; ماذا يراد بنا؟ وإلى متى ؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يراد بنا؟ وإلى متى ؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الجمعة 04-يونيو-2004

مشاهدات 85

نشر في العدد 1603

نشر في الصفحة 47

الجمعة 04-يونيو-2004

تشترك الطبيعة البشرية في أشياء تختلط بكيانها وتواكب مسيرتها، ولهذا فهي تعتز بها وترتاح إليها وتأنس بها وتحافظ عليها وتحوطها بالجلال والكمال فمثلًا:

1-لكل أمة مقدساتها التي تعتز بها وتحافظ عليها وتجاهد في سبيل الدفاع عنها، ومن مقدساتنا العزيزة الغالية القدس والمسجد الأقصى مسرى رسول الله ﷺ وموطن العز والفخار والنصر والعدل التي فتحها الرجال الكرام بشرف وبطولة، وأقاموا فيها العدل ونشروا فيها الأمان، وضربوا للإنسانية والتاريخ في التعايش بين الأديان وحفظ الحقوق والأموال والدماء، حفظ التاريخ لهم ذلك بتواتره ووثائقه، ومن ذلك الوثيقة العمرية التي ستظل مفخرة الزمان ودرة التاريخ وآية الإسلام قاطعة على هديه وبره ووفائه وقد جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم                                                         

هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان.. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا يهدم ولا ينقص منها ولا من حيزها، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن إيلياء أحد معهم من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص ومن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا أمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي صوامعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى صوامعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. 

وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا ما عليهم من الجزية. كتبه وخطه سنة خمس عشرة هجرية وشهد على ذلك خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.

هذه عدالة الإسلام وعزته ومفخرة المسلمين، ولكن ماذا صار وصرنا؟ وماذا دهانا وحل بنا؟ إن العين لتدمع، وإن القلب ليفجع لما آل إليه الأمر، وكذلك               

تبكي الحنيفية البيضاء من أسف 

                                          كما بكى لفراق الإلف هيمان                     

على ديار من الإسلام خالية

                                       قد أسلمت ولها بالكفر عمران

تلك المصيبة أنست ما تقدمها

وما لها من طول الدهر نسيان 

فأين المجد الذي ورثناه؟ وأين الديار التي  حللنا بها؟ وأين العز والمجد والسؤدد؟

 

ورثنا المجد عن آباء صدق

                           أسأنا في جوارهم الصنيعا

إذا المجد الرفيع توارثته

                          بناة السوء أوشك أن يضيعا

إن واجب المسلمين اليوم هو الحفاظ على مقدساتهم وديارهم وتاريخهم من عبث العابثين وبغي الباغين، لأن في ذلك حفاظًا على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وما نتيجة هذا التراخي والضياع والكسل إلا ما نرى من هوان ومذلة وسفك لدمائنا وتفضيح لأعراضنا                                                                   

ويح العروبة كان الكون مسرحها 

                          فأصبحت تتوارى في زواياه                         

كم صرفتنا يد كنا نصرفها                                                             

                         وبات يملكنا شعب ملكناه 

ملكنا الشعوب بالإنصاف والعدل والرحمة وملكونا بالجور والقتل والتشريد، وأخذ لقمة العيش من أفواه الصغار والنساء والشيوخ وتجريف الأرض وقطع الأشجار وإهلاك الحرث والنسل.                                       

2-لكل أمة شرف وعرض تذود عنه وتضحي في سبيله وتمنع عنه السفهاء والمعتدين

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذي 

                             حتى يراق على جوانبه الدم 

وتعيش بسلام وأمان وسعادة، إذا سلم لها هذا الشرف وامتنع، وسما لها هذا العرض وصين، وتذل وتهوى إلى الحضيض إذا ديست كرامتها وامتهنت عزتها.                                    

3- لكل أمة أرض تحتضن مرابعها، وتجمع شملها، وتحمل ذكرياتها، وترسم على محياها آمال المستقبل وتبني على صفحتها عز الحاضر ترتاح في أجوائها، وتسير على دربها، وتحتضن تربتها وثراها، لأنه يحمل عبير الأجداد والأجيال وعبق الصبا والشباب، فإذا ضاعت أرضها واحتلت مرابعها، فقد ضاعت ذكرياتها وتبددت آمالها وفقدت عزتها، وتبخر مستقبلها وانهدم حاضرها، وأصبحت لا تملك إلا أن تهيم على وجهها شريدة طريدة في النجوع والكفور والدول والبلاد والأوطان غريبة طريدة، وإن ملكت كل شيء، وحازت الأموال والمتاع، فهل يراد لنا ذلك؟            

 4- ولكل أمة ثقافة وأفكار وتراث تربت عليه و تعلقت به مهجها وهفت إليه أفئدتها وكونت عليه شخصيتها، يحمل نبض قلوبها وخيال عقولها وشذى تاريخها، وحديث القرون فيها ويحدد هويتها ولونها وعطاءها، ويؤسس لحضارتها ويظهر إسهاماتها في الحياة التي بها تعلو وترتفع وعليها تبنى وتؤسس فإذا ضاعت هذه الثقافة في أجواء الحرب المعلنة على أمتنا في شتى الاتجاهات فأي شيء يبقى لنا؟ وأي شخصية نتمي إليها؟! وأي هوية نعرف بها؟ وأي قلوب وأفكار وآمال نحملها بين جوانحنا ونبني بها أمتنا؟                                           

والشعب الفلسطيني ومن ورائه أمتنا يراد له ولها أن تنحل عراها وتذهب ريحها، وتحتل ديارها، وينسى ذكرها، وتتشرد شعوبها في حملة صليبية حاقدة جديدة، ولكن أنى لهذا الشر أن يبلغ من الأمة ما يخطط له وما يدبر ويريد؟ فالأمة اليوم يوقظ بعضها بعضًا وينادي هاديها شاردها، والرائد لا يكذب أهله وسنة الله تعمل عملها ووعد الله صادق: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ (محمد: ٧).                                                         

والله أسأل أن يهدينا سواء السبيل إنه نعم المولى ونعم النصير.                           

الرابط المختصر :