العنوان ماذا عن الانقلاب الفاشل في موريتانيا؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1981
مشاهدات 53
نشر في العدد 523
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 07-أبريل-1981
ماذا عن
الانقلاب الفاشل في موريتانيا؟
كيف سار الخط السياسي المتعرج في موريتانيا من التحالف مع الغرب إلى الوقوف مع الجزائر والبوليساريو؟
هل أراد الانقلاب الفاشل أن يسبق الحكام العسكريين في موريتانيا إلى لعبه الديمقراطية؟
ظروف الانقلاب بين الأوضاع الاقتصادية والفراغ السياسي في موريتانيا.
هل كان حكام موريتانيا سيدفعون ثمن سلام المنطقة كما دفعوا ثمن الحرب أيام تحالف ولد دادة مع المغرب؟
موريتانيا على الخارطة:
تقع موريتانيا على شاطئ المحيط الأطلسي لغرب قارة إفريقيا، تحدها الصحراء الغربية من الشمال، والجزائر ومالي من الشرق، والسنغال ومالي من الجنوب، وتبلغ مساحة هذه الدولة (1,085,803) كيلومترا مربعًا، ومعظم أرضها صحراء، ومنذ عام (1903) ضمَّتها فرنسا إلى محمياتها، ثم أصبحت موريتانيا مستعمرة فرنسية عام 1920 وقد نالت استقلالها يوم ٢٨ نوفمبر عام 1960، أما سُكانها فعددهم بحسب إحصاء (1980) – (1,640,000) نسمة. يتكلمون اللغتين العربية والفرنسية، كما يتم التدريس في المدارس بهاتين اللغتين، وكانت موريتانيا تُعتبر جزءًا من المغرب، وقد طالب المغرب بضمها إليه مرارًا، إلا أن العلاقات تحسَّنت بين البلدين بعد موافقة المغرب على دخول موريتانيا إلى جامعة الدول العربية، وانضمت موريتانيا إلى هيئة الأمم المتحدة عام 1961 أما اقتصادياتها، فإنها تعتمد فيها على إنتاجها الكبير من خام الحديد الذي يمثل 85 % من صادراتها، كما اكتشفت فيها كميات مهمة من النحاس.. وأما حياة السكان، فتعتمد على رعي الماشية وتربيتها في معظم مناطق الريف، أما معدل الدخل الفردي في جمهورية موريتانيا فقد كان قبل الاستقلال 65 دولاراً لعام (1969) بينما ارتفع عام 1978 إلى 165 دولارًا، ومن ثم ازداد قليلًا مع مرور الزمن فصار عام (1978) - 165 دولارًا للفرد الواحد.
موريتانيا والمنعطف السياسي:
المختار ولد دادة هو حاكم موريتانيا الإسلامية قبل مجيء الانقلابيين العسكر الذين أطاحوا به في يوليو عام ١٩٧٨، وكان المختار ولد دادة قد تولى رئاسة الجمهورية الموريتانية منذ استقلال البلاد، ويصف المراقبون سياسة ولد دادة بأنها سياسة تواكب الخط السياسي الذي يسير عليه الحسن الثاني ملك المملكة المغربية، ولا سيما فيما يتعلق بموقف الملك المغربي من قضية الصحراء الغربية والحرب مع جبهة البوليساريو.. وكذلك من موقف المغرب من الجمهورية الجزائرية وليبيا القذافي.
ولما قام انقلاب العاشر من شهر يوليو عام 1978 تشكَّلت لجنة أطلق عليها اسم «الخلاص الوطني» وتسلمت بعد ذلك السلطة في البلاد، فعلقت الدستور، وحلَّت «البرلمان» الذي يُسمى في موريتانيا «المجلس الوطني»، كما أعلنت حل الحزب الوحيد الذي كان قائمًا في البلاد قبل الانقلاب.
وهنا يطرح السؤال نفسه؟
على أي خط سياسي وقفت موريتانيا بعد الانقلاب العسكري؟
وماذا عن موقفها من قضية الصحراء؟
وما موقف الجزائر والمغرب منها؟
وإذا عدنا إلى الأرشيف السياسي لموريتانيا فإننا نجد أن رئيس الجمهورية الأسبق المختار ولد دادة، كان قد عقد تحالفًا للدفاع المشترك مع المغرب، وذلك عام 1975، وشكَّل هذا التحالف موقفًا مغربيًّا – موريتانيًّا مُشتركًا من قضية الصحراء والبوليساريو ومواجهة الجزائر.
ولما جاء الانقلابيون العسكريون، قاموا بحل التحالف الدفاعي المذكور مع المغرب، ووقعوا معاهدة بديلة مع جبهة بوليساريو في ٥ أغسطس عام ١٩٧٩، وذلك بإشراف الجزائر، كما أعاد العسكريون علاقات موريتانيا بالجزائر في 14 أغسطس عام 1979 بعد أن كانت العلاقات مقطوعة بين البلدين من ذي قبل.
وبهذا يتضح كيف دخلت موريتانيا لعبة الصحراء المغربية إلى جانب الجزائر.
الانقلاب والصراع على الصحراء:
أطراف الصراع معروفة هناك.. الجزائر والمغرب وموريتانيا.. وتلعب جبهة البوليساريو التي أعلنت سيطرتها على الصحراء المغربية دورًا قتاليًّا تعتمد فيه على إمدادات الجزائر بالدرجة الأول، ومنذ أن وقفت موريتانيا إلى جانب البوليساريو في حربها مع المغرب، تعكَّر صفو العلاقات بين المغرب وحكام موريتانيا العسكريين، الذين يُشجِّعون التيارات الاشتراكية اليسارية في البلاد، ويرى ملك المغرب أن قضية الصحراء الغربية قضية منتهية، فقد أكَّد في خطاب ألقاه في الذكرى الـ (52) لاستقلال المغرب:
«إن مسألة الصحراء باتت منتهية، وأنه على استعداد للاجتماع بالرئيس الجزائري لوضع حد نهائي للمواجهة التي تدمي المنطقة».
وقد قال خلال ذلك:
«إن استرجاع الصحراء أمر تم وانتهى، فالصحراء صحراؤنا، ولسنا مستعدين للتخلي عنها، وإذا كنا نُرحِّب بكل تفاهم لحقن الدماء وإنهاء التوتر، فإننا لا نعني في أي وجه من الوجوه أن يكون هذا التفاهم على حساب جزء لا يتجزأ من ترابنا الوطني». كان هذا الكلام يوم 3/3/ 1981 ولكن ماذا حدث بعد؟
لقد كانت المفاجأة بعد أيام قليلة حصول الانقلاب الفاشل على العسكريين حاكمي موريتانيا، لتعلن موريتانيا اتهام المغرب بذلك وقطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين.
أما المغرب فقد أعلنت براءتها من الوقوف وراء كواليس الانقلاب.
وأما الجزائر فقد استنكرت ما حصل في موريتانيا.
بينما أدان محمد الأمين رئيس الوزراء الصحراوي ما أسماه بـ«العدوان الصارخ» على موريتانيا، وأعرب في الوقت نفسه عن تضامن شعب الصحراء المتزايد مع الشعب الموريتاني.
وحول موضوع الانقلاب عقبت صحيفة لوموند الفرنسية في عددها الصادر يوم
18\3\1981 فقالت:
«لا شك في أن نزاع الصحراء الغربية الذي دخل الآن سنته السادسة، قد كان وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في موريتانيا يوم الاثنين الماضي، كما أن النزاع هو السبب المباشر في عدم استقرار هذه الدولة منذ اليوم الذي دخل فيه الرئيس السابق المختار ولد دادة إلى جانب المغرب، في حرب ضد جبهة البوليساريو، فالعسكريون الذين أطاحوا به في يوليو عام ١٩٧٩ لوضع حدٍّ لهذه الحرب وجدوا الخزانة فارغة والأوضاع الاجتماعية يُرثى لحالها».
الانقلاب والأوضاع السياسية والاقتصادية في موريتانيا:
يذكر المراقبون للأوضاع السياسية والاقتصادية تحليلات كثيرة تربط بين الوضع السياسي والاقتصادي والعسكري لموريتانيا، وبين حركة الانقلاب الفاشلة التي حصلت في وقت سابق من شهر مارس، ونستطيع أن نستخلص من ذلك ما يلي:
أ- العسكر واقتصاد موريتانيا:
حاولت لجنة الخلاص الوطني التي حكمت موريتانيا في أعقاب الرئيس الأسبق المختار ولد دادة طيلة السنوات الثلاث الماضية، مواجهة أبرز المشاكل الاقتصادية في البلاد، وخلال ذلك عملت على النهوض باقتصاد البلاد، ويبدو أنها نجحت بشكل جزئي، دون أن تنجح في تجاوز المآزق السياسية الكثيرة، وهذه المحاولات
الاقتصادية كانت ترمي إلى:
إسكات الشعب الذي يشكو من التدهور الاقتصادي زمن العسكر الاشتراكيين.
إيهام الشعب بأن تحالف ولد دادة مع المغرب قد كلف الاقتصاد الوطني في موريتانيا الكثير، بسبب استنزاف حرب الصحراء لذلك الاقتصاد.
ب- العسكر والوجه السياسي:
لقد فشل الانقلابيون طيلة السنوات الثلاث الماضية في مسألة سد الفراغ السياسي الذي خلَّفه إلغاء حزب الشعب الموريتاني، وهو الحزب الوحيد القائم في موريتانيا، والذي كان يجمع أهم التيارات الموجودة في البلاد أيام حكم المختار ولد دادة، وقد تولى ثلاثة ضباط رئاسة الدولة في ظرف سنوات ثلاث، وهذا يشير إلى الصعوبات التي واجهتها لجنة الخلاص الوطني في القيام بمهمتها.
وقد حاول الرئيس الموريتاني «العسكري» إسكات الشعب الراغب في حكومة مدنية للخروج من المأزق السياسي، فشكَّل في نهاية السنة الماضية حكومة موريتانية مدنية جديدة - وهي حكومة انتقالية - مكلفة بإقامة نظام حكم ديمقراطي في البلاد.
ويرى المراقبون أن نجاح حاكم موريتاني في هذه المحاولة، سيمنحه تدعيمًا واسعًا وعريضًا لنظامه، لذلك فإن بعض الصحف الغربية أشارت إشارات خفية مفادها:
أن يكون قادة التحالف من أجل موريتانيا ديمقراطية – وهو تحالف معارض، قد حظي بدعم المغرب منذ تكوين التحالف، وقد أراد هؤلاء بدعم من المغرب أن يسبقوا الحكومة الحالية في لعبة الديمقراطية قبل نجاح حكام موريتانيا فيها، وهذا يؤيد رأي من يعتقدون أن المغرب وراء الانقلاب الفاشل الأخير في موريتانيا.
لكن، هل نستطيع نحن أن نجزم بذلك؟
تقول لوموند الفرنسية:
إن المملكة المغربية لن يضايقها قيام نظام موريتاني جديد يكون أكثر تأييدًا لوجهات نظرها، علمًا بأن الرباط لا تنفك في التشكيك في حياد معاهدة السلام مع جبهة البوليساريو.
الانقلاب ثمن التحالف مع البوليساريو:
إذا ربطنا تحليلنا هذا مع ما سبق بخشية موريتانيا المعروفة من أن تدفع ثمن سلام يحل في المنطقة، بعد أن دفعت ثمن حرب الصحراء الغربية، فإننا نخرج بالملاحظات التالية:
إن الموريتانيين يتخوفون من أن تتم تسوية دبلوماسية معينة بين الجزائر والمغرب على حساب وضع البوليساريو يده على موريتانيا في حالة تخلي حليفه الجزائر عنه.
إن المغرب صعد في الفترة الأخيرة حملته على موريتانيا التي اتهمها باستقبال قواعد البوليساريو، وهذا يشير إلى أن المغرب لابد وأنه بحث عن وسيلة ينهي فيها التعاون بين موريتانيا والبوليساريو.
وبهذا بدأ حكام موريتانيا يشعرون، أنهم في ورطة.. لذلك لم يجدوا تفسيرًا
للانقلاب الفاشل، إلا التفسير الذي يدعي أن ذلك من عمل المغرب وتخطيطه.
وهكذا قطعت موريتانيا علاقاتها بالمغرب، ومن خلال هذا التفسير اتُّهمت المغرب بإغراء عضوين كبيرين في «اللجنة العسكرية للخلاص الوطني»، وبرَّرت قطع العلاقات بما ذكره راديو نواكشوط، وهو أن هدف الانقلابيين المدفوعين من المغرب كان قتل رئيس اللجنة المقدم محمد خونا ولد هيدالة، إضافةً إلى قتل عدد من المسؤولين الموريتانيين.
وبهذا تفتح صفحة جديدة من الصراع في منطقة المغرب العربي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في ختام هذا الموضوع:
لمصلحة من ستؤول ثمرة الصراعات في أقطار المغرب العربي؟