الثلاثاء 27-يونيو-1989
تطل علينا بين الحين والحين كتابات ومقالات يحاول أصحابها المساس بقضية تعتبر من المسلمات في الفقه الإسلامي، ألا وهي الإجماع على تحريم الربا والفوائد البنكية كصورة من صور الربا بنوعيه النسيئة والفضل، ومع التحفظ الشديد على الخوض في بواعث هؤلاء في إثارة هذا الموضوع، غير أننا ندرك أن الهدف هو الوصول إلى إباحة «فوائد البنوك»، والتعامل بالقروض الربوية التي توفرها هذه البنوك.
غير أن البعض قد ولج
هذا المولج الضيق بدافع إنعاش الاقتصاد الإسلامي بالاستفادة من الوفر المالي
والسيولة الكبيرة لدى البنوك، ويجعلون هذا مخرجًا للإشكال الكبير الذي يعيشه
المسلمون في اقتصادهم، وهو عدم قدرتهم على تجاوز دائرة الربا التي تحيط بهم محليًا
ودوليًا، والبعض الآخر أدلى دلوه في هذا الموضوع بدافع تبنيه للتجديد في الفقه،
والنزوع به نزعة معاصرة، وهؤلاء يفهمون التجديد أنه رفض للجمود على القديم، وعدم
التسليم بما فيه، بل إن كل قضية فيه قابلة للنقاش والحوار.
وكلا الفريقين لم يكن
أسعد حظًا من الآخر فيما ذهب إليه فإن الشريعة المتكاملة لا تحتاج إلى الترقيع حتى
تستطيع أن تحل إشكالات الناس والتي نشأت في غيبتها عن واقعهم، فهي تحمل لهم منهجًا
متكاملًا في الحياة، والاقتصاد جزء منه.
ثم أن التجديد لا يكون
برفض القديم، وإنما بتخريج الوقائع المعاصرة وتنزيلها على الفقه القديم، وهو أعظم
تراث ورثته أمة من الأمم وأستقرت عليه حياتها.
ولم يعجز فقهنا القديم
-كما يسميه هؤلاء- عن مواجهة أي واقعة معاصرة، ويشهد لذلك مؤسسات الاقتصاد
الإسلامي المعاصرة، والمؤسسات الزكوية، والتشريعات القانونية التي اعتمدت على
الشريعة الإسلامية في التقنين لحياة الناس.
ولندع هذا جانبًا ونقف
وجهًا لوجه مع القائلين بإباحة فوائد البنوك، وكان أول من نادى بهذا فيما نعلم الشيخ
محمد رشيد رضا، ثم تبعه معروف الدواليبي في عام ١٩٥١، وعقبه جعفر شاه، ويعقوب شاه
في الهند، وتتابع بعض المعاصرين على هذا القول كالدكتور إبراهيم عبد الله الناصر
المستشار في مؤسسة النقد العربي السعودي، والدكتور محمود أبو السعود وغيرهما.
ويمكن تلخيص أظهر ما يستند إليه الذاهبون بإباحة
ربا البنوك بالآتي:
١-أن الربا المحرم
فقط هو ربا النسيئة، وهو ربا الجاهلية، وهي الزيادة الطارئة في العقد، والمتمثلة
في قولهم «أتقضي أم تربي» أما الزيادة المشروطة في أصل العقد -كما في الفائدة
المصرفية- فهو صورة جديدة لا تدخل ضمن الربا المحرم، ويرد على هذا بعدم صحة كون
الزيادة الطارئة في العقد صورة جديدة في التعامل، فإن العرب في الجاهلية قد عرفوا
الكثير من صور التعامل المختلفة نتيجة لعلاقتهم المتواصلة مع حضارات فارس والروم،
فليس هناك دليل جازم على عدم معرفتهم بهذا النوع من المعاملات، وغاية ما في الأمر
أن البائع بعد أن زاد في الثمن في مقابل الأجل يزيد مقدار الدين بالإرباء عندما
يعجز المدين عن التسديد في الوقت المحدد، فالزيادة الأولى جزء من الثمن، والزيادة
الثانية ربا على ذلك الدين طارئ على العقد، وكون الزيادة طرأت بعقد جديد لا يصلح
للتفريق في الحكم، فالزيادة في الحالتين ربا؛ لأنها «فضل خال عن عوض بعقد»
فالتحريم لا يخصص بأن يكون عقد المداينة أولًا أو ثانيًا.
٢-إن الحكمة في
تحريم الربا هو الاستغلال والظلم الواقع من الأغنياء الدائنين على الفقراء
المدينين؛ حيث يستغلون حاجتهم لفرض فوائد على قروضهم، وليس الأمر كذلك بالنسبة
للبنوك؛ لأن القرض إنما يكون من رجل الأعمال والمستثمر الغني إلى المدخر الصغير
بقصد استثمارها وتوسيع عمله التجاري.
•ويرد على هذه المغالطة الكبيرة في تقرير
الأحكام الشرعية بأن هذه الأحكام لا تعلق على الحكمة منها، وإنما تدور على عللها،
فالعلة في تحريم الربا هي الزيادة المشروطة في عقد خال عن عوض يقابلها، فالعلة هي
الزيادة، والحكمة هي ما ينشأ عن هذا الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، ولا شك أن
الحكمة في تحريم الربا هي دفع مفسدة الظلم واستغلال حاجات الناس.
وهذا المعنى ملازم
للربا في أي صورة وقع وفي أي شكل وهو موجود بعينه في فوائد البنوك فإن المقترض إذا
كان من صغار المستثمرين، وأراد توسيع أعماله التجارية فإنه لا يأمن الخسارة،
وبالتالي سيقع تحت طائلة الدين وما يترتب عليه من فوائد، وحتى في حال ما إذا ربح
فما هو وجه الحق في أن يشاركه البنك في أرباحه المقدرة سلفًا دون توقف على
المشاركة في الخسارة؟ فهل هناك ظلم أبعد من هذا الظلم؟ هذا فضلًا عن أن النصوص
الواردة في تحريم الربا لم تفرق بين حالة وقوع الظلم وعدمه، بل هي مطلقة، ولعل هذا
يرجع إلى أن الظلم وأكل المال بالباطل هو عين الربا إن لم يكن لازمًا من لوازمه.
٣-الشبهة الثالثة
عند القائلين بإباحة فوائد البنوك هي أنها من قبيل ربا الفضل لا ربا النسيئة،
والمحرم إنما هو ربا النسيئة؛ لأنه الربا المعروف في الجاهلية، وهو الذي حرم تحريم
المقاصد، أما ربا الفضل فحرم تحريم الوسائل؛ لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة، فإذا لم
يؤد ربا الفضل إلى ربا النسيئة كان مباحًا.
•ويجاب عن هذه الشبهة أنه لا يسلم أن ربا
البنوك هو فقط من ربا الفضل، بل هو شامل لربا النسيئة كذلك، ومع التسليم جدلًا بأن
ربا الفضل حرم تحريم الوسائل، فهذا لا يعني أنه يصبح مباحًا إذا لم يؤد إلى ربا النسيئة؛
لأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد.
إضافة إلى الأحاديث
الكثيرة التي تبلغ حد التواتر الدالة على تحريم ربا الفضل دون توقف على ما يؤدي
إليه من نساء، كما في حديث الأصناف الستة التي في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله
عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر
بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا يمثل، سواء بسواء،
يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» صحيح مسلم.
وفي حديث أبي سعيد
الخدري -رضي الله عنه- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تبيعوا الذهب بالذهب
إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلًا
بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غالبًا بناجز» متفق عليه.
وجاء في رواية فمن زاد
أو استزاد فقد أربی الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه أحمد والبخاري، وهو نص صريح في
أن علة الربا هي الزيادة مطلقًا دون تفصيل بين النساء والفضل.
وهل هناك أصرح من قول
النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد» للدلالة على أن
ربا الفضل والنساء في التحريم سواء.
وثمة أمر آخر يشغب به
هؤلاء، وهو التعليق بالمصلحة، وأن التعامل بفوائد البنوك فيه تحقيق لمصلحة
اقتصادية، إضافة إلى ما توفره هذه البنوك من ضمانات للاستثمار.
ونقول إن «المصلحة»
ليست دليلًا للتحليل والتحريم، وإن من شروط صحة العمل بالمصلحة المرسلة هو عدم
معارضتها للنصوص الشرعية، وعدم تعارضها معها، وكل مصلحة تعارض نصًا فهي مصلحة
موهومة ملغاة، فضلًا على أنه لا مجال للاجتهاد في مورد النص.
وأخيرًا لا يجد هؤلاء
في جعبتهم إلا أن يقولوا بأن الاقتراض من البنك الربوي هو صورة من صور عقد
المضاربة.
وهذا خطأ بين؛ لأن عقد
المضاربة عقد تمويل، حيث يتضمن طرفين الأول يقدم المال، والآخر يقدم العمل أو
الإدارة، ولكنه في نفس الوقت شركة في الربح بينهما، وشركة في الخسارة كذلك، يتحمل
رب المال الخسارة المالية، ورب العمل ضياع جهده ووقته.
وهذا يخالف مخالفة
صريحة لعقد الاقتراض بين البنك الممول وصاحب العمل؛ لأنه لا شركة بينهما في الربح
والخسارة، بل رأس المال والعائد يضمنه المقترض، ومعلوم أنه إذا تعهد العامل بربح
لرب المال أصبح قرضًا ربويًا طالما أنه ضمن العائد فأصبح كأن رأس المال دين في
ذمته.
ثم إذا كان المروجون
لهذا الرأي معنيين بتتبع آراء الفقهاء المعاصرين والتعلق بالشواذ منها، فأين هم من
مقررات مؤتمرات المصارف الإسلامية والمجامع الفقهية التي تضم عددًا كبيرًا من
الفقهاء المعاصرين الذين نهجوا على تخريج الوقائع المعاصرة على أصول الفقه
الإسلامي؟
والذين يعلنون دائمًا
وأبدًا في توصياتهم وقراراتهم عن حرمة ربا البنوك والفوائد البنكية.
تعزية:
أسرة تحرير المجتمع ومجلس إدارة جمعية
الإصلاح الاجتماعي يقدمان التعزية للأمين العام المساعد في رابطة العالم الإسلامي
المستشار عبد الله العقيل؛ وذلك بوفاة والده المرحوم: عقيل سليمان العقيل، رحم
الله الفقيد، وأدخله فسيح جناته، وألهم أهله الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه
راجعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل