العنوان ماذا فعلت لديني؟
الكاتب كمال سالم عوض
تاريخ النشر الجمعة 21-مايو-2004
مشاهدات 69
نشر في العدد 1601
نشر في الصفحة 55
الجمعة 21-مايو-2004
كان السؤال يشج رأسي بقسوة ويؤرقني.. يغفل عني فترات تتحكم في طولها جرعات التخدير التي تسكبها الحياة في أوردتي، من مضايقات العمل، وتأمين السكن، والقوت، ومؤامرات الجيران، وضجيج المواصلات، والحزن الشديد لحد البكاء، لهزائم المنتخب الوطني في الكرة، لكن السؤال المضني لا يلبث أن ينقض كصاعقة تكتسح الأخضر واليابس، يظل يدوي في رأسي آلاف المرات وأنا لا أجيب، رغم أن الإجابة داخلي واضحة لكنها فاضحة.
ماذا فعلت من أجل لا إله إلا الله؟ وهل مثلي يستطيع إجابة مثل هذا السؤال؟ ماذا فعلت من أجل لا إله إلا الله؟ طبعًا لم أفعل شيئًا، وماذا عساني أن أفعل؟ وهل لا إله إلا الله تتطلب أفعالًا؟ لقد ولدنا فوجدناها مطبوعة في البطاقات الشخصية لآبائنا، ومعلقة على مآذن قريتنا، ونائمة بوداعة خلف غلالة من التراب فوق جدران منازلنا- هل هناك ما يقدم لها أكثر من ذلك؟.. كما أنني -والحق أقول- لم أقصر أبدًا معها، ودائمًا أتلوها عند وقوع حادث سير، أو نزول كارثة ما بأحد الناس، وبالطبع يتلوها كل أهل قريتي عند سماعهم نبأ وفاة أحدهم، لماذا إذًا لا يكف ذلك السؤال الصعب عن مطاردتي؟ يغيب حتى أتناساه، ثم يداهمني مع قدوم مساء.
في المرة الأخيرة انقض بوحشية شديدة فوق هامتي فاضطررت أن أزف إليه إجابتي: لا شيء، فزفني إلى الموت، وجدتني أقف في صف طويل جدًا، كل الناس مند آدم حتى لحظة انضمامي لهم يقفون في الصف، ورغم العدد الكبير إلا أن الجميع كانوا تحت السيطرة، الكل ملتزم بالنظام، فلا أحد يتقدم أو يتأخر، والصمت يعصب الرؤوس نفس السؤال الذي أرقني في الدنيا يدور الآن بوضوح وعلانية، سؤال واضح يتجرعه الجميع، شاءوا أم أبوا، والحناجر الجافة تموء بحثًا عن إجابة، تتوالى إجابات الفائزين: أرقت دمي في سبيل لا إله إلا الله، شردت من أجلها، هاجرت، علمت، داويت، ربيت، أطعمت وسقيت، تنهال برقيات التهنئة، وتتوالى مواكب الفوز إلى الجنان.
وينكمش الصف ويتخلف المتعثرون وأنا، يصرخ السؤال في وجوهنا: ماذا قدمتم؟ فنقدم الصمت، لكنه ينقض عليّ كالصقر الجائع، ويصرخ أنت ماذا فعلت من أجل لا إله إلا الله؟ ألم أحذرك في الدنيا؟ دخلت الحياة وخرجت منها، فلا أنت أدركت وجودك، ولا أنت بذلت جهودك، وتخونني جهود الدفاع عن النفس، فأقطع النفس وأخرس.
أفقت من أثر أمواج أفكاري المتلاطمة، نظرت بعيون كليلة، فوجدت قدمي فوق الأرض والحياة من حولي تنتفض بالحركة، إذا مازالت الفرصة سانحة لإعداد إجابة لهذا السؤال الرهيب، لكن ماذا أفعل؟ الناس من حولي يتحركون كالمغمورين صامتين ومنفصلين، كل إنسان كأنه جرم سماوي يجري في مدار معزول، يخاف أن يقترب من الأخر حتى لا يدمره، يتفننون في الانزواء عما يوجع الرأس ويغضب السلطان، لا يد تمتد ولا شمعة تنير.
لماذا إذًا يدق هذا السؤال رأسي من دون الناس؟ لماذا لا يتركني أعيش حياتي كما يعيشون؟ فجأة ينبثق شعاع نور فأتبعه، هذه هي الإجابة التي ستخرس السؤال: انطلقت إلى المسجد، فصليت، وقرأت القرآن، وصمت رمضان، وألقيت السلام على من عرفت ومن لم أعرف، فرد من عرفت ورمقني بتوجس من لا أعرف.
ماذا أفعل والناس جميعًا لا يفعلون؟ إنهم غارقون في جنون الأسعار والأبقار والأفلام ومدن الأحلام، وضياع نقاط مباريات الدوري، وأنا مثلهم دار عقلي المكدود سريعًا حتى عثر على إجابة رائعة، قفزت إلى ذهني إجابة ظننتها مقنعة: إنني فعلت كثيرًا من أجل لا إله إلا الله، فأنا في كل ليلة أجلس أمام نشرات الأخبار وأتابع أوجاع المسلمين التي لا تنقطع وأتألم جدًا، نعم أعرف أن المسلمين جميعًا يفعلون ذلك، كلهم يتابعون الأخبار ويسبون الطغاة، لكنني أتابع أكثر منهم وأظل أدور على كل القنوات حتى يدور النوم برأسي، كما أنني أسب الطغاة بشدة وبصوت مرتفع، وأنتظر دائمًا أن يوقع بهم الأخرون شرًا، حتى أفرح وأصفق وأضرب بقبضتي الهواء، لكن صفعني سؤال آخر: وماذا خسر الطغاة بكراهيتك الشديدة؟ هل أوقفهم حقدك الوفير عن أعمالهم ضد المسلمين؟ اعتقلني خرس الخوف والخزي.
ثم لم يلبث أن انطلق لساني: صدقت لابد أن أفعل شيئًا، أن أكون مشاركة في صنع الحياة والأحداث، لا متفرجًا عليها فحسب.