الثلاثاء 31-مايو-1988
ما مستقبل حركة الاتجاه الإسلامي؟ وكيف ستواجه التحديات؟ ما نوع العلاقات التي ستبنيها مع السلطة الجديدة؟
وما الدور الذي ستلعبه بالحياة العامة؟
السلطة التونسية تدرك مدى ما اكتسبته حركة الاتجاه الإسلامي من عمق وتغلغل في المجتمع التونسي.
كان قرار الإفراج عن الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة الاتجاه الإسلامي في تونس ليلة عيد الفطر مفاجأة للجميع، حيث ساد الاعتقاد لدى الأوساط السياسية التونسية أن النظام الجديد في تونس بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي ليس في عجلة من أمره بخصوص فتح ملف حركة الاتجاه الإسلامي، وأنه استطاع بما اتخذه من إجراءات أعادت الاعتبار للهوية الإسلامية التونسية أن يسحب جزءًا من البساط من تحت أقدام مناضلي حركة الاتجاه الإسلامي مما يكفل له إرجاء فتح ملفهم إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المزمع إقامتها في نوفمبر القادم، أو على الأقل إلى ما بعد انعقاد مؤتمر حزب التجمع الدستوري «الحزب الدستوري سابقًا» في يوليو القادم.
وأقصى ما كان يؤمل أن يواصل النظام أسلوب العفو التدريجي واتخاذ الخطوات الصغيرة - والتي يصفها البعض بأنها شكلية - ربحًا للوقت وزعزعة للحركة نتيجة امتداد تناقضاتها الداخلية. لكن يبدو أن رئيس الدولة قرر الإقدام على هذه الخطوة المهمة إلحاقًا بالخطوات السابقة، طرقًا للحديد قبل أن يبرد ومسارعةً منه بمواجهة أهم المشاكل التي ورثها عن النظام السابق.
. ما بين أغسطس 1984 ومايو 1988:
مرتان يخرج الغنوشي من السجن بعفو رئاسي، المرة الأولى في 13 أغسطس 1984 والمرة الثانية في 14 مايو 1988، ففي المرة الأولى كان الرئيس السابق هو الذي زجّ به في السجن وهو الذي عفا، أما في المرة الثانية فالرئيس زين العابدين بن علي هو الذي عفا ولم يكن هو الذي زجّ به في السجن.
كان التصريح الذي صرّح به الغنوشي بعد خروجه الأول وسط جمع كبير ودون خشية «لو كنت أعلم أن هذا العفو من الرئيس لما قبلته». وفي المرة الثانية خصّ زعيم حركة الاتجاه الإسلامي الرئيس زين العابدين بن علي بإطراء لم يكن الرئيس السابق يحلم بجزء منه حيث قال: «إن ثقة الإسلاميين في الله ثم في سيادة الرئيس عظيمة أن تكون هذه الخطوة الجديدة مفتاحًا فعالًا لحل كل القضايا برمتها».
إذًا لقد تبدل الوضع كليًا ما بين 1984 و1988. حدثت في تونس أحداث جسيمة قدم خلالها الإسلاميون التضحيات وقارعوا فيها النظام القديم، وأُعلنت حرب بين الطرفين حتى جاء زين العابدين بن علي وأقصي بورقيبة عن الحكم. لقد اشتد عود حركة الاتجاه الإسلامي واستقطبت الجماهير وحظيت بدعم لم تعرفه أية جهة معارضة في تونس سواء في الداخل أو الخارج، وقد انعكست شعبية حركة الاتجاه الإسلامي في الوفود الغفيرة التي جاءت تهنئ الغنوشي بخروجه من السجن وهي تنظر إلى هذا الخروج على أنه انتصار مظفر حتى قال الغنوشي: «لقد التقيت في اليوم الأول بقوم بقيت في أغسطس 1984 شهرًا كاملًا لأرى مثلهم».
والآن وبعد أن اكتملت دورة من دورات النضال الإسلامي في تونس فإن أسئلة كثيرة تطرح نفسها بخصوص مستقبل حركة الاتجاه الإسلامي:
كيف ستواجه التحديات في المستقبل؟
ما نوع العلاقات التي ستبنيها مع السلطة الجديدة في تونس؟
وما الدور الذي ستلعبه في الحياة العامة للمجتمع التونسي؟
. رهان السلطة:
تدرك السلطة مدى ما اكتسبته حركة الاتجاه الإسلامي من عمق وتغلغل في المجتمع التونسي ومدى ما يحظى به زعماؤها من تأييد وشعبية في الداخل والخارج. كما أنها تدرك أن سياسة السجن والنفي وحتى المشانق التي استعملها النظام السابق لم تُجدِ، ولذلك فضّلت الحوار مع هذا الاتجاه الذي تعتبره لغمًا خطيرًا من مخلفات النظام السابق لا بد من تفكيكه. وعلى هذا الأساس وربما بعد دراسة الرسالتين اللتين كتبهما كل من راشد الغنوشي في سجنه وعبد الفتاح مورو في منفاه إلى الرئيس زين العابدين بن علي تقرر الإفراج عن زعيم الحركة باعتباره مرشحًا كفؤًا للحوار مع السلطة باسم حركة الاتجاه الإسلامي. وأصبح الإفراج عن الغنوشي الخيار الأنسب خوفًا من أن تعود الحركة إلى العمل السري تحت إمرة قيادات نكرة قد لا تستطيع الإحاطة بكل القواعد في مختلف الجهات وتوجيهها، مما قد يؤول إلى أسوأ العواقب. والسلطة التي درست ملفات مناضلي الحركة، تقسم هؤلاء المناضلين إلى فئتين: معتدلين يمكن الحوار معهم وهؤلاء الذين استفادوا من اتجاه حركة الإخوان المسلمين، ومتطرفين مناصرين للعنف يجب محاصرتهم.
فعندما يخرج راشد الغنوشي من السجن وهو الزعيم الذي اكتسب شعبية وأصبح رمزًا للحركة وكاد أن يصبح «سيد قطب تونس» فإنه يستطيع أن يجعل القواعد أكثر انضباطًا والمتشددين أكثر مرونة وتنازلًا إن لزم الأمر.
وعلى هذا الأساس يبدو أن السلطة رشحت الغنوشي لهذا الدور التصالحي بين الحركة والنظام باعتباره رجلًا معتدلًا حكيمًا مدعومًا بعلمه وشجاعته وتجربته مدركًا لأخطار التناقض مع السلطة من جديد. وقد دلّت الوقائع الأولى على أن الشيخ راشد الغنوشي مستعد بدوره لهذه المصالحة. فقد صرّح على إثر خروجه من السجن أنه ينظر إلى ما حصل يوم 7 نوفمبر على أنه مشروع للتغيير والإنقاذ الوطني، في حين يعتقد قسم من قواعد الحركة «أنه لم يحصل تغيير مهم في البلاد». ولم يتردد الغنوشي في دعوة رفاقه وقواعده إلى «مساندة السلطة الجديدة والالتفاف حول مشروعها» وهذا يفترض أن ما قامت به السلطة من إعادة الاعتبار للهوية العربية الإسلامية في تونس هو من صلب مشروع حركة الاتجاه.
ولكننا نتساءل: كيف ستتم هذه المصالحة والتعارض ما زال قائمًا بخصوص أمر جوهري وهو فصل الدين عن السياسة؟ وقد أكدت السلطة وجهة نظرها عندما أصدرت قانون الأحزاب الذي يمنع تأسيس حزب على أساس ديني. وقد صرّح رئيس الدولة في 2 فبراير 1988 بأنه «لا مجال لتوظيف الدين في السياسة لا حاضرًا ولا مستقبلًا».
وترى السلطة أن الدين للجميع وليس حكرًا على أحد، وأن تأسيس حزب على أساس ديني يعني ضمنيًا نفي الصفة الإسلامية عن الأحزاب الأخرى وعن الدولة نفسها. كما أكد قانون تنظيم الحياة في المساجد والجوامع والذي صدر مؤخرًا على تشبث السلطة بمبدأ فصل المجال السياسي عن المجال الديني حيث منع هذا القانون أي نشاط داخل المساجد ما عدا التعبد إلا برخصة من وزير الداخلية. فماذا سيكون موقف الغنوشي من مثل هذه القوانين وهو الذي يقول: «أحسب أن الاتجاه يفقد مبرر وجوده أن هو وافق على مقولة الفصل بين الدين والدولة».
. رهان الاتجاه الإسلامي:
تُظهر تصريحات الشيخ الغنوشي ورفاقه الأخيرة أنه قد حصل تبدل نوعي في علاقة الاتجاه الإسلامي بالسلطة، وأن الاتجاه الإسلامي بزعامة الغنوشي يساند السلطة مساندة مبدئية وليست ظرفية، ويبحث عن كيفية جعل الحكومة تقوم بما كان يريد القيام به هو نفسه قدر الإمكان. وعلى هذا الأساس فإنه سيتحاشى في المرحلة القادمة أي تصادم أو حتى تنافر مع مواقف السلطة وهذا ما يفسر اعتزام بعض كوادره المنفية مثل صالح كركر وعبد الفتاح مورو استعدادهم للعودة لأرض الوطن. وقد صرّح عبد الفتاح مورو لوكالة الشرق الأوسط قائلًا: "عودتنا أصبحت في حكم الحاصل، ولا تنتظر إلا بعض الإجراءات الترتيبية. يمكن أن نقول: إننا نتهيأ للعودة". فالأولوية بالنسبة للحركة الآن هي لمّ الشتات وتقييم التجربة الماضية وصياغة أسلوب جديد في التعامل مع السلطة، ولعل هذا ما قصده الغنوشي بقوله: «تفهم الأوضاع الحرجة التي تمر بها البلاد» أي سيحاول الاتجاه الاستفادة من هدنة قد تطول سنين طويلة، وسيعمل خلالها على انتهاج طريق الإصلاح بعد أن سُدّ الباب أمام هذا الحزب بمقتضى قانون الأحزاب الجديد، وليس أمام الحركة الآن إلا أن تنشط ضمن أطر أخرى كالجمعيات الثقافية أو المنظمات القومية والأحزاب الأخرى. وإذا كان الهدف الرئيس للحركة هو إعادة الاعتبار للإسلام في تونس بعد مشروع التحديث البورقيبي الذي لم يأت بنتيجة، فإنها سترضى مرحليًا دون الحزب وبما يفوق الاعتراف الضمني بما يحقق هامشًا من حرية النشاط والعمل.