العنوان ماذا سيحدث في البلدان الاشتراكية بعد البرسترويكا؟
الكاتب المهدي المغربي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
مشاهدات 79
نشر في العدد 887
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 18-أكتوبر-1988
حتى وقت قريب كان حلفاء السوفيات في البلدان الاشتراكية يظنون أن «بروسترويكا» غورباتشوف لا تعدو أن تكون إصلاحات وعملية تشحيم لماكينة النظام ليس إلا، لكنهم بعد مضي غورباتشوف قدمًا في برنامجه الإصلاحي وبعد طلوعه على العالم بكتابه «البرسترويكا» الذي أوضح عزمه على إحداث ثورة حقيقية في بلاده في كافة المجالات، وبعد بروز بوادر هذه الثورة من خلال اتهام النظام الماركسي بالقصور والعجز، ثم الشروع في إحلال نظم وأساليب وممارسات جديدة في العمل، والإدارة، والتربية، والسياسة، والاقتصاد، والإعلام لم يعرفها المجتمع السوفياتي من قبل، علاوة على الإطاحة برؤوس كثيرة للماركسيين التقليديين الذين يعتبرون حراس النظام القديم وحجر عثرة في طريق «البروسترويكا» بعد هذا كله انقلب التهليل والتكبير بإصلاحات غورباتشوف إلى قلق وحيرة، ثم تحول القلق والحيرة إلى خوف وذعر، فمم تخاف الأنظمة في بلدان حلف وارسو يا ترى؟ وهل يعني هذا أن بلدوزر البرسترويكا قد يجرف تلك الأنظمة فيما يجرفه؟
البرسترويكا تتهم ماركس بالتضليل وتطيح بأنصاره:
منذ أن بدأت عملية إعادة البناء «البرسترويكا» وعملية الانفتاح «غلازنوست» أخذت المقولات الماركسية تتهاوى الواحدة تلوى الأخرى، بدءًا بملكية وسائل الإنتاج للدولة وتحريم ملكيتها على الفرد؛ حيث أعطى قانون القطاع الخاص الجديد الفرد حق إنشاء مشروع خاص، وحق إنشاء تعاونيات بين مجموعة من الأسر، ومن مقترحات غورباتشوف في هذا المجال إلغاء النظام الزراعي الجماعي الذي أسسه ستالين قبل ستين عامًا، وكان ثمنه المجاعة وإزهاق ملايين الأرواح البشرية دون جدوى إنتاجية؛ حيث يقول عنه غورباتشوف: «بعد سبعين عامًا من الثورة عندما كانت روسيا مصدرًا صناعيًا لا يمكن للاتحاد السوفياتي اليوم أن يزود شعبه بنماذج غذائية معقولة» ولهذا نجده يقترح إعادة الأرض إلى الفلاحين، واستحداث نظام تأجير الأرض للفلاحين بعقود إيجار تصل إلى خمسين عامًا، كذلك سقطت مقولة: «كل حسب قدرته، ولكل حسب عمله» وظهر مبدأ الحوافز، ومبدأ بقدر ما تعمل تأخذ، وحسب مبادئ البرسترويكا يجب أن تكون السوق الاشتراكية سوقًا أولًا، واشتراكية ثانيًا، ويفسر معلق نوفستي السياسي هدف غورباتشوف في هذا المجال بقوله: «لا يمكن إجراء تبادل مكافآت العمل الطبيعي إلا في السوق؛ إذ لم يتوصل العقل البشري إلى شيء آخر، وبفضل السوق فقط يمكن أن نطبق مبدأ الأجر حسب العمل».
ولم يلق القبض على ماركس، واتهم بالتضليل إلا بعد ظهور الحقائق عارية، وبعد أن ثبت بالتجربة فشل نظريته على مدى خمسة عقود في الصين، وعلى مدى سبعة عقود في الاتحاد السوفياتي، لقد مكنت السياسة الإعلامية الجديدة في الاتحاد السوفياتي، والتي تركت التعتيم وتكرار الكليشيهات التي تبدأ بها وكالة تاس أو جريدة البرافدا الرسمية أخبارها، مكنت هذه السياسة من تسجيل الحقائق المرة والمفزعة من أفواه المسؤولين السوفيات؛ إذ يقول رئيس الوزراء السوفياتي مثلًا إن (۱۳٪) من المصانع السوفياتية خاسرة، وإن (٤٦%) منها لا تحقق أرباحًا، وإن الإنتاج الصناعي السوفياتي في ظل النظام البيروقراطي والمركزية الصارمة يعتمد على الكم، وليس على النوع، وإن جودة المنتوجات السوفياتية تساوي (۱۷ أو ۱۸%) من مثيلاتها في الدول الأوروبية طبقًا للبيانات الرسمية التي لا يتفق معها اقتصاديون غربيون؛ إذ يؤكد هؤلاء أن هذه النسبة لا تزيد عن (۷ أو ۸%).
وفي ظل هذه النتائج السلبية وما يترتب عنها كان لا بد من القبض على ماركس وستالين، ومحاكمتهما ولو بعد أكثر من نصف قرن من الزمن، يقول غورباتشوف معللًا ثورته: «لقد اصطدمنا أول ما اصطدمنا بالجمود الحاصل في النمو الاقتصادي؛ فقد انخفضت وتأثر النمو في الداخل القومي خلال الخطط الخمسية الثلاث الأخيرة إلى أكثر من مرتين، وأما في الثمانينات فقد هبطت تلك الوتائر إلى مستوى جعلنا نلامس في الواقع الركود الاقتصادي».
ولكن محاكمة ماركس وستالين وحدها لا تكفي، ولا بد من الإطاحة بأعمدة النظام ورؤوسه حتى تشق الإصلاحات طريقها دون عقبات ودون التفاف عليها ممن ارتبطت مصلحتهم بالنظام السابق، وعلى هذا الأساس عمل غورباتشوف على إبعاد (٦٦%) من الوزراء في جمهوريات الاتحاد السوفياتي، واستبدل حتى هذا الصيف (٦١%) من كوادر الحزب بعناصر شابة، كان البعض منها على حافة الانشقاق، ولم يكن يحلم في يوم من الأيام بأنه سيصبح مسؤولًا في أي مستوى من المستويات، وقد تمكن غورباتشوف من ذلك بفضل المستجدات التي أدخلها في التنظيمات الحزبية والسياسية، وفي مقدمتها طريقة الاقتراع الحر السري بدلًا من فرض القوائم من فوق، وهو الآن يسعى إلى أكثر من ذلك، إنه يسعى إلى إحداث نظام رئاسي ذي برلمان دائم حتى تكون شرعية من هو في قمة هرم السلطة مأخوذة من الشعب وليس من الحزب، ولا يخفى على أحد ما في ذلك من محاولة إضعاف سلطة الحزب الشيوعي وهيمنته على شؤون الدولة، وفي الأسابيع الأخيرة تأكد أن إصلاحات غورباتشوف تلاقي معارضة غير معلنة من كبار رؤوس النظام السابق، فما كان منه إلا أن أطاح بها بحزم في إطار تثبيت القيادة، واستبدال الحرس القديم المحافظ بدماء شابة، فبمجرد أن أعلن ليفاتشيف الرجل الثاني في الحزب ومسؤول لجنة الأيديولوجيا في الأشهر الأخيرة عن قلقه المتزايد بشأن عدة أوجه في برنامج غورباتشوف الإصلاحي حتى أعفي من مسؤوليته، وكذلك الشأن بالنسبة لرئيس الـ «ك. ج. ب» تيشيربكوف الذي صرح بأن الديمقراطية التي يطبقها غورباتشوف ستخرج عن نطاق السيطرة، وكذلك أعفي من منصبيهما عضو المكتب السياسي ميخائيل سدلومنتسيف، وأندريه غروميكو الذي بقي في الساحة السياسية (٥٠) عامًا وأحيلا على المعاش، ويقال إن غروميكو لم يكن راضيًا عن السياسة الخارجية التي أنتهجها أخيرًا غورباتشوف، ويبدو أن بلدوزر البرسترويكا ماض في جرف كل ما يعترض سبيله.
لن تدخل الدبابات السوفياتية لدول حلف وأرسو لتنفيذ «البرسترويكا»:
- بعد إفلاس الشيوعية في الاتحاد السوفياتي لم يعد هناك مهرب من إعلان إفلاسها في دول حلف وأرسو.
ماذا سيحدث في البلدان الاشتراكية بعد ثورة البرسترويكا في الاتحاد السوفياتي؟ هل ستصدر البرسترويكا مثلما صدرت الشيوعية والاشتراكية؟ وهل القيادات الحالية في تلك البلدان مؤهلة لاستيعاب البرسترويكا وتنفيذها بما يكفل لها النجاح؟
بداية نقول إنه بعد الإعلان عن إفلاس الشيوعية في الاتحاد السوفياتي لم يعد هناك من مهرب من إعلان إفلاسها في دول حلف وارسو، لا سيما أن الوضع الاقتصادي في تلك الدول ليس أقل سوءًا منه في الاتحاد السوفياتي، مع مراعاة الفروق والاختلافات بين تلك الدول التي هي ليست متجانسة على غرار دول أوروبا الغربية، لكن يمكن القول بصفة عامة إن اقتصاد دول أوروبا الشرقية يعاني شأنه شأن اقتصاد السوفيات من مشاكل كثيرة؛ بسبب وقوعه تحت سيطرة التخطيط المركزي لعشرات السنين، ففي المجر وصل التضخم إلى أكثر من (٢٠%)، وارتفع سعر اللحوم (٢٩%) دون زيادة في الأجر، ووصلت الديون الخارجية (١٦) مليار دولار لشعب تعداده لا يتجاوز عشرة ملايين نسمة ونصف، وفي بولندا الأزمة الاقتصادية أكثر ثقلًا؛ حيث بلغ معدل التضخم (٦٠%)، وارتفعت الأسعار ارتفاعًا جنونيًا، وضعفت القدرة الشرائية، وما زلنا نرى بعض الطوابير أمام بعض المحلات في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا، وما زال بعض الشبان الألمان الشرقيين يعرضون أنفسهم إلى خطر الموت وهم يهربون من جحيم بلادهم إلى أوروبا الغربية، وخلاصة القول إنه لم يعد هنالك مجال للدفاع عن السياسة المتبعة في هذه البلدان منذ عشرات السنين، خاصة بعد أن ألقى بها الرفيق غورباتشوف وراء ظهره، ولكن كيف لقيادات طالما دافعت عن الأطروحات القديمة أن تسفه نفسها بنفسها اليوم، وتحكم على تلك الأطروحات بالخطأ والفشل؟ إنه مأزق القيادات في بلدان أوروبا الاشتراكية.
لا شك أن عمليات الإصلاح الغورباتشيفية تلاقي استحسانًا لدى شعوب أوروبا الشرقية، وأن الشباب في بلغاريا، ورومانيا، والمجر، وتشيكوسلوفاكيا، وهنغاريا، وبولونيا، وألمانيا الشرقية يتطلعون إلى موسكو وما يجري فيها من تغييرات وبسرعة كبيرة آملين أن ينعكس ذلك عليهم، وقد ترجم هذا الأمل في المظاهرات والإضرابات التي عمت كافة البلدان الاشتراكية، والتي تطالب بالحريات وتحسين الأوضاع المعيشية، كما أنها نفست عن المشاعر الوطنية والقومية، وما كانت هذه المظاهرات لتحدث قبل أربع سنوات فقط، ولكن هذا الأمر زاد القيادات في الأحزاب الشيوعية الحاكمة في أوروبا الشرقية خوفًا وذعرًا؛ لأنها شعرت أن البرسترويكا تهددها مباشرة حتى وأن لم تحملها الدبابات إلى بلدانهم، لقد أعرف غورباتشوف أكثر من مرة أنه لن يفرض تجربته على الآخرين، ولن يرغم حلفاءه على اتباع خطة، وهذا يتماشى مع سياسته الانفتاحية الجديدة، وإسقاطه لمقولة تصدير الثورة، يقول غورباتشوف: «نحن لا نسعى لفرض وجهة نظرنا على أحد، لكل خياره، والتاريخ وحده يحكم» ولكن يبدو أن غورباتشوف يريد أن يتفرغ لتنظيف الساحة الداخلية في بلاده والتخلص من المحافظين الذين يعارضون برنامجه الإصلاحي دون أن يفتح على نفسه جبهات أخرى، تاركًا لشعوب أوروبا الشرقية مهمة إحداث التغيير بنفسها، ولهذا فإن الفترة القادمة ستكون حبلى بالأحداث؛ لأنه من المستبعد أن يحال الرعيل الأول في الاتحاد السوفياتي على المعاش دون أن يحال نظيره من القيادات الهرمة في دول حلف وارسو على المعاش هو الآخر؛ وذلك ليفسح المجال أمام الشباب وأمام التغيير.
- في هنغاريا استبق الحزب الهنغاري الأحداث بانقلاب أبيض؛ فعزل جانوس كادار السكرتير العام للحزب الشيوعي الهنغاري الذي بقي في منصبه (٣٢) سنة متصلة، وجدد المكتب السياسي الذي يتكون من (۱۲) عضوًا؛ حيث خرج منه ثمانية أعضاء، وقد أصبح متوسط عمر أعضائه (٥٢) سنة.
- وفي تشيكوسلوفاكيا فإن أخشى ما يخشاه القادة التشيكيين هو أن تعود الإصلاحات التي حاول ألكسندر دوبشاك القيام بها قبل الغزو السوفياتي إلى السطح، بعد أن ساهموا في ردمها، وقد وضع ناسيل بابلك النقاط على الأحرف عندما قال: «لا يجب أن تدفع التغييرات التي تحصل في الاتحاد السوفياتي أنصار الانتهازية اليمينيين في تشيكوسلوفاكيا إلى تغذية بعض الأمل»، ويقول مسؤول آخر: «كنا نسمع بإنشاء قوة منظمة تحارب الاشتراكية».
أما زعيم الحزب الشيوعي الروماني نيقولاي شاوشيسكو فقد عبر عن خشيته من زلزال البرسترويكا بقوله: «لا يمكن لحزب ثوري أن يقول: سأترك المؤسسات والقطاع الاقتصادي، تقوم بعمليات تسيير ذاتي» إزاء ما يحدث في الاتحاد السوفياتي فإن أريش هونيكر زعيم الحزب الشيوعي الألماني الشرقي لم يخف امتعاضه من البرسترويكا، وقد عبرت مجلة الشيوعيين الشبان عن هذا الامتعاض عندما كتبت تقول: «إن الاتحاد السوفياتي لم يعد فيما يتعلق بالتكنولوجيا والتقدم نموذجًا بالنسبة لنا».
والزعيم الشيوعي الوحيد الذي ساند بقوة إصلاحات غورباتشوف هو الجنرال باروزلسكي زعيم الحزب الشيوعي البولندي، وربما يعود ذلك لما تشهده بولونيا من اضطرابات منذ عدة سنوات، لكن ليش فاليسا زعيم نقابة تضامن يعبر عن مخاوفه من انتكاس البرسترويكا بقوله: «إذا أبعد جهاز الحزب غورباتشوف فإن جميع من ساندوه سيكونون أول الضحايا».
البرسترويكا فتحت باب الأمل، وأثارت موجة من الغليان في أوروبا الشرقية:
إن الشعوب في أوروبا الاشتراكية التي عاشت مكبوتة مغلوبة على أمرها طيلة عشرات السنين- بدأت تتحرك الآن على إيقاع البرسترويكا البعيد ومتنسمة نسماتها القليلة الآتية من وراء الحدود، وتمثل هذا التحرك في المظاهرات، وفي عودة الروح الدينية من ذلك مثلًا أن أكثر من عشرة آلاف شخص في براغ تجمعوا لأداء صلاة حاشدة، وكأن قضية الحريات الدينية أصبحت منطلقًا للمطالبة بمزيد من الحريات المدنية، والذي سيسرع وتيرة هذا التحرك وربما يساعد على التخلص من الأنظمة الحالية هو السحب التدريجي للدعم السوفياتي المادي لهذه القيادات، لا سيما بعد أن أخذت بعض الموارد الطبيعية بالنضوب ودعوتها إلى تدبير أمرها بنفسها، وإعادة النظر في التوظيف والتشغيل، بحيث يتم التخلص من التضخم الوظيفي بتسريح أعداد كبيرة، يضاف إلى ذلك ترك التحكم في الأسعار وإعادة النظر في أثمان الطاقة والمواد الأولية لتأخذ الأسعار مجراها الحقيقي، ولا بد أن تحدث مثل هذه الإجراءات توترات شديدة إذا لم تكن مصحوبة بإطلاق مزيد من الحريات وتطبيق الديمقراطية.
فهل تستطيع قيادات الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية رفع هذا التحدي الخطير، أم أنها ستسقط مثلما تساقط الرعيل الأول في الاتحاد السوفياتي واحدًا تلو الآخر؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل