; ماذا حدث للشيشان في فبراير 1944م؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا حدث للشيشان في فبراير 1944م؟

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000

مشاهدات 65

نشر في العدد 1389

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 22-فبراير-2000

  • عانى الشيشانيون وقوميات أخرى من الروس أشد مما عانى اليهود من الألمان.. ومع ذلك لم تقدم روسيا اعتذارًا ولم يسع العالم إلى إدانتهم.
  • حمل الرجال في سيارات الشحن وحرموا على مدار أيام من الماء والغذاء ونظراً لكثافة الأعداد وانعدام الرعاية الصحية انتشرت الأوبئة ومات قرابة نصف المرحلين.
  • لم يحاول الروس احتواء الأوبئة، بل إنهم منعوا أهالي القرى التي يمرون عليها من مد يد العون للموبوئين.

نقلت وكالات الأنباء العالمية مظاهرة احتجاج قام بها نشطاء في منظمة مراقبة حقوق الإنسان «Human Rights Watch» مع مجموعة من اللاجئين الشيشان، يطالبون بحق العودة إلى الإقليم الذي أبعدوا عنه بفعل الحرب الروسية على الشيشان والتي دفعت بقرابة ثلاثمائة ألف لاجئ للخروج إلى أنجوشيا المجاورة، فلماذا يصر الروس على عدم عودة الشيشانيين إلى أراضيهم التي أخرجوا منها قبل أشهر؟

هل يخشى الروس من مغبة انخراط العائدين في صفوف المقاومة؟ أم أن روسيا ستمارس ضد اللاجئين عملية «غسيل مخ» قبل إعادتهم إلى الشيشان؟ أم أنه سيتم فرز الشيشانيين الراغبين في العودة إلى مؤيد ومعارض من أجل حملة إبعاد جديدة؟ علينا أن ننتظر ما سوف يخرج من جعبة الروس، لكننا سوف نعرض خلال فترة الانتظار جزءاً من تاريخ سياسة الروس ضد هذا الشعب، وربما يفيدنا في التعرف على السياسة الروسية الحالية والتلكؤ المتعمد في إعادة الشيشانيين إلى أراضيهم رغم أنها تقع على مرمى أبصارهم.

عندما تحل المصائب بالشعوب والدول المسلمة نبادر بالتساؤل: ترى لو حدث ذلك لليهود هل كان العالم سيقف موقف المتفرج الذي نراه يتكرر مع كل مصيبة تحدث للمسلمين؟ ما سوف نسرده هو تاريخ الهولوكوست الروسي ضد الشعب الشيشاني. امتد هذا التاريخ عبر قرنين من الزمان، لكنه اشتهر فقط في الأربعينيات من القرن الميلادي المنصرم ثم خبت جذوته وما لبث أن عاد إلى الأضواء مع نهاية القرن حين وقعت هولوكوست اليهود المزعومة. تفاوتت الأرقام والإحصائيات ونال اليهود من كل دول العالم تعويضات وما زالوا يستصرخون العالم لكي يقف ضد حكومة منتخبة في بلد ديمقراطي هو النمسا، لكن لأن الشيشانيين ليسوا يهوداً ولأن الروس ليسوا ألماناً.. ولأن العالم لا يسمع ولا يميز سوى صرخات اليهود ودموعهم فلربما تكون المقارنة صحيحة ولكنها غير مجدية لعالم اليوم.

القصة طويلة وممتدة إلى زمان إيفان الرهيب وكاترين الثانية التي أرسلت ٣٠٠ ألف جندي للقضاء على المقاومة في الجبال تماماً كما أرسل بوتين ١٥٠ ألف جندي إلى الشيشان لمواجهة بضعة آلاف من المقاومة.

لكن الملاحظ في مسيرة الصراع أن الحرب على الشيشانيين ليست حرباً عادية بل هي حرب نفسية إعلامية. فقبل الحروب تبدأ المسيرة الإعلامية بتمهيد الطريق معلنة «الشيشان إرهابيون- عصابات- مجرمون»، وليس ما نسمعه اليوم إلا تكراراً ممجوجاً لما سبق.

وعلى خلفية هذه الاتهامات الباطلة جملة وتفصيلاً والتي لو افترض صحتها فلا يجب أن تعاقب أمة ويباد شعب بسببها، قام الروس في عصر الشيوعية وعصر الاتحاد السوفييتي بترويج الأكاذيب ضد الشيشانيين. ففي عام ١٩٤٣م بدأت القوات الروسية الترويج لهذه الحملة، فبدأت بالإعلان عن خيانة الشعب الشيشاني للجيش الروسي في الحرب العالمية الثانية وبأن الشيشانيين قد تواطؤوا مع الألمان.

ورغم أن الألمان الذين دخلوا القوقاز لم يدخلوا إلى الشيشان أو أنجوشيا، إلا أن الروس ومن خلال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وفي 25/٥/1946م برروا لستالين أفعاله الإجرامية، وعبر قافلة من «المؤرخين» المزورين استطاعوا إيهام العالم وإيهام أنفسهم بأن الشيشانيين قد خانوا الروس. ولما تبين كذب ذلك عاد بعض من هؤلاء المزورين إلى الترويج لوثيقة ألمانية مزيفة تدعي أن هتلر كان ينوي إبادة الشعب الشيشاني وأنه قد أصدر أوامره إلى قائده الميداني في 8/١٢/1941م يقول فيها «إذا لم تتمكن القوات الألمانية من عبور المناطق الجبلية فعليكم بالتخلص من الرجال فوراً، وأن ما فعله ستالين كان معروفاً كبيراً يجب على الشيشانيين شكره والامتنان له بسبب أن أنجاهم من القتل على يد هتلر، كما جاء في وثيقة مزورة لأحدهم يدعى بوكوف، تم ترقيته لجهوده في خدمة الاتحاد السوفييتي إلى رتبة سكرتير ثانٍ للحزب الشيوعي في بلدته «أوبكوم» ثم عين رئيساً وممثلاً للحاكم السوفييتي في الشيشان وأنجوشيا.

وفي عام ١٩٨٨م نشر له مقال في الجريدة الشيوعية أدان فيه الشيشانيين وقال إنهم السبب فيما يحدث لهم فقد توسعوا في بناء المساجد وحافظوا على التقاليد الشيشانية والإسلامية في المناسبات والأعياد مما دفع السلطات الروسية إلى الابتعاد عن بلادهم وعدم الاهتمام بأهلها. وردد مقولاته السابقة بأن الشيشانيين المعارضين لروسيا ما هم إلا مجموعة من الإرهابيين والخونة والمجرمين. هذا واحد من كتيبة امتدت على طول الاتحاد السوفييتي تروج لحملات الإبادة رغم أنه شيشاني.

أما طريقة الإبعاد فنترك بعض من عاصروها يروي لنا- كما جاء في مقال يمكن مراجعته على الموقع الرسمي لدولة الشيشان «www.amina.com» تحت عنوان How they were deported- كيف تم إبعادهم، يقول شاهد العيان: «في عام ١٩٤٣م وصلت من «كوكاند» إلى جروزني، كانت القوات الألمانية قد وصلت إلى القوقاز فتم نقل بعض المعاهد والمنشآت الحيوية خارج جروزني تحسباً لأي غزو ألماني لجروزني، وبدأت الصحف الشيوعية الصادرة في الشيشان الترويج لعمليات التصفية، فخرجت الصحف مدعية أن المجرمين والعصابات «يقصدون الشيشان» قد قتلوا ما يقرب من ٢٠ ألف جندي من الجيش الأحمر ومن أعضاء الحزب الشيوعي. وبنهاية العام ١٩٤٣م بدأت الأجواء في التسمم فقد سرت شائعات قوية عن مشروع الترحيل الجماعي وتحولت الشائعات إلى مخاوف حقيقية تسري بين السكان ولكن لا حيلة لهم. وفي النصف الثاني من يناير والنصف الأول من فبراير ١٩٤٤م بدأت فصائل من القوات الروسية تصل إلى الشيشان وبشكل مكثف وبدأت الصحف الترويج لعمليات هذه الفصائل مدعية أنها جاءت للمناورات وعمليات بالجبال للقضاء على الجبليين المجرمين. وناشدت الأهالي مساعدة هؤلاء الذين قدموا لمساعدة الشيشان.

وفي مساء يوم ٢٣ فبراير قام الجنود الروس بإشعال حريق هائل في ميادين القرى الشيشانية وأقاموا حوله حفلاً كبيراً مصحوباً بالطبول والرقصات وتنادى أهل القرى ليسمعوا وليشاهدوا هذه الأجواء الاحتفالية (هكذا اعتقدوا)، فإذا بالقوات الروسية تلقي القبض على الرجال. ولأن بعضهم كان يحمل السلاح فقد جرى إطلاق للنيران سرعان ما تم احتواؤه بواسطة القوات الروسية ذات الأعداد الضخمة. ثم اقتيد الرجال مكبلين بالأصفاد إلى مخازن الغلال وتركوا هناك أياماً وليالي. وقامت القوات الروسية بإبلاغ النساء بضرورة الاستعداد للرحيل وتحزيم أمتعة فيما لا يزيد على عشرين كيلو جراماً من الملابس والغذاء واصطحاب الأطفال معهن.

في الليلة نفسها أعلن مدير معهد أبحاث البترول أن اجتماعاً سيعقد بمبنى المعهد وعلى جميع الطلبة الحضور، ووصلنا فقامت القوات الروسية الموجودة بصفنا في طوابير تتكون من ٢٠ إلى ٣٠ فرداً. وبعد ساعات وصلت الشاحنات المحملة بالرجال الذين تم اعتقالهم من القرى وشاهدناهم مكبلين بالأغلال، وسرعان ما تم نقلهم إلى عربات نقل المواشي وثلاجات الخضار. لقد تم نقل الشيشانيين والأنجوش جميعاً بالطريقة نفسها.

 لقد حمل الرجال في سيارات الشحن والثلاجات وحرموا على مدار أيام من الماء والغذاء، ونظراً لكثافة الأعداد وانعدام الرعاية الصحية انتشرت الأوبئة ومات قرابة نصف المُرحَّلين. لم تحاول القوات الروسية مساعدة هؤلاء على الشفاء من الأمراض أو احتواء الأوبئة، بل على العكس فقد منعوا أهالي القرى التي يمرون عليها من مد يد العون إلى هؤلاء الموبوئين بحجة أن مساعدتهم تعني انتشار الوباء بالقرى، وهكذا تركت القوات السوفييتية الشيشانيين يموتون بالوباء حتى يبدو موتهم طبيعياً ولا دخل للسوفييت فيه.

وهكذا وحسب هذه الرواية فإن الشيشانيين قد عوقبوا على ذنب لم يقترفوه، أو أبعدوا حماية لهم من خطر لم يقع، لكن السوفييت رأوا في ذلك طريقاً للتخلص من الصداع الشيشاني المتمثل في المقاومة عبر قرنين من الزمان. 

لقد توقف التاريخ الشيشاني ثلاثة عشر عاماً هي عمر رحلة الإبعاد إلى وسط آسيا وسيبيريا، نشأ خلالها جيل كامل من الأيتام الذين فقدوا آباءهم في رحلة الهولوكوست السوفييتي. كان من بين هؤلاء الرئيس الشيشاني السابق جوهر دوداييف والاقتصادي المعروف رسلان حسب اللاتوف وهما من أبناء الشيشان الذين تربوا في المهجر.

ويصف روجر كإنجاز في كتابه ذكرى الإبعاد الشيشاني «لقد تم ترحيل ما بين ١.٤ و١.٧ ملايين من الشيشانيين والأنجوش في رحلة الإبعاد إلى وسط آسيا». يقول المعارض الروسي «سولجنيتسن» إن أمة واحدة رفضت أن تستجيب للاستعباد أو أن تعيش بنفسية المستعبد، هي الأمة الشيشانية في معسكرات كازاخستان. ويستطرد قائلاً: «لم نشاهد أو نسمع أن شيشانياً واحداً تعاون مع السلطات الروسية أو كان سعيداً وهو ينفذ الأوامر في معسكرات الشغل المرهقة، بل كان بعضهم يبدو فخوراً برفضه للانصياع للأوامر. والغريب أن المسؤولين عن المعسكرات كانوا يهابونهم ويتركونهم وشأنهم، يتصرفون بالطريقة التي يريدونها».

يصف حسب اللاتوف هذه الفترة ومعاناة أمه في المعسكر فيقول: «تم تهجيرنا في فبراير ١٩٤٤م إلى قرية تدعى بوليودينو في كازاخستان. كانت القرية تضم عشرات الجنسيات غيرنا، كنت أنا وأمي وإخوتي الأكبر، وكان معنا بعض الألمان والكوريين والتتار والروس. عشنا عشر سنوات لم نشهد حادثاً عرقياً واحداً، فكلنا كنا مبعدين، ربما كان هذا سبب توحدنا. لقد كانت أمي تقوم بحلب الأبقار يومياً، واشتهرت بذلك وعرفت بأنها الأفضل بين الجميع، وكان علينا أن نساعدها بعد أن كبرنا قليلاً، وكنت أقوم بتنظيف حظيرة المواشي والإتيان بالماء من البئر لكي أسقي الأبقار. كان ذلك في درجة حرارة تصل إلى ٤٠ تحت الصفر».. وبعد ثلاثين عاماً من حادث الإبعاد يرى حسب اللاتوف أن الروس كانوا يبحثون عن كبش فداء لسياستهم الخاطئة، لكنهم في سبيل البحث عن هذا الكبش اتهموا أمة بأكملها. ويقول في مقال له نشر في ١٩٨٨م إن نفس اللغة القديمة ما زالت تستخدم ونفس الألفاظ ما زالت تتردد على الأسماع. ورغم أن العالم يتحرك نحو الشفافية والمصارحة، ورغم أن الاتحاد السوفييتي حاول ذلك في عصر جورباتشوف بعد اتباعه سياسة الجلاسنوست «glasnost»، إلا أن الغطاء لم يكشف بعد، والروس لم يعتذروا حتى هذه اللحظة عن جريمتهم، والعالم لم يسعَ إلى إدانتهم كما فعل مع الألمان.

لقد كشفت محنة الإبعاد في الشيشان ومثيلاتها في كوسوفا والبوسنة عن الوجه الحقيقي للمستعمر الذي فشل في فهم ثقافة هذه الشعوب والتعامل معها كفصيل حر له الحق في اختيار الطريقة التي يعيش بها، كما كشفت زيف الواقع السوفييتي وشعاراته البراقة في العيش بعيداً عن العرقية والانضواء تحت لواء التعايش السلمي في ظل الأيديولوجية الشيوعية الحمراء. ولعل ما نراه اليوم لهو فصل جديد في مسلسل طويل أطلقت عليه إحدى الكاتبات الشيشانيات «إن. ستارتسيفا» اسم «المرض القومي The national disease» يستحق الوقوف عنده، فالشيوعية الباحثة عن توحيد القوميات فشلت في مشروعها، ولكنها ما زالت تصر على الاستمرار في الفشل عبر وسيلة القضاء على الآخر. وكما قالت ستارتسيفا: «لماذا تموت شعوبنا مرتين؟ مرة بالإبعاد والغزو ومرة أخرى بتشويه الحقائق والتاريخ؟

الرابط المختصر :