العنوان ماذا يخبئ المستقبل لدول أوروبا الشرقية؟!
الكاتب إبراهيم البيومى
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 943
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 28-نوفمبر-1989
القاهرة: من مراسل المجتمع
- المستقبل السياسي لأوروبا الشرقية سوف يتحدد في ضوء التوجه نحو
صيغة من صيغ التعددية.
- جدار برلين الذي تحطم أمام صلابة المعارضة.
- تلهف الألمان للحرية أدى إلى هجرتهم الجماعية.
تتطور الأحداث وتتلاحق في منطقة
أوروبا الشرقية، حتى لا يكاد يسمع من أخبار جديدة لم يكن أحد يتوقعها، أو على
الأقل يتوقع سرعة حدوثها، فما هي ملامح المستقبل لدول الكتلة الشرقية في أوروبا
وتأثيراتها لك على أوروبا الغربية؟، بل ما هي ملامح خريطة العالم سياسيًا وعقائديًّا
خلال الفترة القادمة بعد هذا التمرد على النظام الماركسي والعقيدة
الشيوعية.. ما هي التوقعات؟
إن النظام الماركسي الذي طبق في
أوروبا الشرقية، اقتضى نوعًا متشددًا من التوجيه المركزي في المجالات الاقتصادية
وأقام هياكله الاقتصادية على ذلك النهج.
واليوم لا يمكن فهم التطورات الجارية
في أوروبا الشرقية بمعزل عما سيحدث في أوروبا الغربية بعد ثلاث سنوات فقط، ففي
نهاية عام 1992 سوف تستكمل دول السوق الأوروبية المشتركة توحيدها الاقتصادي،
وفي ذلك الحين يتوقع خبراء الاقتصاد أن تصبح أوروبا أكبر كتلة جذب اقتصادية في
العالم كله، منتزعة هذه المكانة من الولايات المتحدة الأمريكية، وإزاء ما تفرضه
التطورات التي ستشهدها أوروبا الغربية يمكن تصور إن انحلال قبضة التوجيه المركزي
عن إدارة الشئون الاقتصادية في أوروبا الشرقية، أصبح من الإجراءات الضرورية، حتى
ولو أدَّى ذلك إلى تجاوز الأطُر والمقولات النظرية الماركسية، وهو ما نشاهده الآن،
ليس في شرق أوروبا فحسب وإنما في الاتحاد السوفييتي نفسه!
- اندماج أو تكامل
وطبقًا لهذا التصور يمكن القول بأن
دول أوروبا الشرقية تهيئ نفسها للاندماج أو للتكامل مع دول أوروبا الغربية عن طريق
بعض الإجراءات المشار إليها، وإذا ما حدث نوع من الاندماج أو التكامل بين الجانبين
فإن هذا يعني أن تصبح القارة الأوروبية مركز الثقل العالمي الذي يتحكم إلى حد كبير
في السياسة العالمية ككل، وهو الأمر الذي تعمل له القوى الأخرى وعلى رأسها
الولايات المتحدة، التي يأتي ترتيبها لاتفاقية التجارة الحرة مع كندا مؤخرًا، ضمن
هذا السياق، كما أن اليابان باعتبارها قوة اقتصادية كبيرة تسعى هي الأخرى منذ عدة
سنوات لإنشاء تكتل اقتصادي في شرق آسيا.
وإذا كانت الأوضاع الأمنية تسودها
إستراتيجية توازن القوى في سباق التسلح بين حلفي وارسو والناتو «شمال
الأطلنطي» وما يتبع ذلك من توزيع أدوار..
فإن الكلام عن مصير أوروبا الشرقية،
في حالة انحلال حلف وارسو لابد أن يرتبط بالكلام عن مصير دول أوروبا الغربية ساعة
انحلال حلف الناتو أيضًا، وليس المقصود بالطبع زوال كافة أشكال التعاون
والارتباطات العسكرية هنا وهناك، ولكن المقصود هو أن التطورات الجارية في كلا
الجانبين إذا استقرت إلى نهاية الشوط، تفترض بروز إستراتيجية جديدة تحكم الإطار
العام للعلاقات الدولية خلال العقود القادمة، فإذا كانت إستراتيجية توازن التفوق
في سباق التسلح قد تراكبت مع النظام الدولي الذي قام على أساس القطبية الثنائية،
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن خلخلة تلك الثنائية في ضوء التطورات
الراهنة في كل من حلف وارسو وحلف الأطلنطي، وعلاقة دول كل حلف بالدولة القائدة له
من ناحية، وتزايد احتمالات بروز وحدة أوروبية سياسية - خاصة بعد تحقيق
الوحدة الاقتصادية - وفي ظل «ألمانيا موحدة» من ناحية أخرى،
كل ذلك سيعني بالضرورة زوال إستراتيجية توازن القوى، لتحل محلها إستراتيجية أمنية
جديدة تتضاءل فيها الاعتبارات العسكرية والاستعدادات المتعلقة بالتسلح إلى حد
كبير، عما هو عليه الحال الآن.
- نظام أوروبي جديد
ومما يؤكد ذلك أن العوامل الاقتصادية
تمثل أحد الأسباب التي تكمن خلف التحولات الهائلة التي تشهدها الكتلة الشرقية
عمومًا وأوروبا الشرقية بصفة خاصة، كما أنها تلعب دورًا مهمًّا في سعي أوروبا
الغربية نحو الوحدة أيضًا، وفي ضوء هذا التحليل فإن القسم الأوروبي من الكتلة
الشرقية، من الأرجح أن يصير جزءًا من نظام أوروبي جديد، أما الاتحاد السوفييتي فهو
في ظل قيادة مثل جورباتشوف يشهد تغييرات تكاد تكون جذرية تصب في تجاه مواكبة
التطورات القادمة التي ستعيد رسم الخريطة الدولية وتعيد توزيع مراكز السيطرة
العالمية..
إن أوروبا الغربية تسعى حاليًا لخلق
كتلة أكثر تضامنًا وتسعى في نفس الوقت إلى مزيد من الاستقلالية والانكماش العلائقي
تجاه الولايات المتحدة، وبانهيار النظام الاشتراكي فإن الإستراتيجية الأوروبية لا
بد من توسيع دائرتها لاستيعاب تلك المتغيرات، أما في أوروبا الشرقية فهناك مستويان
يمكن من خلالهما النظر إلى مدى استعداد أوروبا الشرقية للتعامل مع ما تطرحه أوروبا
الغربية:
المستوى الأول: هو نفس المستوى الرسمي، المتمثل بموقف حكومات أوروبا الشرقية التي
تسيطر عليها الأحزاب الشيوعية لمدة طويلة، وفي هذا الصدد لا يخفى أن ما حدث في
بولندا ووصول نقابة التضامن إلى السلطة، وهي في الأصل حركة معارضة لها صلة وثيقة
بالكنيسة، وكذلك ما يحدث في الاتحاد السوفييتي من إجراءات إصلاحية وما يحدث في
باقي دول الكتلة الشرقية وعلى رأسها ألمانيا، كل ذلك يشير إلى أنه ليس هناك ما
يمنع من الاستجابة بدرجة أو بأخرى للأطروحة الغربية.
أما المستوى الثاني: فهو المستوى الشعبي، هو الأهم، وكل
الأحداث الجارية على هذا المستوى من نشاط الاتجاهات المعارضة وحركة الهجرة
المتدفقة من ألمانيا الشرقية إلى الغربية أو قرار حكومة الأولى مؤخرًا بالسماح
رسميًّا بتلك الهجرة عبر سور برلين، يؤكد تلهف مواطني الدول الشرقية عمومًا إلى
الحرية ونمط الحياة الغربية، كل ذلك يدفع إلى القول بأنه من العسير وقف ما يمكن
تسميته بـ «التحطيم الرسمي والشعبي» للجمود الأيديولوجي الذي خيم على
مجتمعات تلك الدول لأكثر من أربعين عامًا.
- محنة أوروبا الشرقية
لكن ربما تتوزع دول أوروبا الشرقية
بين الأنظمة الاشتراكية المَرِنة والأنظمة الغربية، غير أن تلهف الشعب للحريات
والسلوك نحو الانفتاح، من المحتمل أن يولد حالة فوضى، وتمردات واسعة، كما هو أحوال
الأقليات في الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا، كما يوحي ذلك بأن البدائل المطروحة،
بما فيها النظام التعدُّدي والرأسمالي لن تكون حلًّا.
ولا يمكن الجزم بأن النظام التعددي
في إطار الرأسمالية لن يكون حلًّا للأزمة السياسية التي تشهدها أوروبا الشرقية
الآن، وفي تصوري أن المستقبل السياسي لأوروبا الشرقية بصفة عامة، بما فيها الاتحاد
السوفييتي، سوف يتحدد في ضوء التوجيه نحو صيغة من صيغ التعددية التي تضمن قدرًا
كافيًا من الحريات واحترام حقوق الإنسان فإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية سياسية،
يتضح أن محنة مجتمعات أوروبا الشرقية هي في فقدان الحرية وإهدار حقوق الإنسان تحت
شعارات أيديولوجية ثبت إخفاقها، ويعترف بذلك قادة وزعماء الاتحاد السوفييتي نفسه.
ولا يعني هذا أن الكتلة الشرقية
ماضية لا محالة إلى الديموقراطية الليبرالية المعروفة في الغرب، وإنما يمكن القول
بأنها ستمضي ولا شك إلى صيغة جديدة من التعددية الديموقراطية تقترب كثيرًا من
ديموقراطية الغرب بالقدر الذي تبتعد عن النظام الشمولي في ظل الماركسية، ولكنها في
كل الأحوال ستظل «ديموقراطية محكومة».
- أيديولوجية جديدة
إن الاندفاع الشعبي الهائل ضد النظام
الاشتراكي والمتطلع لأنظمة بديلة كما في المجر وبولندا وبلغاريا؟ يدلل على الحرمان
من الحرية وإهمال الجوانب الروحية وإهدار كرامة الإنسان وتدهور مستوى المعيشة
بالمقارنة مع الدول الغربية هي الأسباب التي تفسر الاندفاع الشعبي ضد الأنظمة
القائمة في أوروبا الشرقية، ولكن من السهل أيضًا القول ببطلان هذا التفسير إذا
أثرنا سؤالًا من قبيل: لماذا لم تتحرك تلك الشعوب نحو الحرية، وتنتفض على
أنظمتها الماركسية إلا مؤخرًا، وقد عاشت في ظلها عشرات السنين؟ لابد إذن من
البحث عن أسباب أكثر عمقًا، وأكثر قدرة على تفسير ما يحدث، وهذه الأسباب يمكن ردها
إلى محورين: الأول يتعلق بالموقف من الدين، والثاني يتعلق بالموقف من
الأيديولوجية.
فمن ناحية نجد أن العالم المعاصر بدأ
يدخل بالفعل في عصر زوال الأيديولوجيات الوضعية البحتة، وفي الوقت نفسه بدأ يشهد
مولد عصر جديد بأيديولوجية جديدة، من المؤكد- كما تشير دلائل عديدة- أن
الدين سيكون له دور مهم فيها، وهذا يعبر عن الاعتراف بخطأ وإخفاق كل الأيديولوجيات
التي تحصر الفرد ومن ثم المجتمع في إطار المادة، ولا تختلف في ذلك الماركسية عن
الرأسمالية.
ومن ناحية أخرى، فإن الأيديولوجية
الماركسية، والأنظمة التي قامت عليها بالذات تتصادم مباشرة مع الفطرة الإنسانية،
عندما تصور وتنظم- تلك الأيديولوجية- حياة الناس على نحو لا يختلف عن
حياة البهائم التي لا هم لها إلا الطعام والصراع على لقمة الخبز، وأن نظامًا يقوم
على مثل هذا التصور لا يمكن أن يستمر إلا معتمدًا على الإرهاب والقمع الوحشي، وهو
ما حدث بالفعل، كما أنه يستحيل أن تصبر عليه الجماهير إلى ما لا نهاية لأن الفطرة
الإنسانية لا بد أن تنتصر، وهو ما يحدث الآن.
إذن يمكن القول إن انتفاض الجماهير
وفرارها من الماركسية، إنما هو قرار من نظام يحُول بينها وبين الفطرة، والمثير أن
ما يطرأ على الأيديولوجيات الوضعية واتجاهها نحو الزوال، وبصفة خاصة الماركسية، قد
توقعه الشهيد سيد قطب وأثبت بوضوح شديد منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا في
كتابه «المستقبل لهذا الدين».
وأخيرًا ربما نتساءل ما هو حال
الأقليات الإسلامية في دول حلف «وارسو» وذلك في ضوء المستجدات القائمة
والقادمة؟
للأسف الشديد لا تحظى أحوال الأقليات
الإسلامية بصفة عامة بالاهتمام المطلوب، لا من قبل وسائل الإعلام ولا من قبل
الحكومات الإسلامية، فضلًا عن الغربية، التي تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل
الحريات واحترام حقوق الإنسان وحق تقرير المصير... إلخ!
- اعتبارات أخرى
وإذا قصرنا الحديث على حال الأقليات
الإسلامية في دول حلف وارسو، فمن المفروض على ضوء المستجدات القائمة، أن تحظى تلك
الأقليات بنصيبها من الحريات، وأن تشارك في رسم صورة المستقبل الذي تسعى نحوه تلك
المجتمعات، بشكل يضمن لها الحفاظ على كيانها وهويتها وعقيدتها، ولكن يبدو أن هناك
اعتبارات أخرى لا صلة لها بالضمير الإنساني ولا بالشعارات المرفوعة هي التي تحكم
الموقف، ولنضرب مثالًا واحدًا على ذلك بما يحدث في بلغاريا، فطبقًا للتقارير
القليلة جدًّا بهذا الخصوص، فقد بلغ عدد المسلمين الذين هربوا من
بلغاريا 320 ألف مهاجر خلال ثلاثة أشهر فقط (من يونيو إلى
أغسطس 1989)، وأبسط ألوان التعسف التي دفعتهم إلى الهجرة إجبارهم على تغيير
أسمائهم الإسلامية إلى أسماء مسيحية وإغلاق المساجد والمدارس الخاصة
بهم... إلخ. ولا تكاد تجد صدًى لذلك كله في الصحافة العالمية أو في
تقرير منظمات حقوق الإنسان! في حين أن الجميع مشغولون- حتى صحافة البلاد
العربية والإسلامية- بهجرة الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية!
هذا نموذج عن أحوال الأقليات في ظل
الأوضاع الراهنة، أما عن أحوالها في ظل المتغيرات المستقبلية، فلا يبدو في الأفق
أنها ستكون أفضل حالًا منها الآن، فالمسلمون في الاتحاد السوفييتي يشكلون
حوالي 17% من مجموع السكان تقريبًا، وتنظر الحكومة السوفييتية بقلق بالغ
إلى معدل تزايد عددهم- أربعة أمثال أقرانهم الروس- إلى الحد الذي يهدد- في
نظر الحكومة- التوازن السكاني في الاتحاد السوفييتي كله، إذ من المتوقع أن
يمثل المسلمون ربع سكانه في مطلع القرن القادم..
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن
السلطات السوفييتية، رغم الإجراءات الجريئة التي يتخذها غورباتشوف مازالت تمارس
الاضطهاد وتشدد قبضتها على مناطق الجمهوريات الإسلامية الآسيوية في الاتحاد
السوفييتي، وتشير بعض التقارير إلى أن آلافًا من مسلمي تلك الجمهوريات، تم
اعتقالهم بتهمة ممارسة النشاط الديني، وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فلن يطرأ
تحسن يذكر في أحوال الأقليات الإسلامية في الدول الشيوعية وفي غيرها، اللهم إلا
بفعل عوامل ضغط تأتي من خارج تلك الدول، وهذا ما يجب التفكير فيه بجدية!