; ماذا حدث في هيرات؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا حدث في هيرات؟

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990

مشاهدات 50

نشر في العدد 963

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 17-أبريل-1990

•  الشخصيات التي قتلت في الحادث تعتبر من الأعمدة الرئيسية التي تحمي نظام كابول.

اهتزت أفغانستان في السادس من إبريل الجاري هزة أخرى جديدة فقد نظام كابل فيها خمسة من كبار الجنرالات التابعين له وما يقرب من ثلاثين من المسؤولين الكبار في النظام، وأصيب فيها الجنرال فضل الحق خلق يار إصابة خطيرة مات متأثرًا بها، كما كان الجنرال جلال زاد منده نائب وزير الأمن ضمن القتلى، وذلك حينما تنكرت مجموعة جهادية أفغانية ضمن مجموعات كبيرة من المجاهدين أعلنت عن استسلامها لنظام كابل في هيرات في غرب أفغانستان (حوالي ٧٥ كيلومترا إلى الغرب من كابل). 

وحتى تكون صورة العملية الفدائية واضحة أمام قرائنا سوف نحاول عرضها من خلال ما نقلته وكالات الأنباء والمراسلون الذين حضروها وتمكنوا من تصوير وتغطية ما حدث، وكذلك من خلال ما عرضه بعض المسؤولين في جبهة الشهيد غلام محمد نيازي التابعة للجمعية الإسلامية، وذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقدوه في إسلام آباد في التاسع من إبريل الجاري وحضره مراسل المجتمع، وكذلك من خلال لقاء المجتمع بعد ذلك بالبروفيسور برهان الدين أمير الجمعية الإسلامية الذي كان على علم مسبق بالخطة.

تفاصيل الخطة

بدأ التفكير في تنفيذ هذه العملية حينما قام حاجي مالانج أحد قادة المجاهدين في قندهار بإعلانه عن استسلامه ومصالحته لنظام كابل هو والمجاهدين التابعين له (۷۰۰ مجاهد)، وذلك إثر قيام مجموعة جهادية أخرى بالهجوم على مراكزه وقتل بعض المجاهدين التابعين له، وكان ذلك في يوليو الماضي ۱۹۸۹م، إلا أن حاجي مالانج سرعان ما شعر بالندم وأعاد علاقاته بصورة سرية مع المجاهدين مرة أخرى، وكان اتصاله مع منشي عبدالشكور أحد قادة جبهة الشهيد غلام محمد نيازي التابعة للجمعية الإسلامية، وقد علم حاجي مالانج بأن نظام كابل سيقيم حفلة كبيرة في منطقة «بشتون زرعون» التي تبعد ثلاثين كيلومترًا إلى الشرق من هیرات، وأن هذا الحفل سوف يضم كافة المجموعات الجهادية التي قبلت المصالحة الوطنية مع نظام كابل خلال الشهور الماضية، وقد ذكر المراسلون أن عدد هؤلاء وصل إلى ثلاثة آلاف مسلح، وأن هذا الحفل من المقرر أن يحضره د. نجيب رئيس نظام کابل، وعلى هذا تم الاتفاق على أن يدخل ملا مالانج مجموعة من المجاهدين المسلحين ضمن مجموعته على أنهم ضمن المستسلمين، ويقوم هؤلاء أثناء الاحتفال في لحظة واحدة بإبادة كافة قيادات نظام كابل التي تجلس على منصة الاحتفال، وقد تم ترتيب الخطة على أن تنفذ في يوم الحفل الذي قرر أن يتم في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي ۱۹۸۹ إلا أنه أجل من قبل نجيب بسبب قيام معارك في مناطق مختلفة في أفغانستان كان يتابعها، وفي هذه الأثناء توجه وفد من قبل جبهات الشهيد غلام نيازي إلى البروفيسور رباني أثناء زيارته لحدود هيرات في مارس ۱۹۹۰ وأطلعوه على الخطة فوافق عليها، وقد أكد لي البروفيسور رباني أثناء لقائي به أنه كان على علم مسبق بالخطة بصفة عامة وقد وافق عليها.

وبعد ذلك تم تحديد موعد جديد للحفل هو السادس من إبريل ۱۹۹۰؛ حيث أقام نظام كابل دعاية كبيرة لهذا الحفل الذي اعتبره النظام نتيجة طيبة للجهود التي يبذلها النظام في برنامج المصالحة الوطنية، ولهذا فقد دعا نظام كابل كثيرًا من الدبلوماسيين والصحفيين الغربيين المقيمين في العاصمة كابل لهذا الحفل، وتم نقلهم في طائرات خاصة إلى منطقة بشتون زرعون في هيرات، وقد حضر الحفل بالفعل دبلوماسيون وصحفيون من فرنسا وكوبا والاتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا ودول أخرى، كما كان من المقرر أن يحضر نجيب إلا أنه اعتذر في آخر لحظة وأرسل الجنرال راز منده نائب وزير الأمن ممثلًا له، كذلك حضر الحفل حاكم هيرات وأحد كبار رجال نظام كابل وهو الجنرال فضل الحق خلق يار، وذلك علاوة على عشرات العسكريين الكبار وما يقرب من عشرة آلاف شخص آخرين حضروا الحفل، وذلك حسب روايات مراسلي وكالات الأنباء العالمية، وأيضًا حسب ما ذكره راديو كابل عن الحادث، وفي وسط هذا الجو نفذ المجاهدون الفدائيون عمليتهم.

كيف نفذت الخطة؟

في الوقت الذي كان فيه القائمون على الحفل يرتبون الأمر لبداية الاحتفال وذلك بعد وصول الجنرال جلال راز مندة نائب وزير الأمن ممثلًا عن د. نجيب رئيس النظام حيث اعتذر نجيب في اللحظة الأخيرة عن الحضور، قامت المجموعة الفدائية من المجاهدين الذين اختلف في عددهم بين خمسة واثني عشر مجاهدًا بفتح نيران المدافع الرشاشة على كبار المسؤولين الذين حضروا الاحتفال فقتل الجنرال راز منده على الفور مع خمسة جنرالات آخرين وما يقرب من ثلاثين من المسؤولين، وأصيب الجنرال خلق یار بإصابات خطيرة حيث نقل إلى كابل ومات متأثرًا بجراحه حسب بعض المصادر في 11 إبريل الجاري. وفي هذه الأثناء ساد الهرج والمرج في المكان وتراكض الناس كل يبحث عن النجاة، وتحركت الدبابات والمدرعات فدهست كثيرًا من الناس، كما فتحت إحدى الدبابات النيران على المجاهدين الذين نفذوا العملية؛ فاستشهد اثنان وأصيب اثنان آخران واستطاع أحدهم أن يهرب ويعود إلى المجاهدين، وذلك حسب ما ذكر أحد قادة المجاهدين في المؤتمر الصحفي الذي عقدوه في 9 إبريل في إسلام آباد. وقد نقل التلفزيون الباكستاني مساء الثامن من إبريل لقطة ظهرت فيها بعض تفاصيل الحادث وصورة الهرج والمرج الذي ساد المكان، كما ظهرت كثير من جثث العسكريين الذين أصيبوا أو قتلوا، وكذلك بعض الجثث التي دهست تحت جنازير الدبابات والمدرعات.

وقد ذكر بعض المراسلين الغربيين الذين حضروا الاحتفال بأن إطلاق النار قد استمر بين خمسة عشر وعشرين دقيقة متواصلة، وذكر مراسل إذاعة بي بي سي أنه كاد يسقط تحت جنزير إحدى الدبابات المسرعة أثناء محاولته الهرب من مكان الحادث، وتم نقل الصحفيين والدبلوماسيين بواسطة طائرات هليكوبتر من مكان الحادث على الفور، كما نقل كبار القتلى والجرحى أيضًا إلى كابل، وقد زاد عدد القتلى عن خمسين قتيلًا ومائة جريح، كما قتل ملا مالانج أيضًا في الحادث على أيدي قوات نظام كابل، كما ذكر قادة المجاهدين في مؤتمرهم الصحفي، وقد شبه بعض المراقبين تنفيذ هذه العملية بأنها أقرب ما تكون مع بعض الفوارق مع حادث المنصة الذي أودى بحياة الرئيس السادات في ٦ أكتوبر ۱۹۸۱.

أهم النتائج التي حققها هذا الحادث

لقد حقق هذا العمل البطولي الذي يعتبر من الأعمال الكبيرة التي نفذها المجاهدون الأفغان خلال السنوات الأخيرة نتائج كبيرة من أهمها:

1- نسف برنامج المصالحة الوطنية: فقد نسف المجاهدون بهذه العملية برنامج المصالحة الوطنية الذي يعزف عليه نظام كابل منذ عدة سنوات، ويؤكد من خلاله للمجتمع الدولي بأنه يسيطر على الأمور وأن أعدادًا كبيرة من المجاهدين تقوم بالاستسلام والانضمام يوميًّا إليه.

2- القضاء على بعض أعمدة النظام: فالشخصيات التي قتلت في هذا الحادث تعتبر من الأعمدة الرئيسية التي تحمي نظام كابل، فقد ذكر الدكتور الفرائي وزير الإعلام في حكومة المجاهدين بأن الجنرال خلق يار حاكم هيرات يعتبر أحد ثلاثة أعمدة رئيسية تحمي نظام كابل، كما أن الجنرال راز منده نائب وزير الأمن يعتبر الشخصية الثانية الرئيسية في جهاز المخابرات الأفغاني المسؤول عن أمن مدينة كابل، وهو يعتبر من الشخصيات الأساسية المقربة من نجيب رئيس نظام كابل والتي يكلفها أحيانًا بعض المهمات الرئيسية التي تدعم أركان النظام، وعلاوة على هؤلاء فقد قتل ما يقرب من ثلاثين مسئولًا آخرين بينهم خمسة جنرالات، وهذه ضربة قاصمة للنظام لها ولا شكَّ تأثيرها على كيانه.

3- انخفاض أسهم النظام لدى المجتمع الدولي: فحدوث هذه العملية وسط حشد من الدبلوماسيين والمراسلين الصحفيين وتعريض حياتهم للخطر أمر له ولا شك تأثيره؛ كي تعيد حساباتها مرة أخرى بالنسبة لتواجد ممثلين لها في كابل.

4- رفع الروح المعنوية لدى المجاهدين: لا شكَّ أن هذه العملية قد أدت إلى رفع الروح المعنوية لدى المجاهدين عامة، وفي المنطقة الغربية بصفة خاصة بعد فترة ركود أو شبه هدوء عاشته المنطقة خلال الشهور الماضية، وربما يؤدي هذا إلى اشتعال المعارك أو استمرار هجمات المجاهدين على مواقع النظام خاصة وأنه يعيش وضعًا سيئًا بعد هذه العملية الكبيرة، كما أن هذه العملية دعوة في نفس الوقت إلى كل المجموعات التي تفكر في الانضمام للنظام أن تعيد تقييم موقفها مرة أخرى.

إن المجاهدين يستطيعون الاستفادة كثيرًا من هذه العملية الكبيرة التي نفذتها مجموعة صغيرة من المجاهدين، وربما أرادت أن توجه من ورائها دعوة إلى التيارات الجهادية بأن توحد صفوفها وتعيد ترتيب أوضاعها حتى يتم الله النصر على المجاهدين: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الروم:٤-٥).

الرابط المختصر :