; ماذا عندما تدعو أمريكا لمحاربة الإرهاب؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا عندما تدعو أمريكا لمحاربة الإرهاب؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1987

مشاهدات 72

نشر في العدد 807

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 03-مارس-1987

لم يحظ موضوع بقدر كبير من الاهتمام في السنوات الأخيرة مثلما حظي موضوع الإرهاب الدولي حتى قيل عنه: إنه أصبح قضية العصر وسمته، ولم تفلح إجراءات الأمن المشددة التي اتخذتها بلدان كثيرة في وقفه أو الحد من انتشاره، ويخشى أن يؤدي تطور الأعمال الإرهابية إلى تهديد أمن العالم وسلامته، غير أن اللافت للنظر أن الدوائر الصهيونية والاستعمارية عملت دائمًا على إلصاق تهمة الإرهاب الدولي بالفلسطينيين خاصة، وبالشرق أوسطيين عامة. خالطة عن قصد بين الأعمال الوطنية المشروعة وبين الأعمال الإرهابية المدانة وناسبة إليهم كل عمل إرهابي حيثما كان وكأنهم هم الذين ابتدعوا الإرهاب الدولي وهددوا به استقرار العالم وأمنه. فلماذا هذه الحملة العنصرية على الفلسطينيين والعرب والمسلمين ومن تراه يقف فعلًا وراء الإرهاب الدولي المتفاقم؟

الغرب هو الذي نظر للإرهاب السياسي

بداية نقول: إن الشرق الأوسط لم يكن أبدًا منبعًا للإرهاب السياسي ولا مهدًا له، ولم يعرف عن العرب والمسلمين عمومًا أنهم لجأوا إلى التطرف وإلى أعمال العنف لتحقيق مطالبهم، بل الذين اخترعوا هذا النوع من الإرهاب هم الصهاينة من خلال تشكيل ما يعرف بـ«منظمة عشاق صهيون» التي اغتالت قيصر روسيا سنة 1881 والتي كانت نواة المنظمة الصهيونية العالمية التي اتخذت من الإرهاب فلسفة لها ووسيلة لتحقيق مآربها، وامتد نشاطها من الأراضي الروسية إلى كافة أقطار أوربا، وعندما قامت الثورة الفرنسية نادى أحد زعمائها ومنظريها المشهورين «روباس بيار» باستخدام الإرهاب باسم الشعب بهدف الإطاحة بالنظام القائم، وفي أوج الثورة سيق العديد من الناس إلى المقصلة وساد الرعب والذعر الجميع، ومثلما دعت الثورة البرجوازية الفرنسية إلى الإرهاب دعت إليه كذلك الثورة الشيوعية في روسيا وقد أسس زعيمها لينين ما يعرف بـ«اتحاد تحرير الطبقة العاملة» الذي دعا إلى استخدام العنف الثوري، وتحت هذا الشعار اغتالت تلك المنظمة وقتلت أعدادًا كبيرة من الناس فيما بين 1905 و1907.

أما الولايات المتحدة فهي تجسم الإرهاب العنصري أحسن تجسيم، فلا يذكر تاريخها إلا وتذكر المنظمة الإرهابية «كوكلاس كلان» التي أنشأها المزارعون البيض الجنوبيون سنة 1856 الذين رفضوا الاعتراف بالحقوق المدنية الممنوحة للزنوج، وقد اعتمدت تلك المنظمة الإرهابية الشنق على الأشجار قانونًا لها.

ما أكثر المنظمات الإرهابية الغربية في عصرنا الحاضر

حتى لو أخذنا بالإحصاءات التي تنشرها أميركا وأوروبا عن المنظمات الإرهابية والعمليات الإرهابية فإننا سنجد الشرق الأوسط يأتي في المرتبة الثانية بعد أوروبا الغربية، وحتى إذا اعتبرنا كل ما ينسب للعرب وللفلسطينيين من أعمال إرهابية هي كذلك فعلًا- وإن كنا نعلم أن الواقع هو على نقيض ادعاءات الغرب الكاذبة- فإننا لابد أن نرجع ذلك الإرهاب إلى مصدره الحقيقي وبؤرته الأصلية: الكيان الصهيوني الذي قام على الإرهاب ونما عليه، وقد صار معروفًا ومفضوحًا ما قامت به المنظمات الصهيونية الإرهابية التي نشطت في الثلاثينيات والأربعينيات مثل منظمة «الأرغون» وشعارها قبضة تحمل بندقية تغطي خريطة فلسطين وشرق الأردن، ومثل «حركة كاخ» وشعارها العربي الجيد هو «العربي الميت»، ومثل منظمة «الهاجانا» التي تحولت فيما بعد إلى جيش نظامي، وإذا كانت «إسرائيل» تتهم الفلسطينيين والعرب بالإرهاب الدولي من باب عداوتها لنا، فلماذا حذت أميركا وبعض دول غرب أوربا حذو إسرائيل؟ اللهم إلا إذا كانت تناصبنا العداء هي الأخرى، أو أنها واقعة تحت سيطرة النفوذ المالي والإعلامي الصهيوني، ومن العجب أن يتناسى الغرب الأعمال الإرهابية التي تشنها منظمات إرهابية غربية عريقة وذات جذور على أراضيه ويسلط كل أضوائه على أي عمل معزول يتورط فيه أي فلسطيني أو عربي، وإن عددنا المنظمات الإرهابية الفرنجية المعروفة منها فقط ما أحصيناها؛ فهذه منظمة الألوية الحمراء الإيطالية الشهيرة، والتي دوخت الحكومة الإيطالية واستطاعت أن تخطف أحد أقطابها وتقتله وهو رئيس الحكومة الأسبق «الدمورو» الذي وجد مقتولًا في سيارة ومنظمة العمل المباشر الفرنسية التي لم تستطع فرنسا رغم كل ما اتخذته من إجراءات وقف نشاطاتها التخريبية، ومنظمة «بادر ماينهوف» التي ضمت في وقت من الأوقات ستة آلاف عضو تدربوا على حرب المدن لإسقاط «الدولة الرأسمالية»، ومنظمة الذئاب الرمادية التي خرجت من تركيا وغطت ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وجمعت 171 جمعية تحت لوائها، وتمكنت من قتل 4 آلاف ضحية في سنة واحدة ومنظمة الجيش السري الأيرلندي ومنظمات غيرها كثيرة، ويمكن الحديث عن ثلاثة أشكال من الإرهاب الذي تعاني منه أوروبا لا صلة له بقضايا الشرق الأوسط ألبتة، فهو إرهاب داخلي أوروبي غربي صرف.

1- أعمال إرهابية يقوم بها أبناء المستعمرات الأوروبية المطالبة باستقلالها وصلت إلى العواصم الغربية بعد توثيق العلاقات بين المنظمات المقاتلة في المستعمرات وبعض المنظمات الإرهابية الأوروبية، ومن الأمثلة على ذلك أنه في ليلة 28/ 29 آيار 1983 نفذ «الاتحاد الثوري الكاريبي» عملية طالت بعضها باريس.

2- إرهاب المتطرفين اليمينيين واليساريين، وغالبًا ما تكون عمليات الإرهاب اليميني ذات طابع عنصري موجه ضد العرب أو السود أو الأقليات؛ ففي فرنسا يوجد أكثر من عشر منظمات إرهابية يمينية ويسارية منها مجموعة العمل النازي الجديد، وجبهة التحرير الوطني الفرنسي، والجبهة الوطنية التي يتزعمها جان ماري لوبان، والتي دأبت على إرهاب العرب في فرنسا، وعلى جبهة اليسار تتصدر منظمة العمل المباشر قائمة المنظمات الإرهابية.

3- إرهاب الحركات الانفصالية، الذي كان ولا يزال يهدد العواصم الأوربية الغربية وخاصة باريس ولندن ومدريد، وتذكر في هذا الصدد جبهة تحرير كورسيكا التي تزايدت أعمالها الإرهابية من إحراق ممتلكات غير الكورسيكيين ومهاجمة مراكز الشرطة واغتيال المسؤولين الإداريين والمدنيين، ومنظمة الباسك «أياتا» التي تطالب بالانفصال عن فرنسا وإسبانيا، والجيش السري الأيرلندي المطالب منذ سنوات باستقلال أيرلندا عن المملكة البريطانية.

يتضح مما تقدم أن الإرهاب الدولي الذي تزعم الدوائر الاستعمارية الغربية والأميركية أنه فلسطيني أو شرق أوسطي ليس كذلك؛ بل إن أصوله وجذوره متغلغلة في المجتمعات الأوربية الغربية بحكم الأيديولوجيا الرأسمالية التي تعتنقها وبحكم ماضيها الاستعماري وحاضرها الاستغلالي.

العصابات الصهيونية مصدر الإرهاب في الشرق الأوسط

الأعمال الإرهابية لشبكات الإرهاب الصهيونية أكثر من أن تحصى، ومازالت متواصلة إلى اليوم، فمنذ أيام قليلة امتدت يد الغدر والإرهاب الصهيوني إلى قائد البحرية في منظمة فتح منذر أبو غزالة فاغتالته في نيقوسيا بتفجير سيارته. ومن قبل اغتال جهاز الموساد الإرهابي أكثر من شخصية وممثل للفلسطينيين على الساحة الأوروبية وغيرها. وقد قتلت العصابات الصهيونية مواطنًا مغربيًّا بريئًا في السويد بالخطأ في حملتها على الفلسطينيين حيثما كانوا، بل امتدت اليد الإجرامية الصهيونية إلى العلماء والمفكرين فقتلت العالم العراقي الذي ذهب إلى باريس للتفاوض بشأن شراء العراق لمفاعل نووي فرنسي، ولم تلبث الطائرات الصهيونية أن أغارت على ذلك المفاعل وهو في طور الإنشاء، كذلك قتلت المنظمات الإرهابية في أميركا الدكتور إسماعيل الفاروقي (أستاذ جامعي فلسطيني).

ولا نريد أن نعدد الأعمال الإرهابية التي قامت بها العصابات الصهيونية، بل يكفي أن نذكر بأن إسحاق شامير كان يتزعم منظمة «شتيرن» التي قتلت اللورد ولتر موين وزير الدولة البريطاني خلال زيارته للقاهرة عام 1944، والكونت برنادوت مبعوث الأمم المتحدة لفلسطين، وأن بيغن تزعم منظمة «الأرغون» التي اقترفت مذبحة يافا في إبريل 1948، والذين نجوا من تلك المذبحة كانوا هم أنفسهم ضحايا مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا سنة 1982. وأشهر المذابح التي اقترفتها العصابات الصهيونية مذبحة دير ياسين سنة 1948، وذهب ضحيتها 250 رجلًا وطفلًا وامرأة. أليس ذلك هو الإرهاب بعينه؟!

الإرهاب الدولي سياسة رسمية للولايات المتحدة

من المفارقات العجيبة أن تدعو أكبر دولة إرهابية إلى مكافحة الإرهاب والتصدي له، وليس في الأمر غرابة إذا ما عرفنا أن الإرهاب الذي تشير إليه أميركا هو عمليات المقاومة وحركات التحرر التي تناضل من أجل الخلاص من هيمنتها وهيمنة أذنابها، وقد عمدت دومًا إلى جانب إسرائيل إلى تعمية مقصودة وإلى خلط بين أعمال المقاومة المشروعة وأعمال الإرهاب، وقد قالها صراحة مدير مكافحة الإرهاب وتخطيط الطوارئ بوزارة الخارجية عندما قال لصحفي عربي كان يحاوره: «من الصعب أن نحدد من هي المجموعات الإرهابية ومن هي حركات التحرر؛ فمنظمة التحرير الفلسطينية في نظرنا منظمة إرهابية؛ أما في نظرك أنت فإنها حركة تحرر وطني».

والحقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تفرض بعنجهية وغطرسة مفهومها للإرهاب الذي يسوغ لها التدخل المباشر وغير المباشر في شؤون الدول المستقلة بهدف تركيعها وإخضاع شعوبها لهيمنتها وكل ما قامت به الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بدعوى محاربة الإرهاب والمحافظة على الأمن والاستقرار العالمين يؤكد هذه الحقيقة، بل إنها لا تتورع أحيانًا عن ممارسة الإرهاب السري بالتعاون مع شبكات إرهابية دولية عبر وكالة مخابراتها «سي أي أي» التي افتضح أمرها في أكثر من عملية إرهابية، والوقائع التي تدين الإرهاب الأميركي على كافة المستويات كثيرة، نذكر منها:

- التدخل العسكري في غرينادا.

- الحرب المعلنة ضد نيكاراغوا بدعم المتمردين وتلغيم الموانئ.

- الدعم اللامحدود للعصابات الصهيونية المعتدية على العرب.

- مساعدة منظمة «يونيتا» في أنغولا، وقد جاء في الأنباء أن أموال صفقات السلاح المقدم لإيران ذهبت لدعم المتمردين في أنغولا ونيكاراغوا.

- السماح لمائير كاهانا -حامل الجنسية الأميركية- بإقامة معسكرات تدريب على السلاح وجمع التبرعات والمتطوعين لإرسالهم إلى الكيان الصهيوني.

- محاولات الاغتيال لرؤساء دول مثلما وقع لعبدالناصر وكاسترو والندي وباتريس لومومبا.

- توظيف المعونات الاقتصادية والقروض لفرض التبعية على الدول، والمسألة لا تقف عند هذا الحد، فعندما تعجز كل وسائل الإرهاب السابقة في لي ذراع الشعوب تلجأ أميركا إلى التدخل المباشر وإلى سياسة الأساطيل والبوارج، مثلما وقع في فيتنام وكمبوديا ولبنان وليبيا، وكلما اتسع الخرق على أميركا زادت غطرستها ولوحت بوسائل قوتها العسكرية، وها هي اليوم تعلن للمرة السابعة منذ عام 1974 عن تطوير قوة التدخل السريع، زاعمة أن هذه القوة لمحاربة الإرهاب، والحقيقة أن هذه القوة هي قوة لإرهاب الشعوب وتحقيق أهداف أميركا ومصالحها حسب استراتيجيتها الدولية وإن كان ذلك على حساب الشعوب.

الرابط المختصر :