; ماذا يعطي الإسلام للبشرية؟! | مجلة المجتمع

العنوان ماذا يعطي الإسلام للبشرية؟!

الكاتب الأستاذ محمد قطب

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1978

مشاهدات 70

نشر في العدد 386

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 14-فبراير-1978

من منشورات دار الرعاية في انجلترا في محاضرة ألقاها المؤرخ الشهير أرنولد توينىبي سنة ‎١٩٤٨‏بعنوان- الإسلام والغرب والمستقبل- قال: وهنا وعلى عتبة المستقبل نلحظ إذن تأثيرين قيمين يستطيع الإسلام أن يمارسها على البروليتاريا العالمية للمجتمع الغربي الذي ألقى شباكه حول العالم، وضم البشرية جمعاء. وقد كان يشير بذلك إلى مشكلتين اثنتين قال إن الإسلام قادر على حلهما هما مشكلة التفرقة العنصرية ومشكلة الخمر.
ثم أردف يقول: أما في المستقبل البعيد فيمكن التكهن باحتمال قيام الإسلام بالإسهام في أوجه جديدة للدين. وهذه الاحتمالات المتعددة تتوقف على الوجهة السعيدة التي سيتمخض عنها وضع الإنسانية الحاضر.
-هناك من يفترض مقدمًا أن الخليط المتنافر الذي نتج عن غزو الغرب للعالم سيطور تدريجيًا وسلميًا إلى تركيب متجانس وسيشكل هذا التركيب بدوره، تدريجيًا وسلميًا أيضًا، نوعًا من الإبداع الجديد وهذا الافتراض المسبق. على كل حال يقوم على نظرية لا يمكن التحقق منها قد تبررها الأحداث في المستقبل وقد لا تبررها أبدًا وقد ينتهي الخليط إلى تركيب متجانس وقد ينتهي أيضًا بانفجار مدمر وفي حالة وقوع مثل هذه الكارثة سيكون للإسلام دور مختلف تمامًا وهو دور العنصر الفاعل في ردة فعل عنيفة تقوم بها البروليتاريا ضد أسيادها الغربيين.‏
وهكذا حصر توينبي مستقبل الإسلام في ثلاث نقاط.‏ اثنتان منها أكثر احتمالًا وهما القضاء على مشكلة العنصرية والقضاء على مشكلة الخمر والثالثة غير مؤكدة في نظره، وهي الإسهام ‎في أوجه جديدة للدين، والبديل منها قيادة ردة الفعل العنيفة التي يخشى توينبي حدوثها من البروليتاريا العالمية للشعوب المسحوقة ضد أسيادها الغربيين.
ولقد كان حريًا بالمؤرخ الشهير الذي يتعرض لكتابة تاريخ شامل للبشرية.‏ أن يكون أكثر موضوعية وعمقًا وهو يتناول موضوعًا له أهمية خاصة كموضوع الإسلام والغرب والمستقبل.
إن حصر الإسلام في هذه النقاط الثلاث. ما كان منها راجحًا في نظره وما كان غير مؤكد الوقوع، أمر لا تؤدى إليه النظرة الموضوعية الخالصة فضلًا عن النظرة المتعمقة التي ينبغي أن يتحلى بها من يتعرض لكتابة تاريخ البشرية.‏
‏فلماذا هذه النقاط بالذات؟
وأي شىء في نصوص الإسلام أو روحه أو تاريخه يجعله محصورًا‏ في هذه النقاط وحدها، ويجعل احتمالات نجاحه مقصورة عليها؟‏ وإذا كان توينبي يرى أن الإسلام قادر على حل المشكلة العنصرية ومشكله الخمر، مع أنهما من أعتى المشاكل التي يواجهها العالم المعاصر وأعصاها على الحل، فلماذا لا يستطيع الإسلام- مثلًا- أن يدلي بدلوه في حل مشكلة الفوضى الجنسية التي تجتاح العالم اليوم. أو مشكلة تفكك الأسرة أو مشكلة الجنوح بين الأحداث أو مشكلة شعور الشباب بالقلق والضياع أو غير ذلك من المشكلات التي تواجه الأجيال المعاصرة؟
‏على أن شأن الإسلام في الحقيقة محصورًا في تقديم حلول لتلك المشكلات التي ذكرناها على سبيل المثال لا الحصر، فهذه- أو غيرها- ليست إلا أعراضًا للمشكلات الجذرية؛ مهمة الإسلام الحقيقية هى التعرض لتلك المشكلات الجذرية‏ وتقديم الحلول لها، لكي لا تؤدى إلى تلك المضاعفات التي أرهقت البشرية اليوم. سواء في الغرب أو في العالم الذي غلب الغرب عليه. إن القضية الجذرية الأولى في حياة البشرية كانت، وما تزال، وستظل إلى قيام الساعة هى قضية العبادة أو قضية المعبود.
من المعبود على وجه اليقي؟ وعلى أية صورة يعبد.
ولقد مرت على البشرية فترة من الزمن- في الغرب خاصة- كان عدد من الكتاب والمفكرين يقولون للناس دعكم من قضية العبادة وقضية المعبود. لأنها قضية لا طائل وراءها عيشوا حياتكم واستمتعوا بها ولا تعبدوا- إن شئتم- شيئًا على الإطلاق وظن هؤلاء الكتاب والمفكرون أنهم بذلك يقدمون الحل النهائي للمشكلة. ويمنحون البشرية أكبر قدر متاح من السعادة في الأرض ويعطون الناس الفرصة التي لم تتح لهم من قبل لكي يعيشوا حياتهم على أفضل وجه بعيدًا عن أغلال الدين. ولتذهب قضية العبادة إلى الشيطان.

 وهذا اللون من التفكير يشتمل على وهمين كبيرين في آن واحد، فأما الوهم الأول، الذي ربما لم يكن واضحًا لكل الناس في القرن الثامن عشر والتاسع عشر حين كانت هذه الصيحات تتعالى في الغرب. هو الظن بأن الإنسانية ستسعد وستنطلق بناءة حين تنبذ الدين.
ولقد تقدم الغرب بالفعل علميًا وتكنولوجيًا هائًلا بعد نبذه للدين. فساعد ذلك على تمكن هذا الوهم من قلوب الناس. وغفل الناس عن أن الدين في ذاته لم يكن هو الذي عوقهم عن الانطلاق من قبل. إنما هى تفسيرات بشرية خاطئة هى التي عملت في القرون الوسطى المظلمة- في أوروبا- على تعويق حركة البشر نحو النهوض والتقدم كما غفلوا عن حقيقة أهم من ذلك. أن التقدم العلمي والتكنولوجي اللذين حصلت عليهما أوروبا بعد أن نبذت دينها ليس هو المقوم الوحيد للحياة، وليس هو المقوم الأول. وأنه وحده لا ينشئ حياة بشرية سليمة، وتلك هي الحقيقة التي أخذ الناس في الغرب يدركونها بوضوح متزايد في الوقت الحاضر. حين أدركوا أن الفراغ من القيم الروحية هو المسئول الأول عن حالات القلق والاضطراب والجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية. وعن شعور الشباب خاصة بالحيرة والضياع وهى كلها أمور تهدد البشرية في أمنها وسلامتها ورفاهيتها على الرغم من كل التقدم المادى الذي حصلت عليه في القرنين الأخيرين.
أما‏ الوهم الثاني فهو الظن بأن الإنسان يستطيع أن يلقي بقضية العبادة إلى الشيطان ويعيش بلا عبادة على الإطلاق.‏ وهو وهم ساذج لا يستطيع أن يسيغه من يدرس التاريخ البشري منذ بداياته المعروفة حتى وقتنا الحاضر فالعبادة- في أي ‎صورة كانت- لم تنقطع قَط من حياه الإنسان في القديم أو الحديث وحتى حين يقول الإنسان لنفسه: لن أعبد شيئًا على الإطلاق فإنه لا يكون بذلك قد تخلص من قضية العبادة كما يتوهم، إنما يكون فقط قد غير المعبود. وجعل نفسه أو هواه إلهًا معبودًا تسير حياته بمقتضاه.
إن العبادة ليست محصورة في شعائر التعبد من صلاة أو نسك أو تقديم قرابين كما يتبادر إلى ذهن الناس أحيانًا حين يتحدثون عن العبادة، فما ذلك إلا جانب واحد من جوانب العبادة أو شكل واحد من أشكالها، ولكن العبادة في جوهرها هى الطاعة والاتباع مع الإيمان بأن المطاع واجب الطاعة لذاته لأي سبب من الأسباب والعبادة بهذا المعنى جزء لا يتجزأ من كيان الإنسان ووجوده على الأرض لأنها جزء من مكونات نفسه، ولا يوجد على هذا المعنى إنسان لا يتعبد وإن زعم لنفسه غير ذلك. ذلك أن الإنسان عابد بفطرته. رضي أو كره وأدرك ذلك بوعي أو لم يدرك وإنما الذي يتغير من إنسان لإنسان.‏ أو من حالة لحالة. هو ماهية الإله المعبود أو الصورة التي يعبد بها ذلك الإله، فهناك من ناحية إنسان يعبد الله وإنسان يعبد إلهًا آخر- أو آلهة أخرى- غير الله، أيا كان اسمها وصفتها وطبيعتها. وهناك من ناحية أخرى عبادة صحيحة لله وعبادة منحرفة أو ضالة. ولا تخرج حياة البشرية- في جميع أحوالها- عن حالة من هذه الحالات.‏
والإسلام يعلمنا هذه الحقيقة. فإن القسم الأكبر من القرآن. سواء ما نزل منه في مكه أو ما نزل في المدينة معنى بهذه القضية: من هو الإله الذي يستحق العبادة، ‏وعلى أي صوره ينبغي أن يعبد، مع إبراز تلك الحقيقة المشار إليها. وهي أن الإنسان عابد في كل حالة من حالاته، فإما أن يكون عابدًا لله.

 وإما أن يكون عابدًا لشيء آخر مع الله أو من دون الله، وكلاهما سواء. ويعلمنا الإسلام أن الله خالق هذا الكون ومدبر أمره. هو الذي يستحق العبادة وحده دون شريك. ويفتح بصيرتنا وعقولنا على آيات الله في الكون لنتدبرها ولنعرف من خلال تدبرنا لها أنه لا يمكن أن يكون لهذا الكون إلا خالق واحد ذلك أن التناسق الملحوظ في بنيه هذا الكون وإنتظام حركته الدقيقة لا يمكن أن يتأتى إذا اشتركت أكثر من مشيئة واحدة في بنائه وتسييره: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض. ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ (الملك: 3) فإذا لم يكن في الإمكان أن يصدر هذا الكون عن مشيئتين مختلفتين. ولم يكن ثمة إلا خالق واحد. فإنه هو وحده الذي يستحق العبادة. وكل من أساسها ‎‏ ولا يليق بإنسان عاقل الله لا تستحق أن تعبد مع الخالق أو من دونه. ومن ثم فعبادتها باطلة من أساسها. ولا يليق بإنسان عاقل أن يتوجه إليها بالعبادة.
فإذا تقررت هذه الحقيقة فإن القرآن ينتقل إلى القسم الآخر من القضية وهو بيان الصورة الصحيحة لعبادة الله. فيقرر توحيد العبادة كما قرر وحدة الألوهية من قبل.‎‏ ‏في جانبين متكاملين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولا يغني أحدهما عن الآخر تقديم شعائر التعبد لله وحده دون شريك، ‏واتباع ما أنزل الله وتحكيمه في واقع الحياة.‏ 
فالصلاة لصنم أو شيء أو شخص أو تقديم القرابين إليه أو توجيه الدعاء إليه مفسد للعقيدة ويفسد العبادة. واتخاذ منهج للحياة غير المنهج الرباني هو كذلك مفسد للعقيدة ومفسد للعبادة على قدم سواء وبهذه الطريقة تتوحد العبادة ويتوحد الاتجاه.
فالإله الذي يتوجه إليه الإنسان ‎في صلاته ونسكه، هو ذاته الإله الذي يتوجه إليه وهو يتعلم. وهو ينشط في طلب الرزق. وهو يسعى لاستغلال طاقات الكون لتعمير الأرض، وهو يأكل ويشرب ويمارس نشاطه الجنسي. وهو يتعامل مع زوجته وأولاده في داخل الأسرة ومع غيره من الأفراد في المجتمع. ومع غيره من المجتمعات والشعوب والدول في السلم أو في الحرب سواء، قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (الأنعام: 162-163).
وليس مقتضى ذلك أن يذكر اسم الله بلسانه وهو يقوم بكل واحد من هذه النشاطات المتعددة. ولا أن يكتب اسمه تعالى على الورق الذي يستخدمه في تدوين ما يتعلق بهذة الاشياء، إنما مقتضاه الحقيقي أن يذكره بقلبه ووجدانه إلى جانب ذكره بلسانه. وأن تكون هناك صورة عملية واقعية لهذا الذكر.‏ هى الالتزام في كل ذلك بأوامر الله. 
-في الإسلام- قد تعلقت بهذه الأمور كلها وبينت في شأنها ما يحل وما يحرم، وما يباح وما لا يباح.‏
‏وحين يحدث ذلك فإن شيئًا ضخمًا جدا يحدث في حياة الإنسان يحدث بادئ ذي بدء أن يقدم الإنسان إلى خالقه العبادة الصحيحة الواجبة له، فإن الإنسان لا يقدر الله حق قدره إذا عبده في ساعة من نهار في صلاة أو نسك ثم انصرف عن عبادته بقية يومه وبقية عمره والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). بذلك المعنى الواسع للعبادة الذي يشمل الصلاة والنسك والمحيا والممات. ومن ناحية أخرى يكون هذا بمثابة عبادة إلهين اثنين إله يعبد في المعبد بالصلاة والنسك وإله آخر- أو آلهة متعددة ولكنها في النهاية واحد- يعبد بالطاعة والاتباع- في بقية شئون الحياة.

والقرآن يقول: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُون﴾ (النحل: 51). واستشعار القلب البشرى لعظمة الله الخالق، وقدرته المعجزة، المتبدية في خلق الكون على هذه الصورة البديعة من الدقة والانتظام والتناسق وخلق الأحياء من نبات وحيوان وإنسان.. كل ذلك يؤدى به- أو ينبغي أن يؤدى به- إلى عبادة هذا الإله العظيم بما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ولا يأتي هذا بعبادته عبادة طارئة في لحظة. والانصراف عن عبادته بقية اليوم وبقية الحياة.‏ وبصرف النظر عن الجزاء الرباني على تلك العبادة. فإن الشعور بالواجب يقتضي القيام بها تلقائيًا أداء للأمانات إلى أهلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ - (النساء: 58). ومن ذا الذي يستحق العبادة الدائمة الخالصة غير هذا الإله القادر العظيم؟
‏ولكن الله من رحمته يتفضل على الناس بأنهم حين يؤدون إليه هذه الأمانة وهي العبادة بمعناها الواسع الشامل. أو بمعناها الكلي الموحد.‏ فهو يثيبهم عليها جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا. ويؤمن لهم مستقبل حياتهم كله بعد الموت. وهى الفترة الأطول في حياة الإنسان، والأجدر بأن يسعى إلى تأمينها من كل سوء أما هنا في الحياة أشياء كثيرة مهمة في حياة الإنسان. فهو أولًا يمنحه الطمأنينة النفسية التي يفتقدها المرء خارج نطاق الإيمان حيث لا يستطيع أن تمنحه إياها كل عقاقير- السوما- ولا الخمر ولا المخدرات، ولا الإغراق في اللهو أو المتاع الحسي فهذه كلها تؤكد وجود الحالة التي يريد الإنسان أن يهرب منها. ولكنها لا تزيلها ولا تعالجها إنما تأتي الطمأنينة من الإيمان ومن ذكر الله كما يقرر القرآن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28). وهذه الطمأنينة ليست هي الاستسلام البليد للأحداث. إنها الضرب في مناكب الأرض سعيًا وراء الرزق والجهاد في سبيل الله لإقرار العدل الرباني في الأرض ومجاهدة كل نوع من أنواع الظلم الذي يبغضه الله وطلب العلم، وتعمير الأرض.
مع الاطمئنان في ذلك كله إلى الله، لأنه هو الذي بيده كل شىء، وإليه مصير كل شىء ولأن المؤمن مطمئن إلى أن الله لا يريد به- دائمًا- إلا الخير. ومن هنا يحدث في واقع الأرض سعى وراء الرزق بغير قلق وطلب للعلم بغير قلق. وجهاد في سبيل الله بغير قلق، ‎‏ وحضارة غير قائمة على القلق. كما حدث ذلك بالفعل مرة في التاريخ على أيدي الأجيال الأولى من المسلمين.‏
ولقد كان كُتاب ومفكرون إلى عهد ليس ببعيد، يمتدحون هذا العصر بأنه عصر القلق. ويسمونه القلق الخلاق، ولكنهم عادوا فعرفوا أنه جرعة سامة ولو كان في أبسط مقاديره ومن التوفر الذي يحدثه ليس نشاطًا حقيقيًا.‏ ولا أخلاقيًا، إنما هو عرض مرضي لا يلبث أن يؤدى إلى مضاعفات أخرى تفقد الإنسان أمنه وصحته النفسية.
وقال كُتاب آخرون ومفكرون إنه أمر ملازم للحضارة سواء كان ضارًا في ذاته أو نافعًا. وهذا تشخيص تنقصه الدقة العلمية. فهو ملازم للحضارة التي تعيش في عالم المادة وتهمل جانب الروح، لأنها من جهة تفقد المصدر الذي يعطي الطمأنينة الحقة. ومن جهة أخرى توزع النفس الإنسانية وتمزقها بين إلهين اثنين: إله يعبد في المعبد فترة قصيرة من الوقت، وإله آخر يحكم واقع الحياة فضلًا عن كون هذا الإله الأخير، وهو الأكثر مصاحبة للإنسان، إلهًا صلدًا لا يرحم ولا يوحي لعباده بالطمأنينة والاستقرار.‏ وفي واقع التاريخ وجدت حضارة مزدهرة من قبل لا تحس بالقلق القاتل، لأنها كانت تعيش مطمئنة بذكر الله.
وهو ثانيًا يوحد في داخل النفس وفي واقع الحياة بين أشياء كثيرة تفرق بينها انحرافات البشرية المعاصرة بغير وجه حق. والأصل فيها هو الترابط وليس الانفصال. ويوحد بين الروح والمادة، وبين الجسد والروح.‏ ويوحد بين الدين والعلم وببن الدين وعمارة الأرض وبين الدين والحياة. ويوحد أخيرًا بين الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :