

أما الإسلاميون فلهم دور كبير بشرط الابتعاد عن الطائفية.. فمازال السنة يتحدثون عن ولاء الشيعة لإيران.. ومازال الشيعة ينظرون للسنة باعتبارهم كانوا أدوات النظام الاستبدادي والتيار الديني هو تيار توحيد العراق بإمكانه توحيد السنة والشيعة والأكراد والتركمان وجميع الملل والنحل في العراق عليهم أن يستفيدوا من تجارب الماضي وينطلقوا بروح جديدة توحد ولا تفرق، تقوي ولا تضعف.. تبدأ من نقطة الوفاق ثم توسعه.

لا شيء سيحرر البلد من تركة النظام ومآسيه والصفحات السود، سوى أن يتعلم قادة المعارضة في الخارج والداخل دروس الإنقاذ، لأن الامتحان كبير. وكلهم يسمع صرخات استغاثة في بغداد التي استبيحت ليلًا ونهارًا بغزو أخر، جعل البعض يذكرون لنظام صدام «مأثرة» حفظ أمن الشارع وممتلكات المواطنين الأبرياء!

حتى في حضور الجنرال تومي فرانكس و«الحاكم المؤقت الصهيوني جاي جارنر، يمكن لقادة المعارضة أن يختاروا تعلم الدرس لإنقاذ البلد من مشاريع الإدارات العشائرية التي ستزرع بذور حروب صغيرة بلا نهاية فإيقاظ الروح القبلية العشائرية لا يمكن إلا أن يغذي الرغبة في تقويض أسس الدولة الموحدة، لتنكفئ الطوائف والقوميات على ذاتها أكثر من ذلك، لن يكون للمعارضة خلاص من نار تفكيك البلد وتشرذمه، إذا تمسكت بأصوات الأشخاص. الرموز في معركة البقاء، وتصارعت على المقاعد والمناصب لتنتهي مستنجدة بالأمريكي كقوة «ردع» وحيدة بين الفصائل والأحزاب والطوائف والمذاهب العشائرية و«الأقليات».

 الأقلية الوحيدة في العراق اليوم هي العراق الوطن، فالأمريكي انتصر بالقوة، والمعارضة ما زالت مشروع انتصار وستبقى كذلك إلى أن تتمكن من استعجال رحيل الأجنبي، وهزيمة الغرائز والمصالح الذاتية، والثارات المتراكمة لن تربح في كركوك ولا بغداد ولا الناصرية إلا إذا أنقذت وحدة العراق وأعادته إلى شعبه في هذه الحال فقط لن يؤرخ ٩ «أبريل» لبداية فصل جديد من الكوارث «[2]».
 

«[1]» حسن منيمنة، الحياة ٢٠٠٣/٤/١٣م.

 «[2]»زهير قصيباتي الحياة ٢٠٠٣/٤/١٣م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

204

الثلاثاء 12-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 9

نشر في العدد 18

165

الثلاثاء 14-يوليو-1970

هذا الأسبوع - 18