العنوان ماذا جرى في المجلس الوطني الفلسطيني؟
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1987
مشاهدات 64
نشر في العدد 816
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 05-مايو-1987
▪ الغزو الشيوعي والماركسي داخل المنظمة لا زال دون الهيمنة
▪ المطلوب بذل الجهد من قبل العناصر المؤمنة داخل المجلس لمواجهة الغزو الشيوعي
ماذا جرى في الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في الجزائر من 20-25 /4/ 1987؟ وما الفرق بينهما وبين الدورتين السابقتين؟ ولماذا إصرار قيادة المنظمة على عقد هذه الدورة في هذا الوقت بالذات؟ وما هي الضغوط التي مورست من أجل إفشال هذه الدورة؟ ولماذا عادت الجبهة الشعبية إلى المنظمة؟ وكيف دخل الحزب الشيوعي؟ وما هو موضع الإسلاميين داخل المجلس الوطني؟ وما هي حقيقة مشكلة مصر مع المنظمة؟ وما هي توقعاتنا للأشهر الستة القادمة؟
قبل انعقاد هذه الدورة في تاريخها المحدد كانت هناك جلسات للحوار الوطني في الجزائر، حضرها الأمناء العامون لثمانية تنظيمات فلسطينية رئيسية مع أعضاء هيئة الحوار الوطني من المستقلين والفعاليات الوطنية الفلسطينية.
والحقيقة أن الحوار بين «فتح» وبقية فصائل المقاومة لم ينقطع منذ خرجت منظمة التحرير من بيروت ومن ثم من طرابلس، ولكن الحوار كان في السر مبدئيًا، ثم تحول إلى العلن وتنقل بين عواصم عربية وغربية، إلى أن تم الاتفاق على عقد هذه الدورة للمجلس الوطني التي أطلق عليها اسم دورة صمود المخيمات ودورة الوحدة الوطنية، ذلك أن صمود المخيمات الفلسطينية في لبنان وصمود الأهل في الأرض المحتلة هو الذي أوحى لقادة فصائل المقاومة أن يلتقوا، وأن يتحاوروا، وأن يتحدوا.
ولقد كانت هناك محاولات من بعض الفصائل التي لم تشارك في دورة عمان السابعة عشرة لاعتبار هذه الدورة هي السابعة عشرة بديلًا عن دورة عمان، ولكن هذه المحاولات فشلت.
ووحدة الفصائل كانت موجودة في الدورة (16)، ولذلك يقول محمود عباس (أبو مازن) إن الوحدة الوطنية تعني عودة الفصائل التي شاركت في الدورة (16) إلى هذه الدورة.
من الطبيعي أن يتساءل المواطن العربي: لماذا لا يتحد الفلسطينيون؟ ونفس هذا السؤال كان يواجهه قادة الفصائل عند التقائهم بالمسؤولين العرب، وعندما التقى الفلسطينيون بدا واضحًا أن هنالك أطرافًا فلسطينية لم تستطع أن تحضر إلى الجزائر، مثل: (الصاعقة، والقيادة العامة، وجبهة النضال الشعبي) رغم أن بعض الكوادر من هذه المنظمات اتصلت بالمجلس بطريقة أو بأخرى وأعلنت تأييدها للوحدة الوطنية.
أما جماعة (أبو نضال) فقد حضروا وشاركوا في الحوار الوطني، ولكن مطالبهم التنظيمية كانت أكبر من حجمهم على الساحة، إذ طالبوا بعدد معين منهم لعضوية المجلس الوطني وعدد آخر للجنة التنفيذية ورفض طلبهم فانسحبوا.
وأما الجبهتان الشعبية والديمقراطية فقد كانتا تشترطان إلغاء اتفاق عمان قبل انعقاد المجلس الوطني وبالفعل فقد تم إلغاء هذا الاتفاق قبيل انعقاد المجلس.
ومن المعروف أن اتفاق عمان كان قد عقد في الوقت الذي قامت فيه جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني كبديل لقيادة المنظمة وما دامت الفصائل الرئيسية في جبهة الإنقاذ قد عادت إلى منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات- فإن الجبهة الشعبية كان عليها أن تعلن خروجها من جبهة الإنقاذ، وهذا الذي حصل، وبالتالي فلم تعد جبهة الإنقاذ قائمة من الناحية العملية، كما أن اتفاق عمان في نظر «فتح» أدى دوره وانتهى سيما وأن الطرف الأردني أعلن عن تجميده ووقف العمل به.
ومع ذلك فقد أغضب إلغاء الاتفاق الأردن، وقامت مظاهرة في عمان يقودها «أبو الزعيم» تتمسك بالاتفاق.
وقبل أن يغضب الأردن غضبت المغرب، بسبب حضور وفد عن البوليساريو أو جمهورية الصحراء وإلقاء كلمة في المجلس يشبه فيها محمد عبد العزيز فلسطين بالصحراء، وأن كلتيهما أرض محتلة، فانسحب وفد المغرب، وأعلن الملك الحسن مقاطعة منظمة التحرير وليس القطيعة معها، بمعنى أن على المغاربة أن ينسحبوا من أي مكان يتواجد فيه ممثلون عن منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن لم تغلق مكاتب المنظمة في المغرب.
ويرى صلاح خلف (أبو إياد) أن تصرف المغرب هذا كان متسرعًا ولا مبرر له، إذ إن من حق المنظمة أن تدعو من تشاء، ومن حق المدعو أن يقول ما يشاء، ثم إن علاقات البوليساريو بالحكومة الجزائرية علاقات وثيقة، والمنظمة تعقد مجلسها على أرض الجزائر بعد أن رفضت دول عربية أخرى أن يعقد المجلس على أرضها، كما أن بيريز- وهو عدو الشعب الفلسطيني- زار المغرب ولم تقف المنظمة موقفًا متشنجًا من المغرب.
ومعنى ذلك أن الوحدة الوطنية لا بد أن يكون لها ثمن وهو ابتعاد بعض البلدان العربية عن المنظمة، بل ربما كان المقصود من شروط بعض الفصائل للعودة إلى المنظمة هو ابتعاد دول عربية معينة كالأردن، والمغرب، ومصر.
ومن جهة أخرى فإن هناك أطرافًا عربية يزعجها أن يتفق الفلسطينيون بمقدار ما تزعجهم بقولها: يا فلسطينيون اتفقوا، وما حدث بين مصر والمنظمة في هذه الدورة يلقي مزيدًا من الأضواء على طبيعة الأدوار المرسومة لبعض الأطراف العربية والفلسطينية، وكيف استطاعت قيادة المنظمة أن تتجاوز الشراك المنصوبة بأهون الشرين وأقل الخسائر.
فحول علاقة المنظمة بمصر جرى نقاش طويل في اللجنة السياسية حول «تحديد أسس العلاقات الفلسطينية المصرية على قاعدة قرارات الدورات المتعاقبة للمجلس الوطني الفلسطيني»، هذا النص تبنته «فتح» ولم تعترض عليه مصر، ولكن وفد الجبهة الشعبية أصر على إضافة عبارة «وبخاصة الدورة السادسة عشرة» إلى النص السابق، ومع أن إضافة هذه العبارة لا تغير من السياق العام للمعنى شيئًا إلا أنها أغضبت مصر، فانسحب الوفد المصري من المؤتمر، وأرسلت الحكومة المصرية تهديدات بقطع العلاقات مع المنظمة وإغلاق مكاتبها في مصر وهو ما حدث بالفعل، وانطلقت بعض الأقلام الصحفية في مصر تكتب ما لا يجوز أن يصدر عن كاتب مسؤول.
وهددت الجبهة الشعبية ومعها الديمقراطية والحزب الشيوعي بالانسحاب من المنظمة إذا لم يثبت النص الخاص بالدورة (16)، ووزعت الجبهة الديمقراطية بيانًا على المؤتمر تهاجم فيه «عرب أمريكا» الذين يضغطون ويتدخلون.
فما هي القرارات التي صدرت عن الدورة (16) والمتعلقة بمصر؟ هناك قرار ينص على الاقتراب من مصر بمقدار ابتعادها عن كامب ديفيد، هذا النص لا ينبغي على مصر أن تزعل من التأكيد عليه، ولا ينبغي للجبهة الشعبية أن تصر على تأكيده، لأنه متضمن في العبارة التي سبقته (الدورات السابقة للمجلس الوطني)، أما أن يصل الأمر إلى حد المقاطعة من التنظيمات اليسارية أو المقاطعة من قبل مصر فالأمر هنا خطير، ولا بد لقيادة المنظمة أن تدرك أبعاد اللعبة، وأن تتصرف بسرعة حتى لا ينهار المجلس، ولذلك فقد وافقت على صيغة الجبهة الشعبية، ولا بد من ثمن للوحدة الوطنية وبعد ذلك لكل حادث حديث.
هكذا استقر (اليسار) الفلسطيني داخل منظمة التحرير، وكان لا بد من طرح موضوع قبول الحزب الشيوعي الفلسطيني على التصويت بعد أن تم تسوية الإشكال القانوني حول دخوله كحزب، فهو أولًا لا بد أن يكون فصيلًا مقاتلًا ولذلك نسب إلى نفسه جماعة (الأنصار)، ثم إنه لا بد أن يعترف بميثاق منظمة التحرير الفلسطينية وقد وقع سليمان النجار- على ما أعلم- وثيقة بذلك.
في هذه الأثناء كانت عناصر من التيار الإسلامي داخل المجلس وخارجه تتحرك لإيجاد التوازن حتى لا يكتسح الشيوعيون والماركسيون المجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية، وكان لا بد من مخرج قانوني، فكانت قائمة المستقلين التي اندمجت مع قائمة الحزب الشيوعي وجبهة التحرير العربية وجبهة التحرير الفلسطينية، وقد طرحها الأخ أبو عمار على التصويت مجتمعة ثم كل عضو على حدة، وفازت القائمة بإجماع الأصوات تقريبًا.
وقد حاول أحد كوادر الجبهة الشعبية وهو تيسير قبعة أن يعترض على بعض الأسماء قائلًا: «أستطيع أن أتفهم حيثيات إدخال الرفاق في الحزب الشيوعي والرفاق في جبهة التحرير، ولكن هناك بعض الأسماء لا نعرف- في الجبهة الشعبية- حيثيات إدخالها لعضوية المجلس الوطني».
فرد عليه الأخ أبو عمار قائلًا: «إن اللجنة التنفيذية ومكتب رئاسة المجلس درسا معًا حيثيات هذه العضوية، ولا يجوز أن يخطئ تيسير قبعة مثل هذا الخطأ فيقول: إننا نعرف مبرر دخول أعضاء من التنظيمات، ولا نعرف حيثيات قبول أعضاء من المستقلين، الأسماء الأخرى أكثر قدسية من أعضاء حركة فتح والجبهة الشعبية والديمقراطية، لأنهم مناضلون من أبناء الشعب».
وهكذا أصبح للإسلاميين وجود فعلي في المجلس الوطني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومع أنه وجود غير كاف إلا أنه استطاع أن يمنع الاختلال داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
ونستطيع أن نقول إن الغزو الشيوعي والماركسي داخل المنظمة وصل إلى الحد الذي هو دون الهيمنة ولا خوف على ابتلاع منظمة «فتح» أو اقتلاعها والمطلوب المزيد من الجهد للعناصر المستقلة وللتيار الإسلامي على وجه الخصوص حتى يكون له أثره الواضح في دفع منظمة التحرير نحو الطريق الصحيح لتحقيق آمال الشعب الفلسطيني وحمايتها من الانحراف والضياع.
ولا شك أن ياسر عرفات أثبت من خلال هذه الدورة قدرة فائقة على تخطي العقبات، وتجاوز الصعاب، واستيعاب الفصائل الأخرى تحت قيادته.
والأشهر الستة القادمة تتطلب من قيادة المنظمة قدرة غير عادية على مواجهة التحديات التالية:
• المؤتمر الدولي الذي تسعى الدول الكبرى إلى عقده.
• الدول العربية التي لا بد أن يكون لها موقف موحد.
• فصائل المقاومة التي يجب أن تستوعب داخل المنظمة.
«يتبع»