; ماذا حققت العلمانية في التشريع للمرأة الغربية؟ (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان ماذا حققت العلمانية في التشريع للمرأة الغربية؟ (1 من 2)

الكاتب د. تسنيم إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997

مشاهدات 84

نشر في العدد 1247

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 29-أبريل-1997

دراسات

يعتبر الفكر الغربي العلماني من أخطر الأمور التي تهدد المرأة المسلمة اليوم، فما هو المعنى الحقيقي للعلمانية عند الغرب؟ وما أصل العقيدة عن المرأة عنده؟ وما مدى الظلم الذي لحق بها وسبب انتفاء إنسانيتها بقهر أنوثتها وأمومتها من جراء ذلك؟ وهل يا ترى فشلت العلمانية في الإصلاح وناقضت ما يقبله العقل والعلم؟ ثم ما مدى ترابط العقيدة بالشريعة في الإسلام وهل يمكن فصلهما وتطبيق العلمانية في بلاد المسلمين؟ وما الذي قدمه الإسلام للمرأة كي يغنيها عن التخبط العلماني؟

وما مهمة استخلافاها في الأرض ونجيب عن هذه الأسئلة التي طالما حيرت نساءنا المسلمات اليوم، من واقع القوانين الوضعية الغربية ومن أدلة الكتاب والسنة.

العلمانية عند الغرب تنسب إلى العالم، بمعنى الدنيا، ففي قاموس ويستر كوليجيت الحديث لعام ۱۹۷۹م تعرف كلمة «Secular» على أنها ما يتعلق بالعالم أو ما هو مؤقت وليس ديني أو ما لا علاقة له بالكنيسة وما هو طويل الأمد ولا نهائي (۱) ومنها كلمة «Secularism» تعرف أيضاً في هذا المصدر على أنها رفض أو إقصاء الدين والاعتبارات الدينية والعلمانية كما يفهمها الغرب هي فصل الدين عن العلم، فهما متضادان ومتعارضان (۲)

إن الغرب نفسه عرف مفهوم العلمانية بما يناسب تطبيقها في أوروبا وأمريكا، فيسهب الباحث العلماني الغربي تشارلز واتس في شرح الفكر العلماني ويعرفه بشموليته التي يطبق بها في الغرب قائلًا: العلمانية هي معالجة المشكلات الاجتماعية عن طريق العقل، وليس عن طريق العقيدة الإلهية، وهي مبنية على الواقع لا على الخيال على التجربة لا على ما هو فوق الطبيعي أو ما هو منزل من إله، وهي لا تجد قيمة لما تقدمه الروح لمعالجة الشر الموجود، فهي تؤمن بأن تقدم الإنسانية يكمن في تقديم ما هو نافع «عقليًا وأخلاقيًا». كما أنها تعتبر كل ما يقدمه الدين هو بمثابة نظريات بحتة، لا نفع فيها لأنها تفوق تصور العقل، وتجد أن الدين قد منح أكثر من فرصة عبر التاريخ ليثبت وجوده وقد فشل في إنهاء ما يحيط بالإنسانية من كوارث وترى أن العلمانية من الأهمية والضرورة الماسة «بمكان تدمير الاعتقاد في الدين كوسيلة إصلاح» (۳). 

العلمانية عند الغرب هي «فصل العقيدة عن الشريعة وتقديم الدين للناس كأنه عقيدة بغير تشريع ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، وقد وردت هذه العبارة في كتاب النصارى المقدس (٤) فالعلمانيون يؤمنون بالدنيا وينكرون فضل أي دين مسيحيًا كان أو إسلاميًا.

ويصف الحق جل وعلا العقيدة الدنيوية بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ  (الأنعام:٢٩) ويتكرر هذا المعنى في سور قرآنية عديدة منها قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  (المؤمنون ۸۲) ومنها: ﴿ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ  (الواقعة: ٤٧)، ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ  (ق: ۳). وإذا كانت العلمانية نقض لأصل الاعتقاد في الدين أيا كان، فلننظر إلى تحليل الغربيين للعقيدة النصرانية من حيث نظرتها للمرأة لمعرفة مبررات فصل الدين عن التشريع لأمور الدنيا فيما يخص المرأة وما يتعلق بها من معاملات.

عقيدة الغرب عن أصل خلق المرأة

توقفت مكانة المرأة إلى حد كبير على النظرة إلى أصل خلقها، كان الإغريق والرومان ينظرون إلى المرأة على أنها جسد بلا روح، وحار العلماء الإغريق فيما إذا كانت ستعامل معاملة الإنسان أم الحيوان وحين جاءت النصرانية، ظن الغرب أن المرأة ستتحرر من أغلال العبودية التي ألقيت على كاهلها لغياب الدين، ولذلك لخص العلمانيون الغربيون النظرة اللاهوتية القديمة للمرأة في العبارات الآتية: «في القرن الرابع قال سانت جيروم إن المرأة هي بوابة للشيطان ممر للشر، وهي لدغة الثعبان، وفي كلمة واحدة هي شر خطير». (٥)

والمعروف من تحليلات الغرب للعقيدة النصرانية أن المرأة هي التي أغوت آدم لارتكاب ما أسموه بالخطيئة الأولى فكانت سببًا في خسرانهما المكانة العالية في الجنة والهبوط إلى الحالة السفلي الأرضية، ومن ثم عوقبت بآلام الحمل والولادة لتكفر عن تلك الخطيئة، كما أن خلقتها من ضلع أعوج علامة على ذلك الاعوجاج هو دليل مكرها ودهائها وبعدها عن الاستقامة (٦) في القرن الثالث عشر قال توماس اكويناس المعروف بتوما الإكويني: إن المرأة خلقت لتكون دون الرجل لتساعده، غير أن دورها المرموق هو الإنجاب، لأن الرجل أقدر عونا للرجل في المجالات الأخرى»، (۷) وقد أفرزت تلك العقيدة تجاهلًا لإنسانية المرأة حتى القرن الماضي. حين قوي المد العلماني النسوي وطالب بإقصاء الدين عن التشريع، وقد كرست العلمانية جنودها ومنهم إليزابيث كادي ستانتون التي نشرت كتابا اسمه إنجيل المرأة وهو هجوم على تحيز الإنجيل ضد المرأة وقد نشر على مرحلتين في م ١٨٩٥ و۱۸۹۸ م. نادت هذه الكاتبة بإلغاء الدين، أيا كان نوعه، من أجل تحرير نساء العالم (۸)

ظلم المرأة في غياب العقيدة السليمة

في غياب العقيدة السليمة عند الغرب، نرى غياب التشريع السليم أيضًا، وكأن العلمانية كائنة حتى من قبل المطالبة بها علنا كبديل للدين، ولابد من التنبيه إلى أن العقيدة النصرانية لا توجد فيها شرائع تطبق في الدنيا أصلًا، لأن المسيحي يعتقد أنه ليست له مملكة في هذا العالم الفاني ومن ثم كان فصل الدين عن الدولة مواكبًا لتلك العقيدة وصار النصارى يبحثون عن منهج حياة يقنن لهم جميع المعاملات والعلاقات، وقد ثبت في تاريخ الكنيسة أن الفصام النكد قد تم بين الدين والدولة منذ القدم حين كانت الكنيسة تعادي العلم والتقدم والتطور، وأن العلمانية متأصلة في نظم الحكم الأوروبي لأنها تخلصت من أخطبوط الكنيسة المقيد للتطور ونهضة المجتمع (۹) وقد أنعكس ذلك على النظرة إلى المرأة والتقنين لها.

إنكار المرأة الإنسان في قهر الأنوثة والأمومة

بسبب ما شاب أصل الاعتقاد عند الغرب، وما يسمى بفساد العقيدة، وغياب المنهج التشريعي السليم، حكم الناس أهواءهم في معاملة المرأة، ولم ينظروا إليها على أنها كائن إنساني تكفل له جميع الحقوق كغيرها من البشر، وهذا شيء طبيعي، فقد نصب البشر أنفسهم آلهة من دون الله، وأتخذ بعضهم بعضًا أربابًا فحرموا ما شاءوا وحللوا ما شاموا، ونرى هنا في تلك الحقبة التاريخية التي بدأت بالقرن الماضي استبدال الألوهية بالسلطة البشرية، وأصبحت مرجعية التشريع إلى البشر قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا  (الفرقان: ٤٢ – ٤٤)، ونرى جليًا نتاج ذلك الاستبدال في استعباد البشر للبشر، والإصرار على التمييز العنصري والطبقي ضد المرأة.

 فرغم أن كل خلية للمرأة مهيأة من الناحية العضوية والنفسية لتكوينها الأنثوي، لم تحظ بمعاملة خاصة ترفع مكانتها وتعظم وظائفها المناسبة لذلك التكوين، بل منيت بعكس ذلك من عبودية للرجل، حيث إنها اكتسبت قيمتها منه، يقول جون ستوارت ميل في كتابه التاريخي: قهر المرأة وقد نشر في القرن الماضي (١٨٦٩م) أن الغرب المسيحي كان يطبق قانون العبيد حتى حدثت ثورة في تصحيح الفكر الغربي فحرر الرجال من العبودية وظل هذا الاستعباد موجودًا ضد النساء في صورة سيطرة القوي على الضعيف (۱۰)، وهو يرى أن الرجل أغتصب قوته كالملك الطاغية المتسلط وصارت المرأة خاضعة له عن طواعية منها بعقلها وجسدها، لأنه قد أسر عاطفتها فأصبحت في خضوعها أكثر من العبد الخاضع بجسده فقط وكانت تطيع الرجل في كل شيء إلا الجريمة، وكان الرجل، زوجًا وأبًا، وأخًا أو أبناء يسيء معاملتها، فكان الأب يبيع أبنته رغمًا عنها للزوج الذي يرغبه هو لا الذي ترضاه هي.

ومن ناحية أخرى تسبب الاعتقاد بأن الأمومة عقوبة للمرأة على الخطيئة الأولى في النظرة إلى تلك الهبة الإلهية التي أهداها الله تعالى للأنثى على أنها سجن بدني يهدد حياتها وحريتها، فلأنها المخلوق الأضعف غير القابل للعمل العضلي كانت حبيسة المنزل، تتحمل رغمًا عنها الأعباء المنزلية فقط وشبهت بالخدم أو العبيد، وشاعت المقولة المعروفة «مكان المرأة في البيت» «a women's place in the home» ومن جراء تلك المظالم جميعها، أصاب النساء يأس شديد حتى أن الكثيرات منهن تطرفن وطالبن بالخروج من ملة النساء حتى يصرن رجالًا.

العلمانية تفشل في إصلاح أوضاع المرأة

لم تعط الألوهية البشرية مبادئ كلية عامة شاملة فيها البصيرة بالصلاح للبشر منذ بدء الخلق وحتى قيام الساعة، فهي تتخبط في إيجاد القواعد العامة والأصول الثابتة كما أنها تتخبط في الجزئيات والفروع فلم تعترف عقيدة الغرب بالمرأة كإنسانة خلقها الله تعالى كما خلق الرجل فشنت حربًا ضد البشر لرفع الظلم عنها والاعتراف بها كمخلوق، وإنسان مساو للرجل في أصل الخلقة وأرادت الاعتراف بها والحفاظ على جنسها وكيانها وشخصيتها المتميزة كأنثى، خاصة وأن نصوص الكتاب المقدس، كما حللها ناقدوها الغربيون، لم تبين بشكل دقيق ومفصل في أي موضع أن المرأة خلقت لتكون زوجة تعيش مع زوجها فيكونا زوجين متكاملين، فالنظرة إليها دائمًا، سواء في الماضي أو الحاضر، قبل مجيء المسيحية أو بعدها، نظرة تتغاضى عن أنوثتها وأمومتها وعن توظيف هذا الكيان في مكانه الطبيعي لها وهو الأسرة، ومن ثم خلعتها القوانين الوضعية المنفصلة عن الدين من الأسرة وأخرجتها إلى المجتمع لنيل حقوقها المهضومة كفرد مستعبد لغيره من البشر، قد ناله الظلم، وأفتقد العدل المنصف في الاعتقاد بإنسانيته والمعاملات معه.

وترتب على ذلك الفكر الدنيوي البحث تشريعات فاسدة أودت بالمرأة والأسرة معًا فصارت الصيحة التحررية إعصارًا مدمرًا لها كفرد والمجتمع الأسري كافة، يتضح ذلك في المجتمع الأمريكي حيث يطبق الفكر العلماني بمرجعيته للبشر في كل الأمور، ونتاجه أن تدمير المرأة الأمريكية أدى إلى تدمير المجتمع وتكبده

خسائر أخلاقية ومادية فادحة هوت به من الإنسان إلى الحيوان بدلًا من رفعته من الحيوانية إلى الإنسانية، وإذا كانت العلمانية الغربية تدعي

اعتمادها على العقل والتجربة من أجل صلاح المجتمع، ففشلها في حل مشكلة المرأة أكبر دليل على فشلها في الإصلاح الإجتماعي، ونرى في

تفصيل الاستنتاج التالي برهان التقارير الطبية والمراكز الحكومية على الانهيار الكامل للفكر والتشريع العلماني فهو ينافي العقل والتجربة

والعلم ولا يؤدي إلى صلاح الفرد أو المجتمع كما يزعم العلمانيون.

الحرية الشخصية وتدمير الأنثى

إن القانون الوضعي الأمريكي المسمى قانون الحريات، أطلق الحبل على الغارب في منح ما يسمى الحريات الشخصية، دون ضوابط أخلاقية (۱۲) ويعتبر الإباحية من مستلزمات الحرية الشخصية التي أفرزها نبذ الدين، وحين فصل روح المرأة عن جسدها، عاد بها إلى عصر الإغريق والرومان عصر التعري في الأماكن العامة، عصر الرقيق الأبيض البعيد عن الحضارة ولم يرق بذلك الجسد إلى مستوى الإنسان بل هوى به إلى الحيوانية والرذيلة، وإذا كانت المرأة قد نظر إليها على أنها أصل الشر في الماضي، فهي أصله في الحاضر أيضاً في ظل الإباحية، فلننظر إلى ما حققه القانون الوضعي، والعقل التجريبي من مصلحة في الغرب للطفلة الأنثى. 

صارت جريمة الزنى أمرًا طبيعيًا لكل فتاة في سن المراهقة، وبدلًا من علاج ذلك المرض المستشري بالترويج للفضيلة غذى أصحاب الإعلام كل الطرق المؤدية حتمًا إلى تلك الجريمة بالمجون والميوعة والفجور وبكل الوسائل المرئية والمقروءة والمسموعة تحت بنود دستورهم المسماة بحرية التعبير، ونتج عن تلك الجريمة التي لا يعاقب عليها القانون الوضعي أن مني المجتمع الأمريكي بكوارث حمل المراهقات وتفشت فيه الأمراض الجنسية التي أطلقت عليها مراكزهم الطبية و الطاعون الصامت، فبين الفتيات في سن ١٤ إلى ۱۸ ، ۳۵۰ ألف حالة حمل سنويًا وتصل إلى المليون في تقارير بعض مراكز الأبحاث، ونتج عن ذلك أن تركت الفتيات التعليم، وصرن يعشن تحت مستوى حد الفقر، ولهذا الوباء نتائج أخرى تعود بالظلم على بقية أفراد المجتمع ممن يتكبدون الضرائب الفادحة لعلاج المرضى، ناهيك عن العواقب النفسية على الفتيات المراهقات من النظرة الهابطة المبتذلة إليهن وأثر العلاقات الأثمة عليهن وعلى تدمير مستقبلهن.

 ومن الناحية العلمية الطبيعة للنظر إلى ما أثمره العقل التجريبي من عواقب وخيمة ومن أمراض مدمرة لحياة الطفلة الأنثى، إن التقرير الطبي لمركز أرنوت أوجدون يحصي ٧٥٠ ألف حالة المرض السيلان gonorroheat سنويًا والذي يؤدي إلى حدوث الأورام المرضية في الرحم والأنابيب ويسبب العقم والحمل الأنبوبي، كما أن هناك أربعة ملايين حالة من الأمراض من جنس الأمراض الحرشفية في حوض الرحم واسمها  chlaydial والمرض يؤدي إلى مضاعفات خطيرة عند الوضع نتيجة عدم النمو الكافي للحوض، ونتج عن ذلك المرض عقم ١٠٠ ألف امرأة سنويًا ويتطلب علاج هؤلاء الفتيات تعاطيهن المضادات الحيوية والحقن بصفة مستمرة، فكم يتكلف الخلاص من ذلك البلاء المبين؟ وهل حررت المرأة ببيع الحياء في سوق الجنس أم ألقيت في مزبلة تاريخ الأمم الحضاري؟ وماذا جنت العلمانية في الغرب من محاربة أنوثة الفتاة الطاهرة وحياتها وعفتها وتكاملها مع الجنس الآخر بإحصانها بالزواج الأسرى الطاهر؟ (۱۳)

الحرية الشخصية وتدمير المرأة الأم

أما عن قهر أمومتها، فلنعرف أولًا أن مراكز الأبحاث تؤكد القبض على 100 ألف امرأة في سوق الرقيق الأبيض، وأن حوالي مليون من النساء الأمريكيات عملن في تلك المهنة، ويسمون عاملات الجنس، وأن الإباحية أدت إلى فشل نصف الزيجات في المجتمع الأمريكي (١٤)، وحين طالبت العلمانية بتخلي المرأة عن أمومتها شردت نصف المجتمع ودمرت أطفاله وشبابه، وهذه الحلقة المفرغة تدور فيها الأنثى في المراهقة وأثناء الزواج وتصدرها إلى الجيل القادم، سواء أكان نتاج زنى أو كان يتربى في أسرة وقد مر دورها كأم تحفظ كيان أسرتها وأطفالها. فحوالي ٥٠ من الأطفال يعيشون مع زوج أو زوجة للأم أو الأب، أو مع أحد الوالدين أو بدونهما أو مع الجد أو الجدة، ويؤدي ذلك إلى انهيار الطفل نفسيًا نتيجة إهمال الأبوين ثم تشرد الأطفال والتحاقهم بعصابات الإجرام والمخدرات (١٥). 

ويؤكد ما جاء في تقرير مركز المخابرات الفيدرالي الأمريكي أنه يقوم بترتكاب جرائم العنف واحد من بين كل أربعة من الشباب تتراوح أعمارهم بين ۱۲ و ۱۷ عامًا»، وقد أدى القانون الوضعي الذي يكفل حرية حمل السلاح بين الأطفال إلى قتل ٢٥ طفلًا كل يومين، وقد ورث ۲۸ من هؤلاء هواية حمل السلاح عن آبائهم، كما يقتل ٤١٧٣ من الشباب سنويًا بالسلاح ممن تتراوح أعمارهم بين ١٥ و ١٩ عامًا (١٦) وهذا غيض من فيض عما جناه المجتمع من محاربة الأمومة، وهو بعيد كل البعد عن إصلاح الفرد والمجتمع، وإذا كان هؤلاء الأطفال هم مستقبل الشعب الأمريكي فهل يقبل عقل أو منطق أو علم أو أي ملة تنتمي إلى التحضر والتقدم أن يدعي المجرمون والمتشردون أنهم قادة العالم في ظل العلمانية، لا شك أن الغرب بمسلكه العلماني يسير في اتجاه مضاد لما يقبله العقل ولما يساير التقدم العلمي الحضاري الذي يهدف إلى اكتشاف وتقديم ما ييسر الراحة، والصحة، والرفعة للإنسان في الأمور كلها.

العلمانية والعقيدة في الإسلام

إن العقيدة والشريعة لا ينفصلان في الإسلام وإذا كانت المرجعية في العلمانية إلى البشر في كل الأمور، فالمرجعية في الإسلام إلى الله في الخلق والأمر، وإذا كانت العقيدة في الإسلام تقوم على الإيمان بالله وإفراده بالربوبية فتشترط إفراده بالخلق والملك والتدبير والرزق، فهي أيضًا تقوم على التوحيد في الألوهية فتشترط إفراد الله تعالى بالتاله والتعظيم وبالطاعة والانقياد في العبادة والتشريع.

 المسلم لا يخرج الله تعالى من دنياه ليقوم هو مقام الإله، والعياذ بالله فالله أكد في أكثر من موضع أن الأمر كله له، وأن له الخلق والأمر، فلا حلال إلا ما أحل، ولا حرام إلا ما حرم، وفي انتقاء سلطة الله في التشريع، ينصب البشر أنفسهم آلهة ويسوون أنفسهم برب العالمين، ومن أتبع هؤلاء البشر عن يقين منهم برفض سلطة رب العالمين يتبرؤون ممن يتبعون يوم الدين، فالأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، قال تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ  (البقرة: ١٦٦ : ١٦٧)، وفي تحكيم البشر بدلًا من تشريع رب السماوات والأرضين، كفر بإتباع شرع المشرع الحكيم، قال تعالى: ﴿ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ  قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ  تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ  (الشعراء: ٩٤ – ۱۰۳) (۱۷)، فالعلمانية الغربية لا تصلح في بلاد المسلمين لأنها كفر بالله العظيم (۱۸).

 وهذه القضية أخطر القضايا على الإطلاق فيما يتعلق بالمرأة، فلها أن تسأل نفسها: «هل في إتباع العلمانية استبدال سلطان الله رب العالمين بالبشر الذي خلقهم وإليه يرجعون يوم الدين؟» وهل هذا كفر بواح مخرج من ملة المسلمين، أم شرك بالله العظيم؟

وهناك مسألتان يجب التمحيص فيهما:

  1. هل تتبع المرأة هواها في عدم الخضوع والتذلل والطاعة؟

  2. هل تستكبر المرأة عن الخضوع عن يقين منها برد الأمر التكليفي بالطاعة؟ 

وفي إتباع الهوى شرك لانتفاء خالص الحب لله، قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٥٠)، وقال أيضًا: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ (النجم: ۲۳)، وقال جل وعلا عن شرك الإتباع﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ  (الشورى ۲۱).

وفي الكبر انتفاء العبودية لله العلي القدير، فقد ثبت عن النبي الكريم أن الله تعالى توعد المستكبرين في قوله: «العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته، وإذا كان الإنسان عبدًا لغير الله كان لابد مشركًا وكل مستكبر فهو مشرك» والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ (العنكبوت ۳۹). كلما أستكبر العبد عن عبادة الله زاد شركه به، إذ يكون القلب متعلقًا بما يعبد، ولن يستغني عن ذلك إلا بتطهير القلب مما علق به من شرك (۱۹).

 إن كمال العبودية لن يتحقق إلا بالبراءة من الشرك والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود، والمرأة تحتاج إلى العقيدة التي تعرفها بسر وجودها، وإلى العبادات التي تغذي روحها وتصلها بربها، وإلى الأخلاق والفضائل التي تزكي نفسها وتقوم سلوكها وإلى الشرائع العملية التي تقيم الموازين القسط بينها وبين غيرها، فلننظر إلى أصل العقيدة عن المرأة كما وردت في كتاب الله لنحكم على النظرة إليها وإنصاف الإسلام لها عقيدة وشريعة.

الهوامش

  1. قاموس ويستر كوليجيت ۱۹۷۹م القلبين
  2. الإسلام والعلمانية د. يوسف القرضاوي، ص ٤٨
  3. شارلز واتس العلمانية: علاقتها بالمشكلات الاجتماعية اليوم ١٨٩٤ م، طبعة ١٩٩٥م – ١٩٩٧م
  4. الكتاب المقدس إنجيل متى (۲۲:۱۷)، وإنجيل مرقص (١٢:١٧) وإنجيل لوقا (٢٠:٢٤)
  5. تاريخ المرأة في أمريكا، كومبتون إنترناشيونال
  6. إنسيكلوبيديا، ١٩٩٥م، ص۱ الكتاب المقدس التكوين (١٧– ٣:١٤)
  7. تاريخ المرأة، ص 1
  8. نفس المصدر، ص ٥
  9. سيد قطب المستقبل لهذا الدين، ومحمد قطب شبهات حول الإسلام. أنظر أفاعي العلمانية، ص ۱۷۲ – ۱۷۳
  10. جون ستوارت ميل قهر المرأة طبعة ١٩٩٢م – ١٩٩٣م. ص ۳۱ – ۳۳
  11. تاريخ المرأة، ص٥
  12. العلمانيون والإسلام ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م، ص ٦٦.
  13. الحرشف لغة هو نبت شائك مثل فلوس السمك جميع الإشارات الطبية إلى تقرير أرنوت أوجدون ميديكال سنتر لعام ١٩٩٦م.
  14. تقرير مركز المخابرات الفيدرالي، وزارة العدل صندوق دعم الطفل ص ٢.
  15. نفس المصدر ص 1
  16. انظر مناقشة ابن تيمية للموضوع بالكامل في كتاب الإيمان ١٤١٣هـ - ١٩٩٣ م ص. ٦٩ – ٧١
  17. نفس المصدر ص١
  18. الإيمان ابن تيمية، ص ٦٧
  19. العبودية ابن تيمية ص ۳۸ – ۳۹

 

الرابط المختصر :