; ماذا بعد الغزو اليهودي للبنان؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا بعد الغزو اليهودي للبنان؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1982

مشاهدات 52

نشر في العدد 576

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 22-يونيو-1982

•الولايات المتحدة قد تخالف الرأي اليهودي، ولكنها دائمًا مع «إسرائيل» في الملمات!

•الشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكي بالدرجة الأولى و«إسرائيل» هي حجر الزاوية فيه.

•الموقف الأوروبي بشكل عام والفرنسي بشكل خاص مكمل لموقف الولايات المتحدة.

•الموقف السوفياتي إعلامي، وحليفته سوريا ملتزمة باتفاقاتها مع «إسرائيل»!

•المقاومة الفلسطينية المسلحة وحدها من بين الأطراف العربية تستطيع أن تقلب المعادلة.

•تقسيم لبنان وارد، والاحتمال الأقوى دولة كتائبية ومعاهدة سلام مع «إسرائيل».

•«إسرائيل» تهدف بشكل أساسي إلى تصفية القضية الفلسطينية والمقاومة المسلحة.

•أمريكا لم تفاجأ بالغزو، وموقفها يتحول إلى موقف إسرائيل الرسمي.

•الولايات المتحدة تحبذ أن تحقق لليهود بالسلام ما تريد «إسرائيل» أن تحققه بالحرب!

لابد أن العدو اليهودي المتغطرس عندما سمى غزوه العسكري الغاشم للبنان بعملية «السلام للجليل» واختياره ذكرى هزيمة 5 حزيران ١٩٦٧ لبدء الغزو، كان قد وضع في حسبانه عدة أهداف سياسية أفصح عن بعضها وأخفى بعضها الآخر. والسؤال الذي يطرح نفسه بعض مضي أسبوعين كاملين على الغزو هو: ما هي الأبعاد السياسية للغزو اليهودي وانعكاساته على مجمع الوضع السياسي في الشرق الأوسط؟

وللإجابة على هذا التساؤل لابد من النظر في ميزان القوى السياسي في الشرق الأوسط عمومًا وفي لبنان خصوصًا، أو بصورة أخرى لابد من معرفة القوى السياسية الفاعلة في المنطقة وحقيقة موقفها من الغزو اليهودي للبنان.

نفوذ أمريكي

الحقيقة الأولى هي أن الشرق الأوسط كغيره من مناطق العالم قد دخل ضمن صراع النفوذ الدولي مند زمن طويل، وقد كرس هذا النفوذ منذ الحرب العالمية الثانية للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بشكل أساسي، مع وجود بعض المصالح الدولية الأخرى ذات الصفة الاقتصادية بالدرجة الأولى كدول أوروبا الغربية وخاصة بريطانيا وفرنسا. على أن من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط كانت ولا تزال منطقة نفوذ أمريكي، وإذا كان هناك من دور للاتحاد السوفياتي فهو كما يعتقد المراقبون دورٌ متفق عليه ضمن سياسة الوفاق الدولي، وهو على أية حال لم يزد حتى الآن عن تزويد بعض الدول العربية ذات الأنظمة العسكرية الديكتاتورية بالأسلحة الدفاعية مقابل ثمن يدفع بالعملة الصعبة، والقوى الدولية ظلت متفقة ولا تزال على مبدأ الحفاظ على دولة إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وإذا كان ثمة في اختلافات فهي هامشية تتعلق بالتنازل عن بعض الأراضي العربية المحتلة والاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

وبالتدقيق في موقف الدول الكبرى من الغزو اليهودي للبنان يتضح أن الموقف الفاعل الذي قد يترتب عليه نتائج سياسية في لبنان والشرق الأوسط عمومًا هو الموقف الأمريكي، فالاتحاد السوفياتي بالرغم من النقد الشديد الذي صدر على لسان بعض المسؤولين فيه، أو في الإعلام الرسمي لم يزد عن حد الاستنكار والتحذير الشديد اللهجة!

وبالرغم من تفاؤل حلفاء الاتحاد السوفياتي في المنطقة ومخدوعي الفكر الماركسي، والتلويح بالتدخل الروسي، إلا أنه وبعد مضي أسبوعين كاملين على الغزو لم يترجم الموقف الروسي إلى عمل. 

فقد ثبت أن معاهدة الصداقة السورية مجرد حبر على ورق، الأمر الذي جعل صلاح خلف أبو أياد ينتقد موقف الاتحاد السوفياتي علنًا في مقابلة له مع إذاعة مونت كارلو يوم الجمعة الماضي، وطالبه فيها بالضغط على سوريا لعدم التقيد بوقف إطلاق النار والدفاع عن لبنان والشعبين اللبناني والفلسطيني مع المقاومة الفلسطينية والقوات اللبنانية الفلسطينية المشتركة!

وقد اتضح أن حجر الزاوية في السياسة السوفياتية وهو النظام السوري كان وفيًا وملتزمًا بدقة اتفاقاته مع «إسرائيل»، كما صرح بذلك رئيس وزراء العدو مناحيم بيغن ووزير دفاعه أرئيل شارون!

الموقف الأوروبي

أما الموقف الأوروبي فهو بشكل عام تابعٌ للموقف الأمريكي. فالمبادرة الأوروبية التي طرحتها زيارة ديستان للمنطقة عام ٨٠ وتحمست لها بريطانيا إعلاميًا وتبنتها المجموعة الأوروبية في بيان البندقية، اتضح أنها كانت تطرح أو توضع على الرف تبعًا للموقف الأمريكي. وبالنسبة للوضع في لبنان فإن دول أوروبا لم تزد على الانتقاد الإعلامي للغزو اليهودي والمطالبة بالانسحاب من لبنان، ويعتبر الدور الفرنسي في لبنان هو غاية ما تتبناه أوروبا عمومًا، والمدقق في الموقف الفرنسي في لبنان قبل وبعد الغزو يجد أنه كان دور «الوكيل» عن السياسة الأمريكية، وقد أعلن مؤخرًا كل من وزير الخارجية كلود شيسون ورئيس الحكومة موروا وبعد عودة أسحق شامير من باريس أن فرنسا قد تسهم في قوة دولية للحفاظ على السلام في جنوب لبنان! كما قال راديو العدو، أو كما نقلت مصادر صحفية أوروبية وغربية. 

هناك مبادرة فرنسية للسلام في لبنان من ثلاث نقاط هي وقف إطلاق النار بدقة، ومساعدة الفلسطينيين، وانسحاب إسرائيل، كما ينبغي دعم لبنان ممثلًا بالسلطة الشرعية أي النظام الحاكم للتفاوض باسم لبنان في محادثات السلام! وهذه البنود التي تنطوي على الغموض تشبه إلى حد بعيد الشروط التي تقدم بها المبعوث الأميركي الخاص للبنان فيليب حبيب، غير أنها تخفي موضوع انسحاب الفلسطينيين من لبنان وتسليم أسلحتهم! والشيء الوحيد الذي تتميز به المبادرة الفرنسية الجديدة ذكرها لحقوق الفلسطينيين، وهذا كما رأينا في العدد الماضي، وكما سيأتي بعد قليل توجه أميركي على استيحاء تحاول إدارة ريغان التوصل إليه عن طريق دفع محادثات الحكم الذاتي.

•الأطراف العربية

فالطرف الدولي المؤثر في لبنان والشرق الأوسط عمومًا هو الولايات المتحدة. أما على المستوى المحلي فالموقف يتحدد بالطبع في ضوء مواقف الأطراف العربية وموقف «إسرائيل»، وبالنسبة للأطراف العربية هنالك محوران: محور الاعتدال وتدخل في ذلك حكومة الرئيس اللبناني إلياس سركيس، ومحور الرفض أو الصمود والتصدي، وقد تفتتت هذه الجبهة في أثر اندلاع الحرب العراقية –الإيرانية، وأصبحت عمليًا تقتصر على سوريا وليبيا ومنظمة التحرير، ولا يخفى على المراقب أن منظمة التحرير كانت مضطرة لمسايرة جبهة الصمود والتصدي لأسباب جغرافية سياسية، لكن على أية حال فالطرف المهم في الجبهة، وهو سوريا لم تشترك في الحرب إلا ببعض حركات استعراضية هي من قبيل تغطية التواطؤ، وهي متقيدة بقرار وقف إطلاق النار، وهي كما وصفها شارون تحترم اتفاقاتها مع «إسرائيل»! ولكن بحكم وجود قوات الردع في لبنان التي تطالب «إسرائيل» وأمريكا وكل المجتمع الدولي والحكومة اللبنانية والقوى المارونية، فإن سوريا سوف تشترك بلا شك في رسم جغرافية لبنان والمنطقة التي ستترتب على الغزو اليهودي.

وفيما يخص الأطراف العربية الأخرى أي محور الاعتدال فموقفهم مسوق مع الدور الأمريكي في المنطقة، حتى لوحظ أن أحد المسؤولين من دول محور الاعتدال تبنى علنًا مقولة أمريكا المشهورة في منطقة الشرق الأوسط حين صرح مؤخرًا بأن ما يدعو للقلق في لبنان هو تطور الصراع بحيث يتدخل الاتحاد السوفياتي مما يشكل تهديدًا خطيرًا للسلام والأمن في المنطقة !!

وعليه فإن موقف الأطراف العربية عمليًا يتحدد في ضوء الموقف الأمريكي، أما الطرف العربي الفاعل الذي يؤثر في مستقبل المنطقة السياسي، فهو المقاومة الفلسطينية المسلحة. إذ أنها إذا استطاعت الصمود والمقاومة في ظل ظروف التواطؤ والصمت العربي والدولي المريب، وإذا ما أصرت على القتال والدفاع عن نفسها أمام الغزو اليهودي، وهذا هو قدرها على أي حال، فإنها ستقلب المعادلة على عكس ما تريد إسرائيل والولايات المتحدة، ولكن مما يحز في النفس ويدمي القلب أن المقاومة الفلسطينية على بسالتها وشجاعة مقاتليها تقف أمام آلة الحرب اليهودية وحدها.

•الطرف اليهودي

وفيما عدا القوى الفلسطينية واللبنانية المقاتلة فإن الطرف اليهودي والأطراف الملحقة به من القوى اللبنانية المارونية كالكتائب ودويلة الرائد المنشق سعد حداد، تظل هي الطرف الفاعل في الوضع اللبناني. 

وفي ضوء الظروف الدولية والعربية الراهنة تكون الحقيقة مؤلمة جدًا، كيف لا وهي تقول إنه في ظل هذه الظروف، فإن الولايات المتحدة و«إسرائيل» هما اللذان يتحكمان في الوضع الحالي والمستقبل السياسي للبنان والشرق الأوسط عمومًا! 

وإذن فإن الإجابة عن التساؤل الذي طرحناه ابتداء تكمن في معرفة الموقفين الأمريكي واليهودي هل هما مختلفان حقًا؟ وإذا اختلفا فماذا وإلى أي حد؟ ولمن تكون الغلبة في النهاية؟ 

وحتى لا نضيع في النظريات والتحليلات ندخل في صلب الموضوع وهو الغزو اليهودي للبنان. فالولايات المتحدة بالرغم من عدم علمها بموعد وكثافة الغزو اليهودي كما قالت الصحف الأمريكية المطلعة، إلا أنها لم تفاجأ بالغزو كما صرح شارون وايتان للإذاعة والتلفزيون الإسرائيلية، ومع أن مصادر غربية نقلت عن ريغان قوله: إن بيغن «قد خانه»، وبالرغم من أن الولايات المتحدة طالبت بالانسحاب الإسرائيلي في بداية الغزو إلا أن موقفها مع اتساع زمن الغزو تحول إلى موقف «إسرائيل» نفسه!

•فقد تراجعت الولايات عن قراري مجلس الأمن 508، 509 اللذين يدعوان للانسحاب غير المشروط، فها هو هيغ ومنذ بداية الأسبوع الماضي وهو يبدو متحدثًا رسميًا بلسان »إسرائيل»، ومن أقدر قادتها على تحديد أهدافهم، اشترط للانسحاب الإسرائيلي انسحاب كافة القوات الأجنبية، وإيجاد منطقة عازلة في الجنوب اللبناني، وقيام حكومة مركزية قوية في لبنان، أي نفس المطالب اليهودية المعلنة! وقد أعلن مناحيم بيغن عشية زيارته إلى واشنطن التي مددت إلى يوم الاثنين الماضي لمقابلة كارتر أن هنالك تطابقًا في الأهداف الإسرائيلية والأميريكية، وتحدث الناطقون الأميركيون عن حاجة القوات الغازية لفترة استقرار! وتنقل آخر الأنباء أن هيغ صرح بعد لقائه بيغن في واشنطن أن بلاده تدرس إرسال قوات أميركية للمرابطة في جنوب لبنان!

حجر الزاوية ولكن !!!

ولكن أليس هناك في خلاف في الرأي بين أميركا وإسرائيل! 

لا شك أن إسرائيل هي حجر الزاوية في السياسة الأميركية في المنطقة، فهي حليفها القوي المأمون نظرًا للارتباط العضوي بين مصالح دولة إسرائيل والرأسمالية الأميركية. كما أنه قد ثبت للولايات الأميركية أن حلفاءها من حكام العرب والمسلمين مهما بلغت درجة ولائهم وإخلاصهم إلا أنهم عرضة للتغيير والتبديل بسبب قوة الإسلام التغييرية والكراهية المتأصلة في الشعوب للسياسة الأميركية، ومع ذلك وكما هو معلن فإن أميركا ومنذ اتفاقيات كمب ديفيد تميل إلى تحقيق مصالح «إسرائيل» ومصالحها بالمفاوضات والحلول السياسية وليس بالحرب كما تؤمن «إسرائيل»، كما أن أميركا باتت تعلن الخشية من أن تؤدي سياسة العنف المسلح إلى تهديد مصالحها الحيوية في المنطقة، لذا فقد لجأت إلى مسايرة المطالب العربية إعلاميًا، وأخذت تنادي ولو سرًا ومن وراء الكواليس بضرورة الاستجابة للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقد سعت الولايات المتحدة بالتعاون مع السعودية وسوريا ومن خلال مهمة المبعوث الأميركي الخاص فيليب حبيب إلى وقف لإطلاق النار بين «إسرائيل» والمقاومة الفلسطينية في الصيف الماضي، وحاولت أميركا من خلال مبعوثيها فيليب حبيب، وموريس درايير، وفير يانكس تثبت ذلك القرار وثني «إسرائيل» عن اجتياح الجنوب، وفي نفس الوقت بدأت أميركا بالاتصال بصورة غير مباشرة مع منظمة التحرير محاولة إقناعها بالعدول عن الكفاح المسلح، مقابل الدولة الفلسطينية على أن تعلن الولايات المتحدة الاعتراف بالمنظمة إذا ما اعترفت المنظمة «بإسرائيل» وقراري ٢٤٢، ٣٣٨، ويبدو أن هذه الاتصالات كما فهم من تصريحات للسيد عرفات وهاني الحسن وغيرهما من المسؤولين الفلسطينيين كان من الممكن أن تتقدم وتصل إلى نتيجة، وبخاصة أن المجتمع الدولي برمته بات يعترف بالمنظمة والحقوق المشروعة للشعب للفلسطينيين. 

وقد ظهرت دلائلٌ ومؤشراتٌ كما ذكرنا في العدد السابق على أن المجتمع الأميركي نفسه بات مستعدًا للاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيين.

•ظروف عربية مواتية!

ومن هنا باتت تدرك «إسرائيل» أنه لابد من مواجهة المطلب الفلسطيني بحق تقرير المصير في يوم آتٍ يصعب فيه تحدي الرغبة الدولية بما فيها أميركا، ولذلك ونظرًا لمنطلقات الحركة الصهيونية التوسعية، ولمطامح بيغن أو شارون الشخصية تم توقيت الهجوم في يوم ذكرى خمسة حزيران ٦٧ في ظروف عربية مواتية، قالت صحيفة الواشنطن بوست: إن شارون شرحها للإدارة الأميركية أثناء زيارته لواشنطن في نهاية الشهر الماضي وقد لخص هذه الظروف بالقول: إن روح الفرقة التي اعتمدتها «إسرائيل» كاستراتيجية أساسية في تعاملها مع الدول العربية لم تكن منذ عام ١٩٤٨ أفضل منها الآن! واعترف أن بلاده نجحت في تحقيق هذا الهدف عن طريق إخراج مصر من اللعبة، ومساعدة إيران في حربها ضد العراق، لكي تعزز مناخات الخوف في دول الخليج وتحيدها عن الجبهة الشرقية بواسطة هذه الاستراتيجية التي أجبرت أعداءها على الالتقاء في أرض محايدة هي أرض لبنان»!

والمتتبع الغزو العسكري اليهودي للبنان وامتداده إلى بيروت ومحاصرتها من جميع الجهات، مع السيطرة على مفارق الطرق والجبال العالية، وعدم استجابة «إسرائيل» لقراري مجلس الأمن 508، 509 اللذين استعدت المقاومة للاستجابة لهما، وتحييد سوريا وقوات الردع في القتال، والتعاون مع القوات الكتائبية وقوات سعد حداد يدرك أن الهدف الحقيقي للغزو هو محاولة تصفية منظمة التحرير كقوة سياسية وعسكرية بحيث تفوت الفرصة على أي مطلب بالاعتراف بالمنظمة وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وبالتالي ضم الضفة الغربية وقطاع غزة وفرض الإدارة المدنية فيهما، وبالنسبة للفلسطينيين المدنيين في لبنان فإن «إسرائيل» كما سبق أن صرح شارون، ومن قبله دایان وغيرهما يجب توطينهم في لبنان والأردن وبقية الدول العربية التي يتواجدون فيها وبذلك تنتهي القضية الفلسطينية نهائيًا، وتكون إسرائيل كما تطالب حاليًا قد وقعت اتفاقات مماثلة لاتفاقات كمب ديفيد مع كل من لبنان وسوريا والأردن، وهي تطمح بذلك كما يقول المراقبون إلى إحكام سيطرتها بعد دول الجبهة الشرقية على دول الخليج والجزيرة العربية لتصبح «إسرائيل» قوة دولية كبيرة!

وتطور الشروط اليهودية للانسحاب من لبنان يؤيد ذلك ويؤكده، فقد سمي الغزو بعملية السلام الجليل، وصرح بيغن وشارون، واتيان أن الهدف منه إقامة منطقة عازلة بعمق 4٠ كم لحماية منطقة الجليل من قصف المدافع الفلسطينية، ولكن هذا المطلب تطور ووصل الغزو إلى بيروت، كما أن الشروط وكما قالها شارون يوم الخميس الماضي للإذاعة اليهودية «التوصل إلى تسوية سياسية تضمن عدم عودة المقاومة الفلسطينية وانسحاب جميع القوات الأجنبية من الأراضي اللبنانية بما في ذلك الجيش السوري والجيش الإسرائيلي وتشكيل قوة دولية من جنسيات متعددة لضمان ذلك» 

وقد أوردت الأنباء أن «إسرائيل» أنذرت المبعوث الأميركي فيليب حبيب بضرورة الإسراع في التوصل لاتفاق يتم بموجبه إجلاء المقاومة الفلسطينية عن لبنان وتسليم أسلحتهم خلال فترة معينة، وإذا لم ينجح في ذلك فستقوم قوات الغزو باقتحام بيروت، وقد قال حبيب بدوره إن الإسرائيليين لا يمزحون! ولذا فإنه في ضوء ما هو متوافر من معلومات، فإن «إسرائيل» إذا ضمنت مساعدة الكتائبيين ستغامر بدخول بيروت لتصفية المقاومة الفلسطينية، خاصة وأن المقاومة من المستبعد كما ذكرنا من قبل أن تستجيب لمطالب «إسرائيل» بالانسحاب وتسليم الأسلحة، وقد أعلن كل من عرفات وأبو إياد أن بيروت ستكون مقبرة للغزاة وإذا ما حصلت المواجهة في بيروت أو بقي الغزو في حدوده الحالية فلا شك أن ذلك سينعكس على مستقبل لبنان والمنطقة.

والاحتمالات القوية المطروحة هي كما قال وليام كوانت عضو مجلس الأمن الأميركي السابق «كلونا» تقسيم لبنان إلى دولتين دولة للكتائب و«إسرائيل»، ودولة في الشمال للمسلمين اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين. والجدير بالذكر أن الرئيس الروماني كان قد اقترح على حافظ أسد الموافقة على ضم الجولان «لإسرائيل» مقابل جزء من شمال لبنان! وهناك توقعات بتقسيم لبنان إلى أكثر من دويلة وهذا الاتجاه تدعمه «إسرائيل» إلى حد ما، لكن الخطط الكتائبية والتصور الأميركي يذهبان إلى جعل لبنان كما هو معلن الآن دولة واحدة ذات حكومة مركزية قوية بعد نزع السلاح من كل المليشيات المسلحة في لبنان، وتخطط إسرائيل لاستثمار الغزو لفرض معاهدة سلام على لبنان بشكل منفصل كما فعلت مع مصر.

لكن الولايات المتحدة كما تقول الصحافة الأميركية وخبراء أميركيون ستحاول أن تستثمر الوضع الجديد لتوسيع عملية السلام بحيث تشمل الفلسطينيين، والتصور المطروح عمليًا هو دفع محادثات الحكم الذاتي مع دعم وجهة النظر المصرية التي خلافًا لوجهة النظر الإسرائيلية لا تفرق بين الأرض والسكان، كما أنها من المحتمل أن تتطور إلى حق تقرير المصير. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: من الذي ينتصر رأي «إسرائيل» أم رأي الولايات المتحدة؟

ومع أن الخلاف في الرأي هامشي لا يمس صلب القضية الفلسطينية، إلا أن التاريخ والوقائع تقول بأن الرأي الإسرائيلي هو المنتصر دائمًا، نظرًا للنفوذ الصهيوني في الإدارة الأمريكية، ولظروف التمزق والتخلف العربي الذي تسهم في استمراره كل من «إسرائيل» والولايات المتحدة، والمحصلة النهائية الخطيرة للقضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان لا سمح الله، هي أولًا وقبل كل شيء عدم تصور قيام أي حركة جهادية ذات طبيعة تغيرية في العالم العربي والإسلامي، وإطلاق يد «إسرائيل» في عرض العالم الإسلامي والتحكم في سياساته ومقدراته، ولعمري فإن باطن الأرض- إن تمكنت «إسرائيل» من تحقيق ذلك خير من ظاهرها، فمتى يستفيق المسلمون من غفلتهم فينتبهوا إلى خطورة المؤامرة التي تحاك ضدهم وتطبق بعض خيوطها الآن في لبنان؟! 

إن الحقيقة الكبيرة التي تفرض نفسها الآن، هي أن المسلمين بقوتهم ووحدة صفهم، ونقاء عقيدتهم فحسب يستطيعون أن يخرجوا من ظلمات الزمن الأمريكي اليهودي إلى زمن العزة والقوة والكرامة، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 21).

الرابط المختصر :