العنوان ماذا عن الأقليات الإسلامية في دول أوروبا الشرقية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1983
مشاهدات 62
نشر في العدد 631
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 02-أغسطس-1983
١- موقف الشيوعية السياسي من الإسلام في شرق أوربا:
إن الأقليات الإسلامية في الدول الشيوعية هي أكثر الأقليات تعرضا للمحن والمصائب من تشريد وتقتيل، وذلك بسبب انتمائهم للإسلام ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سورة البروج: 8).
هذا بالإضافة إلى أن العوامل الفطرية الطبيعية في صالح المسلمين، وذلك مما صعب عملية ذوبان المسلمين في مجتمعات الدول الشيوعية، والتي هي عبارة عن مجتمعات مسيحية متفسخة متحللة، فالمسلم الذي يشرب الخمر لا يأكل لحم الخنزير، والذي لا يصوم يصلي والذي لا يصلي يختن أولاده، والذي لا يفعل ذلك يقرأ المولد الشريف، وخلاصة الأمر أنه لا يوجد أو يندر أن تجد مسلمًا ينسلخ انسلاخًا تامًا من الإسلام، وحتى هؤلاء المسلمين العصاة يثيرون نقمة وحنق الشيوعيين والحزب، للجزء المتبقي فيهم من الإسلام، وكثيرًا ما كنا نلتقي مسلم يترنح سكرا ولكنه بمجرد رؤيته لأحد من المسلمين ينفجر باكيًا، ويخرج من محفظته صورة لوالده بملابس الحج أو صورة الكعبة أو صورة المسجد النبوي الشريف، كما أن من المشاكل المستعصية بالنسبة للأحزاب الشيوعية في المسلمين عدم تمسك المسلمين بتحديد النسل الذي يلتزم به الجميع في الدول الشيوعية، هذا بالإضافة إلى تماسك الأسرة المسلمة ورسوخ روح التكافل الاجتماعي الحقيقية في نفوس المسلمين، يجعلهم فئة مميزة عن بقية القوميات الأخرى، غالبا ما تكون قد ورثت التحلل الأسري والتفكك الأخلاقي ومفهوم الأنانية في الحياة، وعدم استعداد الأسرة لتحمل الفتاة أو الابن بعد مقدرته على الكسب، وليس بالضروري أن يكون ذلك في سن البلوغ، فغالبًا ما تراهم بحاجة للعمل في سن مبكرة جدًا، وذلك لعدم استعداد الأسرة لتحمل نفقاتهم لمدة طويلة، وذلك عكس ما يحدث في الأسرة المسلمة.
كما نجد أن هناك ارتباطًا بين المسلمين والإسلام نابعا من طبيعة الإسلام نفسه، فمثلا فرضية الصلاة خمس مرات في اليوم تجعل المسلم في اتصال دائم مع الله، وحتى الذي لا يصلي يعرف أوقات هذه الصلاة، ويظل بصورة أو أخرى في ارتباط بالإسلام والمسلمين، كما نجد الأعياد الإسلامية ورمضان والحج والمولد النبوي، كلها مناسبات تتيح للمسلم- أي كانت نوعيته- وقفات ليراجع فيها نفسه، كما نجد في لغة تفاهم كل الأقليات الإسلامية كلمات يستعملونها دون سواهم أصولها إسلامية، فكلمات الجنة والنار والحساب والملائكة والقيامة والثواب والأجر، وحسنة وصدقة والخير والسلام والصباح والظهر والغسل والوضوء، والمساء والمسافر والعلاج هذا بالإضافة للصلاة والصوم والزكاة والشهادة والحج، والفاتحة والعيد ورمضان والأضحية، بالإضافة لكلمات كثيرة أخرى نجدها متداولة في لغة تخاطب معظم الأقليات الإسلامية في دول أوربا الشرقية.
كما نجد شعور المسلمين بأنهم أقلية يجعلهم يتمسكون بالإسلام وبتقاليدهم وعاداتهم الإسلامية، وفي حقيقة الأمر أن الدين الإسلامي هو الوحيد الذي يملك عوامل المقاومة للنظام الشيوعي، وذلك لمعظم الأسباب التي أوردناها سابقا، ولشعور المسلم في أوروبا- أي كانت نوعية ذلك المسلم- بأن الإسلام هو إطار شخصيته وارتباطه العميق بالمسلمين، ثم شعورهم بالانتماء إلى ذلك الشرق العجيب، حيث مكة والمدينة والقصص الشيقة عن مولد النور والهجرة من مكة، وغزوات الإسلام وأبطاله تجعل المسلم في شرق أوربا يحافظ على هذا الانتماء، ويتمنى أن يعود ذلك المجد مرة أخرى ليرد عنه ضيمه وظلمه، خاصة أن الأتراك العثمانيين فعلوا ذلك منذ فترة وجيزة، كما نجد المسلمين في شرق أوربا أكثر الناس تحمسًا لقيام دولة الإسلام وحاكمية الإسلام، حيث هم آخر من تذوق حلاوة ذلك الحكم، قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية 1912 في حروب البلقان .
ففي الوقت الذي نجد فيه المسلم إما متمسكًا بالإسلام تمسكًا تامًا حيًا أو غير متمسك به، إلا أنه يدور في فلك الإسلام حتى لو كان مسلمًا شيوعيًا، كما قال أستاذ الهندسة المعمارية في جامعة بلغراد «إن وضع الإسلام خاتمه في مكان ما، فليس من السهل إزالة ذلك الخاتم مهما بذلنا من جهد».
نجد أن الأقليات الأخرى مستسلمة استسلاما تاما لقبضة الأحزاب الشيوعية، فنجد أن المسيحي لكي يحسب متدينًا يكفي أن يشعل شمعة في منزله يوم الأحد، ويثبت بذلك أنه مسيحي متعصب لدينه، بل يمكنه الذهاب للكنيسة ولن يسأله أحد حتى لو كان عضوا في الحزب الشيوعي، وفي الحقيقة أن الكنيسة في كل دول شرق أوربا والدول الشيوعية لا تعتبر سوى متحف إلا في بولندا تعتبر أفضل من متحف قليلا، ثم إن المسيحية الموجودة حاليا في دول شرق أوربا- أو حتى في مكان اليوم- ليس لها القوة والحياة التي تستطيع أن تثبت به وجودها كدين، ناهيك عن الوقوف ضد الشيوعية، فإن كان من الممكن أن يتزوج الرجل رجلًا داخل الكنيسة وتحت رعايتها، ويحصل على شهادة بذلك من الكنيسة، فماذا يتبقى منها كدين؟
ثم إن تقاليد المجتمعات الشيوعية في شرق أوربا هي تقاليد الشعوب المسيحية إذ أن نسبة الشيوعيين في أحسن الأحوال لا تصل لأكثر من 1 - 3% وهذه النسبة الضئيلة والتي هدفها الحكم والسلطة ليس لديها الوقت الكافي- كما ليس في استطاعتها- إيجاد تقاليد جديدة لتدعم بها فروع النظرية الشيوعية الأخرى، كما أن مفهوم التقاليد والأخلاق في الشيوعية نفسها مفهوم غير واضح إيجابيا، حيث ينادي رواد الشيوعية بأن أخلاق الشيوعية هي الأخلاق التي تزيد من الطاقة الإنتاجية، وهذا ما يجدونه بوفرة في المجتمعات والتقاليد المسيحية واليهودية، إذ أن تعهد العشيقات أمر محبب وعادي جدا في الدولة الشيوعية، بل إن الزوج يعلم بعشاق زوجته ولا يهمه الأمر، لأنه بدوره له عدد كبير من العشيقات من نساء الأزواج الآخرين.
وهذه تقاليد المجتمعات المسيحية أو بالأصح القوميات المسيحية في شرق أوربا، بل اطلعنا على حادث أب يزني بابنته، بحجة أنها جميلة جدا فلماذا يتركها للآخرين للاستمتاع بها، ومما يدلك على صفاء الأمور بين الشيوعيين والمسيحية في شرق أوربا نجد أن الوقت الذي تبيد فيه حكومة بلغاريا الشيوعية المسلمين، وتحول المساجد إلى متاحف نجدها تدعم الوجود المسيحي، حيث تطلب من المسلمين تغيير أسمائهم الى أسماء مسيحية، ونجد بصوفيا كلية للاهوت المسيحي تعمل على تخريج قساوسة لنشر المسيحية، كما نجد في يوغسلافيا كليتين للاهوت المسيحي الأرثوذكس والكاثوليكي، ونجد عددًا كبيرًا من الأديرة منتشرة في يوغسلافيا وهي متخصصة في صنع النبيذ، حيث يقال عن النبيذ الجيد إنه دم المسيح عليه السلام، والعياذ بالله مما يقولون ومما يفعلون، وهذه صورة من ارتباط المسيحيين بدينهم في شرق أوربا، هذا طبعا مع وجود الكنائس الضخمة في كل المدن اليوغسلافية، ووجود دعم مادي من الفاتيكان للكاثوليك بموافقة الدولة، حيث يتسلم القسيس مرتبه من خارج الدولة، أي من الفاتيكان تحت سمع وبصر الحزب الشيوعي الذي مد لسانه متطلعا ليلعق قطرة ساقطة من تلك المساعدات، وفي نفس الوقت نجد يوغسلافيا تحرم على المسلمين الاتصال بالعالم الخارجي إسلاميًا أو غير إسلامي، ويقدم للمحاكمة كل من يثبت أنه زار دولة عربية أو أوروبية حتى للعمل، إلا إن كان ذلك عن طريق الحزب الشيوعي اليوغسلافي، وتزج يوغسلافيا بخيرة الشباب المسلم في السجون، لأنهم يعلمون الأطفال مبادئ الإسلام في المساجد أو في البيوت، ويكفي أنه يوجد كتاب في البيت به كلمة الجهاد المقدس، أو كتاب به جملة واحدة توضح أن الإسلام أفضل النظريات لقيادة البشرية يكفي ذلك لإدخال كل الأسرة في السجن أو إبادتها، هذا يحدث في يوغسلافيا زعيمة الحياد الإيجابي.
ثم ننتقل من يوغسلافيا إلى روسيا التي لا تبيد المسلمين فقط، وإنما حتى المصاحف وكتب الحديث التي أصلا كتبت في تلك الديار قبل أن تغتصبها روسيا، وتصبح من الجمهوريات السوفيتية، فقد حكى لنا عبد الرحمنوف- أحد مسلمي القوقاز- بأنهم كانوا يتحايلون على السلطات، حيث كانت الحملة ضد المسلمين في أوجها فيعلنون أن أحد المسلمين توفى ويأخذون النعش إلى مقبرة العائلة، حيث يكون التابوت مملوءا بالكتب الإسلامية خاصة المصاحف وصحيح البخاري، وقد أباد ستالين عشرات الملايين من المسلمين ورحلهم من أوطانهم، ليمنع العون الذي كانوا يقدمونه للمقاتلين المسلمين في الجبال، وحول الحزب الشيوعي الروسي كل المساجد الكبرى في مدن الجمهوريات الإسلامية إلى متاحف.
نجد أن روسيا التي تقوم بكل هذه الأفعال ضد الإسلام والمسلمين في الخارج والداخل نجدها تفرد مقرًا لأسقف الكنيسة الشرقية في موسكو، بل حتى الكرملين نفسه عبارة عن مبنى كنيسة لم يتحرج القادة الشيوعيون أن يجعلوه مقرا لهم حتى يومنا هذا.
أما عن اليهود فحدث ولا حرج ففي يوغسلافيا الشيوعية لا يوجد أكثر من ألفي يهودي، ونجد معابدهم ومجالسهم الإدارية، بل ومحاكمهم منتشرة في كل المدن، نجد أكبر الشوارع بأسماء اليهود الشيوعيين- فشارع موشى بيادا في بلغراد يضاهي شارع المارشال تيتو، وأما في روسيا فقد وصل عدد أعضاء اليهود إلى سبعة من عشرة أعضاء، هم اللجنة المركزية العليا للحزب الشيوعي السوفيتي أول أو ثاني أقوى دولة في العالم، وفي رومانيا تكاد أن تكون كل لجنة الحزب الشيوعي منهم، هم الذين خططوا لإبادة أكثر من مليوني مسلم في بلغاريا، وكذلك في بقية الدول الشيوعية.
نعود لنقرر إن الإسلام هو المستهدف في الدول الشيوعية، وإن المسلمين هم أول ضحايا قوانين الأحزاب الشيوعية في روسيا وشرق أوربا.